عادل جارحى
adelegarhi@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 January 2009

كاتب عربي من مصر

 More articles 


Arab Times Blogs
الأمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس .. كيف غابت ؟؟

جزيرة صغيرة تعداد سكانها أقل من عشرين مليون بذكاء وتخطيط تفوقت على كل الأمم وأستطاعت فرض سيطرتها على أمتداد وأتساع كوكب الأرض وأصبحت لا تغيب عنها الشمس فى بلاد كثيرة على أتساع خمسة قارات.

لنفترض أن جيشها 400 ألف وهذا عدد كبير نسبة لعدد السكان .. كيف أستطاعت بريطانيا العظمى إحتلال كل هذه البقاع ؟؟!!

 

هناك شعوب وقبائل بدائية أعدادها قليلة مثل الهنود الحمر فى أمريكا شمالا وجنوبا كذلك الأبوروجنى فى أستراليا والماورى فى نيوزيلاند , ومع أكتشاف البارود وصناعة البنادق أصبح الأمر أسهل كثيرا ..

 

  الهند .. تعداد سكانها كان حوالى 700 مليون أحتلتها بريطانيا وفرضت السيطرة عليها سنة 1875

حوالى 80 ألف جندى بريطانى أحتلوا دولة 700 مليون !!

كيف ؟ ... أنتشروا كمجموعات فى عدة قرى يحملون البنادق .. حينما يطلق الضابط الأنجليزى النار بطلق نارى مدوى على فيل ضخم فيصرعة , ترتعد أوصال الهنود , كانت تمر المجموعات وتترك فى كل قرية عدة جنود أربعة أو خمسة وهكذا من قرية الى أخرى .. أنتشرت الأشاعات فى القرى وكأن الجنود الأنجليز فى كل مكان وساعدهم فى سرعة الأنتشار خطوط السكك الحديدية التى أنشأها الأنجليز سنة 1853 بعد 250 سنة من تأسيس شركة الهند الشرقية , إذا حدث تزمر هنا أو هناك , تجمع القوات من المناطق الهادئة وتنشرها فى مناطق التمرد أو العصيان وتضرب بقسوة وشدة تصل الى قتل عدة أشخاص فتهدأ الأمور ولا تتكرر , مع إستخدام وسطاء أو عملاء وجواسيس مندسة بينهم ..

 

هكذا كانت الأمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس , مستغلة غباء وجبن الشعوب فى السيطرة عليهم .. الى جانب هذا بدأت فى تكوين وتدريب مجموعات صغيرة فى البداية أصبحت جيوش فيما بعد بقيادات وتسليح بريطانى وعملاء يتم تسمينهم ليصبحوا الأداة وأدوات السيطرة فيما بعد ..

 

الشعوب تراقب فى خوف وحذر , تراقب القوة المسيطرة وهى مخدوعة.. 80 ألف جندى يسيطرون على 700 مليون !!

حينما أدركت الشعوب خداع القوة وكيف يتلاعب الفأر بالفيل تحركت , وهنا بدأ أفول الأمبراطورية العظمى حتى غابت عنها الشمس وإنحسرت فى جزيرتها ..

 

الرئيس أو الملك يستمد قوته وحمايته وبقائه من الشعب , وليس من الجيش والأمن .. ينتهى الرئيس أو الملك إذا تخلى عنهم أو غضب عليهم الشعب .. ليس فى رومانيا وغرقيستان , لكن حدث فى مناطق كثيرة من العالم أشهرها الثورة الفرنسية.. حينما تتحرك الشعوب المخدوعة تنهار أعتى الإمبراطوريات , هنا تجد الدكتاتور يفر هاربا بعدما أنكشف ضعفه وضعف نظامه ..

 

الدكتاتوريات تعلمت وأستوعبت الخداع البريطانى وأخذت منه وسيلة وأسلوب للسيطرة على شعوبها وحتى الآن ظلت شعوب كثيرة أسيرة الخوف والقلق من النظم الدكتاتورية المستبدة .. كذلك أخذت ثقافة السيطرة والأستبداد نمط وأسلوب حياة ..   

مثلا .. هل يستطيع وزير التربية والتعليم فى بريطانيا أو ألمانيا أو أمريكا , أثناء زيارة مدرسة ليجد الدراسة منتظمة ومنضبطة وهذا شىء طبيعى ومفروض , ثم يأمر بصرف مرتب نصف شهر للمجدين !! أو يخصم نصف شهر من غير المجد !! فقط يحدث هذا فى مسرحيات كوميدية ولا يحدث إلا فى دول أدنى من التخلف .. أسلوب قبائل وشيوخ , أسلوب عزب وإقطاعيات أسلوب قمعى .. تخيل لو ذهب السيد الوزير فى رحلة الى بريطانيا مثلا وأصطحبه وزير التعليم البريطانى فى جولة الى عدة مدارس , هل سيجد الوزير البريطانى يأمر بصرف مرتب شهر لمدرس مجتهد أو يخصم من مدرس غير مجتهد وكأنها عزبة موروثة من أقطاعية التخلف؟
طبيعى لن يحدث لأن هذا ليس عمله أو أختصاصه , هناك قوانين ومجالس ومحاكم مختصة بذلك , تهذب أو تعاقب أو تفصل من لا يؤدى عمله كما يجب , لكن ليس من إختصاصه مكافئة مدرس ماديا أو خصم من راتبه , يمكن مكافأته معنويا بشهادة مثلا .. لكن إستغلال القوة والأستبداد أصبح ثقافة سيطرت على كل مناحى الحياة وهو أسلوب الضعفاء..

 

ما هو التغيير المطلوب ؟؟ ليس فقط تغيير أوراق !! تغيير الدستور والقوانين سهل , وتغيير القيادات والوزارات والبرلمانات سهل .. لكن كيف تتغير النفوس التى فسدت كيف يتغير الفساد الصغير قبل الكبير .. الطفل أصبح فاسد البنية , تعلم الفساد والغش والفهلوة منذ الصغر وحتى يستطيع قضاء إحتياجاته عند الكبر بكل الطرق والأساليب !! تعلم وتعود على الكذب تعلم سرقة الكهرباء من أعمدة النور بالقرية , وعندما أصبح مدرسا ناور ليبيع الملازم والدروس والرسالات .. كذلك الطبيب والمقاول والموظف والعامل والميكانيكى ورجل الأعمال والجزار والبقال , بلحية وبدون لحية , بحجاب وبدون حجاب !! وأصبح الفساد وسيلة وعذر الحكومات أقبح من كل الذنوب .. مظاهر التخلف تنعكس على الناس , المبانى , الشارع , فى القرية والمدينة , المدرسة والمستشفى .. مظاهر التدين , شكلية خالية المعنى والمضمون , أى نفاق أجتماعى بكل المقاييس وعلى كل المستويات ولكل مواطن تجارب شخصية ..

 

تغيير القاعدة هو الأمر الذى أصبح صعبا عسيرا بعد أربعة عقود .. ولا أعرف الحل الأمثل لهذا التغيير , حتى الجراحة أصبحت مشكلة معقدة فى جسم عربى مريض !!

 

فقط الشعوب هى القادرة على التغيير , ولن يستجيب القدر إلا إذا أراد الشعب ..

 

الى لقاء بإذن الله







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز