نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
المؤذن السابق: من المئذنة إلى شاشة التلفاز

تـُظهر زلات اللسان، عادة، حقيقة ما يبطنه المرء في أعماقه من نوايا وأفعال، وما يضمره تجاه الناس. وكثيراً ما يقع أصحاب العمل العام في مثل هذه الزلات، رغم ما يحاولون إحاطة أنفسهم به من "كياسة" مصطنعة، وتأدب، وبروتوكول وظرف وانضباط، لكن في لحظة واحدة قد ينهار كل هذا ويظهر "النجوم" عراة مكشوفين أمام الناس، وربي كما خلقتني. وكل نفس هي نتاج لثقافتها وتربيتها ونشأتها وعقدها وأمراضها ونوازعها التي يحاول البعض إخفاءها، ولكنها تظهر هكذا، فجأة، ومن دون سابق إنذار، في لحظة ضعف أحياناً، أو حين تتراكم تلكم النوازع وتتجمع ولم يعد هناك بمكان أية قدرة على التحكم بها، أو حين يشعر صاحبها براحة ما، وبقدرته على البوح بها من دون أنت يلقى أي لوم وعتاب.

وحين أشرنا لعمل المؤذن السابق وانتقاله من محراب المسجد، ومن على جدران المئذنة، إلى شاشة تلفزيونية بكل ما فيها من إبهار وأضواء وتقنية وانضباط، لم تكن الغاية في معرض التحقير والتبخيس والازدراء، كلا، وحاشانا وحاشاكم على أية حال، فهذا ليس في صلب ثقافتنا التنويرية، وإنما كما قلنا سابقاً بغرض تبيان المنبت والجذور الثقافية والفكرية التي دلف وانحدر منها هذا المكسور وظهر في غفلة من الزمان في زمن الكاز والغاز وسطوع فتاوى ابن باز، وعلاقة كل ذلك بما يأتيه من سلوك وكلام وخطاب يتواءم وحقبة النفط وخطابها التهريجي المضحك والساذج. ويبدو أن المكسور لم يكن يدري، حتى اللحظة، أن هناك فرقاً كبيراً بين ثقافة وسلوك المحراب والمئذنة، وثقافة وسلوك الشاشة ومخاطبة جموع من المصلين بما لذ وطاب من الخطبة والخطاب إياه، المليء باللعن والشتائم والسباب على كافة الناس كما نسمع في خطب يوم الجمعة المنقولة على الهواء في التلفزيونات التي يشرف عليها طويلو العمر الإبرار، وبين مخاطبة أطياف واسعة من الناس. فالانتقال من المئذنة والمحراب، يتطلب، وبالتأكيد، انتقالاً وتحولاً في السلوك والخطاب لم يستطع المكسور على ما يبدو أن ينجزه ويحققه.

ولوسائل الإعلام العصرية أدبياتها وخطابها الراقي، وللشاشة مستلزماتها وبروتوكولاتها البعيدة عن مستلزمات ومتطلبات المسجد والمؤذن والمحراب، فالكلمة تحسب على الشاشة بالمثقال، بينما في المحراب لا رقيب ولا حسيب ولا قيود على الخطاب، خاصة حين يتعلق الأمر بسب الناس وشتمهم وتحقيرهم كما ولعنهم ورميهم أسفل سافلين.(شتم الطلقاء علي بن أبي طالب ذاته الخليفة الراشدي الرابع مائة عام على المنابر حتى أتى الخليفة عمر بن عبد العزيز وألغى تلك البدعة الأموية فأمر السب، حتى للصحابة الكبار، في ثقافة المكسور، عادي وتقليدي ولا غرابة فيه).

ومخاطبة أطياف متنوعة وشرائح عريضة ومتباينة من على الشاشة، يختلف بالطبع عن مخاطبة نسق ثقافي وعقلي ومستوى فكري واحد يكاد ينعدم فيه التباين الفكري تراه في ثنايا المحراب. ومن هنا، بالذات، بدأت مأساة المسكين المؤذن السابق، حيث يبدو في كثير من الأحيان بأنه لا يشعر بكبير فرق بين وجوده في المحراب، وعلى أعلى الجدران يؤذن للناس، وبين وجوده أمام شاشة تتطلب بالتأكيد أكثر مما يتمتع به المؤذن من مواهب وإمكانيات. فيظهر في أحايين كثيرة كمؤذن ومتدروش حين يعتقد، ويظن ويتخيل نفسه كنجم إعلامي، ولكنه لا يظهر أبداً كإعلامي مرموق ورصين من أولئك الذين نقابلهم على الشاشات في غير مكان.  

ففي المحراب، ينفتح الخطاب على آخره، ويذهب إلى مدياته القصوى، ومن دون ضوابط ولا حدود ولا روادع فالثقافة والتقليد تسمح بهذا، حيث تشتم فيه الشعوب والأمم والأقوام والملل والنحل والأديان بدون استثناء ويكفـّر فيه الناس، ويطلق على الآخرين صفات من مثل حفدة القردة والخنازير وملاعين، وتتم الدعوة بالموت، والترميل، والتيتيم، والقضاء على كل من ليس ناج من النار حسب اعتقاد المكسور. ولا بد أن المكسور حين مارس عمله السابق كمؤذن وخطيب وداعية بترولي من إياهم، في مسجد من مساجد إمارة دبي، كان قد مارس كل هذا، بالتأكيد، وعرفه وخبره، وأرضى غروره، وحقده على البشرية التي تشربها من نعومة أظفاره، وفجر كل مكامن التعصب والعنصرية والكراهية والرغبة التدميرية القاتلة ضد الآخر، وحين انتقل إلى شاشة التلفاز، اعتقد أنه ما زال هناك في المحراب، وفوق أسطح المساجد، وعلى المآذن، يؤذن بالناس، ويدعوهم للجهاد والقتل والقتال وسفك الدماء، ويسب ويلعن الشعوب والأمم والأقوام. فالعملية، قد تبدو، في أحد جوانبها، نوعاً من الاختلاط، والسهو، والنسيان الآني وزلات اللسان التي تخفي "المستور"، والتي انتابت المكسور في لحظة ما، وغلب عقله الباطن على وعيه الظاهر وتحكمه بملكة الكلام، وقال ما كان يقوله ويردده بانتظام في المحراب، ولكن، هذه المرة، من على شاشة التلفاز، معتقداً أنه ما زال هناك، يمارس عمله المعهود كالمعتاد. فالآخر بالنسبة له ليس سوى مجرد مشرك وذمي وكافر وملعون وقرد وخنزير ولاعق حذاء وأهبل ومضحوك عليه ومشروع ازدراء واحتقار...إلخ. فالشاشة و"البزة" الغربية والجلوس مع، وأمام بشر محترمين، لم تغير من خطاب الدشداشة والقلنسوة والنعال التي كان يرتديها المكسور في صحراء دبي.

غاب المذيع و"النجم" الإعلامي في تلك اللحظة، وظهر المؤذن السابق بكل تواضعه ودروشته وخطابه التقليدي المسكين حين قال المكسور ما قاله بحق أبناء الوطن السوري العظيم، وذهب كل ذاك البريق واللمعان الذي حاول أن يحيط نفسه به على الدوام، فالمؤذن سيبقى مؤذنا، ولن يبلغ النجومية التي لها أهلها، وناسها، وأدبياتها، وأخلاقياتها الصارمة والرفيعة والبعيدة عن لغة المؤذنين وشيوخ القتل والتكفير وداعاة الموت الكريه.

 مسكين هذا المكسور، الذي اختلطت عليه الأمور، وتاه، ولم يعد يعرف ويميز في بعض الأحيان، هل هو في المحراب مع مصلين ودراوشة وبهاليل وفي أعلى المئذنة وعلى الحيطان يحث الناس على القتل والدمار، أم في استديو وعلى الهواء والشاشة. فما زال، وبكل أسف، يحمل معه خطاب المحراب أينما حل وارتحل وأقام. والقاعدة الصارمة تنبؤنا أن: "من شب على شيء شاب عليه، وكل شيء سيعود إلى أصله، ومهما ذهب بعيداً، وتلون، وتزوق وامتد واستطال". وها هو "النجم" الإعلامي يعود إلى أصله مجرد مؤذن، وداعية سبـّاب لعـّان وشتـّام، لا راح ولا جاء، ينضح بخطابه المعروف في رحاب المحراب. ولا حول ولا قوة إلا بالله







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز