نهرو عبد الصبور طنطاوي
nehro_basem@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 October 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
حق الزوج على زوجته كذبة كبرى لاستعباد الزوجة

لقد كان مقالي السابق: (إلزام الزوجة بخدمة زوجها عبودية ورق) كحجر ألقيته في البركة الراكدة أو في المستنقع الآسن الذي يسمى بالأسرة العربية، فلقد أزعج مقالي كثيرا من الرجال، وأصاب معظمهم بالخوف والرعب، وأثار حالة من الفزع لدى كثير منهم، ورأيت ذلك في بعض التعليقات التي جاءت تعقيبا على مقالي سالف الذكر في عدد من المواقع التي نشرت بها مقالي، وكذلك من عشرات الرسائل التي وصلتني على بريدي الإلكتروني تنال مني ويتهمني أصحابها بأنني أساهم في هدم وتخريب الأسر العربية، ولكني بدوري لم أنزعج من ردة الفعل هذه، بل كنت متوقعها وأكثر منها، فأنا أتفهم جيدا مدى انزعاج الرجل العربي وخوفه ورعبه من مقال كهذا، لأن أفكارا كالتي حواها مقالي لو تسربت إلى رأس زوجته أو ابنته أو أخته أو أمه سوف تنفتح أعينهن وتنجلي بصائرهن على خدعة كبرى عشن فيها طيلة أعمارهن. مما يجعلهن ينقلبن عليه وعلى رجولته الزائفة شر انقلاب.

 ويمكنني كذلك أن أستنبط السبب الحقيقي الباعث على كل هذا الخوف والرعب عند الرجال العرب من مقال كهذا، وهو أن حكامهم الطغاة حين منعوا الرجل العربي من ممارسة رجولته خارج بيته بل وجردوه منها، وحين قاموا بخصيه سياسيا واقتصاديا وثقافيا وفكريا، وحين حرموه من تذوق طعم الحرية والكرامة والسلطة في ممارسة الحياة السياسية والعمل العام في الوطن الكبير لعقود من الزمن، لم يجد الرجل العربي أحدا يمارس عليه رجولته وحريته وسلطته سوى زوجته المسكينة وأخته المسكينة وابنته المسكينة وأمه المسكينة كبديل عن ممارستها خارج البيت، بل لقد حرمه الطغاة من رفع صوته والثورة إلا على زوجته داخل البيت، فأفكار كهذه لو تسرب محتواها لزوجة الرجل العربي أو لأخته أو لابنته، سوف تُنْزَع منه البقية الباقية من رجولته وحريته وسلطته المنزلية ويبقى كالبنيان الخرب المتهدم لا روح فيه ولا حياة، هذا بالضبط ما أثار القوم وأفزعهم من مقالي سالف الذكر.

 ومن أجل ذلك قررت أن أزيدهم من الشعر بيتا آخر، بأن أزيد المعترضين على مقالي السابق بمقال جديد هو: (حق الزوج على زوجته كذبة كبرى لاستعباد الزوجة) حتى أُكمل هدم بنيان الأسر العربية العفنة المقبورة في غيابات الظلم والفساد والاستعباد والاضطهاد وتحكم الزوج الفرد الواحد فيها، وحتى أحاصر ذلك المرض الفتاك الذي تحول وانتقل من محيط الأسرة الصغيرة المتمثلة في الزوج والزوجة والأولاد إلى محيط الأسرة الكبيرة المتمثلة في الوطن العربي الأشبه بالغابة التي يقودها حاكم فرد لص جاهل أرعن أهوج أحمق غبي طاغوت جبار متكبر يقود قطعانا من الغنم لا رأي لهم ولا حكم لهم حتى على أنفسهم، وأجبرهم أن ينقادوا أذلة خاسئين لنعيقه حين ينعق بهم. إن تفاصيل الحياة والحقوق الأسرية المزرية التي أناقشها ويعدها البعض من ترف القول، أو يعدها آخرون معاول لهدم الأسرة العربية، هي في الحقيقة اللبنات الأساسية التي كونت شخصية الحاكم العربي والمسئول العربي ورجل الأمن العربي ورجل الأعمال العربي والمدير العربي والمعلم العربي والطبيب العربي والقاضي العربي والمفكر والمثقف العربي الذين يعاملون من هم تحت مسئوليتهم ومن هم في سلطتهم كما يعاملون زوجاتهم، وينظرون إلى حقوقهم عليهم كما ينظرون إلى حقوقهم على زوجاتهم، بل أوشكوا أن يجامعوا من هم تحت إمرتهم وسلطتهم كما يجامعون زوجاتهم، فثقافة منحطة قذرة غير آدمية كهذه لم تترك لكل الشعوب العربية فرصة لتذوق يوما للعدل طعما، ولا للحق طعما، ولا للقسط طعما، ولا للحرية طعما، ولا للكرامة طعما، وما لم تذق هذه الشعوب المهطعة المنقادة الذليلة طعم العدل والحق والقسط والحرية والكرامة في محيط بيوتهم فلن يذوقوها أبدا في محيط أوطانهم.

 إن وجوب الطاعة المزعومة للزوج على زوجته بالمفهوم الاستعبادي السائد في كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية الآن هو أشبه بحبل مشنقة يوضع حول عنق الزوجة منذ اللحظات الأولى لزواجها، بل هو بئر من المهانة والإذلال يلقى بالمرأة في ظلمة غياباته لتحيي فيه وأبناؤها -إن جاز تسمية ذلك بالحياة_ إلى أن ينتشلها الموت وينقذها منه. ولقد ساهمت كثير من الأفكار الدينية المشوهة لحقيقة الدين في تأصيل وشرعنة وجوب تلك الطاعة العمياء من الزوجة لزوجها، بل جعلت الزوجة أطوع لزوجها من الحذاء في رجله، وجعلت الزوجة تخلع منذ الليلة الأولى على عتبة باب زوجها وبمحض إرادتها، حريتها وإرادتها واختيارها وكرامتها، وقد ساهم دعاة الدين الملقنين في نشر مثل هذه الثقافة المهينة الجائرة بين الرجال والنساء وعدوها دينا شرعه الله وبلغه رسوله، وعدوها عاصية لله ورسوله كل امرأة تبدي أي اعتراض أو امتعاض أو عدم امتثال لهذه العبودية المذلة التي ترفع لافته عريضة كاذبة مكتوب عليها: (طاعة الزوجة لزوجها حق وفريضة واجبة). وكان المساهم الأكبر في ذلك كثير من الروايات التي نسبت إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وهي روايات لا يمكن أن تمر ببال شخص واحد قرأ القرآن الكريم حق قراءته وألم بمقاصده وتعاليمه السامية المُعْلِيَة من شأن آدمية الإنسان رجلا كان أو امرأة، فروايات مهينة للزوجة كتلك لا يمكن أن تتسق في فكر عاقل مع تعاليم القرآن السامية، بل لابد أن يلحظ المنصف الحصيف مدى التناقض والتضارب بل والتصادم الشائن بين تلك الروايات وبين تعاليم القرآن الكريم، ولا يمكن أن يصدق عاقل أن تكون تلك الروايات والقرآن الكريم قد خرجا معا من مصدر واحد لما بينهما من التباين والتضاد والتنافر، وسأقوم الآن بسرد ومناقشة أشنع وأبشع هذه الروايات المهينة والحاطة لآدمية الزوجة وهي رواية (سجود المرأة لزوجها) لانتشارها الواسع بين الناس في العالمين العربي والإسلامي، بل ولاقتناع وقبول وإيمان ملايين الناس بها رجالا ونساء، بل أصبحت شعارا ترفعه جميع النساء العربيات المسلمات ويرفعه أزواجهن في وجه كل من يحاول إنقاذ المرأة من عبوديتها المقنعة بقناع الزواج.

 إن رواية حديث (سجود المرأة لزوجها) لها طرق كثيرة ومتعددة، بعضها صحيح السند وبعضها الآخر ضعيف السند، وهذه هي المصيبة التي أصابت الأمة على يد فقهاء الحديث منذ قرون طويلة وإلى الآن، وذلك لاهتمامهم وحسب بسند الحديث، دون النظر إلى نص الحديث ومضمونه وهل يتوافق أو يتنافر مع القرآن الكريم أم لا؟ فتركوا لنا ميراثا ضخما من الأحاديث والمرويات التي تشبعت بها نفوس الجماهير وأنتجت لنا دينا مسخا مشوها متناقضا متضاربا نجد فيه الإنساني يخرج من رحم اللاإنساني، ونجد فيه الحق يخرج من رحم الباطل، والطيب من رحم الخبيث، والخير من رحم الشر، والعدل من رحم الظلم، والأمانة من رحم الخيانة، والمعقول من رحم اللامعقول، حتى أغرقوا الناس وأوحلوهم في لجة من الآراء والاختلافات والتناقضات التي لا يعلم مداها ولا منتهاها إلا الله وحده، وأثقلوا كاهل المصلحين بعمل يفوق طاقاتهم في نبش هذا الكم الهائل من ركام الآراء والاختلافات والروايات لمحاولة العثور على حقيقة ما هنا أو هناك في كل مسألة من مسائل الدين، في محاولات مضنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أفكار ومعتقدات وقناعات وثقافات أشبه بالداء المزمن الذي استحكم في نفوس العرب والمسلمين.

 ومن يتتبع رواية سجود المرأة لزوجها هذه، يرى فيها كثيرا من التضارب والتناقض والاختلاف في سرد حادثة وقوعها ورواياتها، إلا أن جميعها أجمعت على عبارة واحدة لا اختلاف كبير فيها، وهي: (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظيم حقه عليها)، هذه العبارة وردت في كل طرق روايات هذا الحديث ولم تخل منها طريق واحد، ولنعرض الآن بعضا من طرق هذا الحديث مع تخريج فقهاء الحديث لهذه الطرق ثم بعد ذلك نقوم بالتعليق على نص ومضمون الواقعة: ## أولا: سند روايات حديث السجود: كما سبق وأن ذكرت أن هذا الحديث ورد بروايات وطرق كثيرة ومتعددة بعضها قال عنها فقهاء الحديث أنها صحيحة وبعضها قالوا عنها أنها ضعيفة، وسنتناول فقط عشر روايات من بين تلك الروايات، ولكن قبل هذا أود أن أشير إلى أمر غريب، وهو: أن هذا الحديث لم يروه كل من البخاري ومسلم رغم أن سنده ورد على شرطهما لكنهما لم يخرجاه في كتابيهما، لماذا؟ لا أدري، وهذه كانت عادة البخاري ومسلم مع أعداد كبيرة وضخمة أخرى من الأحاديث التي تركوها ولم يخرجوها في كتابيهما رغم موافقتها لشروط تصحيحهما للأحاديث، فربما كانت هناك موانع سياسية أو عقائدية أو مذهبية أو مزاجية ما لتركهم آلاف الروايات التي وافقت شروط تصحيحهما للأحاديث إلا أنهما لم يخرجوها في كتابيهما، مما جعل الحاكم النيسابوري يقوم بتصنيف كتابه الذي أسماه (المستدرك على الصحيحين)، وجمع فيه ما يقرب من (9588) حديث بالمكررة تركها البخاري ومسلم ولم يخرجاها في كتابيهما رغم أنها وافقت شروط تصحيحهما للحديث، وكان من بينها حديثنا هذا حديث: (سجود المرأة لزوجها) فقد أورده الحاكم في مستدركه بثلاث روايات قال عنها جميعا: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه).

 وقد أورد الهيثمي في مصنفه: (مجمع الزوائد) عددا كبيرا من روايات وطرق هذا الحديث، منها (حديث أبي هريرة) الذي رواه البزار وفيه سليمان بن داود اليماني وهو ضعيف. وكذلك حديث (صهيب عن معاذ بن جبل) الذي رواه البزار والطبراني وفيه النهاس بن فهم وهو ضعيف. وحديث (زيد بن أرقم) الذي رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح خلا صدقة بن عبد الله السمين وثقه أبو حاتم وجماعة وضعفه البخاري وجماعة. وحديث (ابن عباس) الذي رواه البزار وفيه الحكم بن طهمان أبو عزة الدباغ وهو ضعيف. وحديث (سراقة بن مالك) الذي رواه الطبراني من طريق وهب بن على عن أبيه وقال الهيثمي: لم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات. وحديث (عائشة) الذي روى ابن ماجه بعضه بغير سياقه ورواه أحمد وفيه على بن زيد وحديثه حسن وقد ضعف. وحديث: (عصمة) الذي رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف. وحديث: (غيلان بن سلمة)الذي رواه الطبراني وفيه شبيب بن شيبة والأكثرون على تضعيفه. ## ثانيا: اختلاف وتناقض نصوص الروايات: فأما ملخص رواية (أحمد بن حنبل) (فكانت حول جمل سجد بين يدي الرسول فلما رآه الصحابة قالوا يا رسول نحن أحق أن نسجد لك، فقال: (لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها من عظم حقه عليها) انتهى.

 أما ملخص رواية (سنن الدارمى): (جاء أعرابي فقال يا رسول الله ايذن لي فلأسجد لك، قال لو كنت آمر أحداً يسجد لأحد لأمرت المرأة تسجد لزوجها) انتهى . أما ملخص رواية (الحاكم في المستدرك) (أن معاذ بن جبل أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لأساقفتهم وقسيسيهم ورأى اليهود يسجدون لأحبارهم فقال لأي شيء تفعلون هذا قالوا هذه تحية الأنبياء قلت فنحن أحق أن نصنع بنبينا فقال نبي الله إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظيم حقه عليها) انتهى. أما ملخص رواية ثانية (للحاكم في المستدرك): (أن رجلا قال يا رسول الله علمني شيئا ازداد به يقينا قال فقال ادع تلك الشجرة فدعا بها فجاءت حتى سلمت على النبي ثم قال لها ارجعي فرجعت قال ثم أذن له فقبل رأسه ورجليه وقال لو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها) انتهى. أما ملخص رواية (البزار) (أن امرأة جاءت إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن فلانا يخطبني فأخبرني ماحق الزوج على زوجته فان كان شيئا أطيقه تزوجته وإن لم أطقه لا أتزوج. قال: إن من حق الزوج عل زوجته أن لو سال منخراه دما وقيحا فلحسته ما أدت حقه ولو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها إذا دخل عليها، فقالت المرأة والذي بعثك بالحق لا أتزوج ما بقيت في الدنيا) انتهى. وأما ملخص رواية (الطبراني) (قال رسول الله لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) انتهى. أما ملخص رواية (ابن ماجة) (أن رسول الله كان في نفر من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له فقال أصحابه يا رسول الله تسجد لك البهائم والشجر فنحن أحق أن نسجد لك قال أعبدوا ربكم وأكرموا أخاكم ولو كنت آمرا أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولو أمرها أن تنقل من جبل أصفر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أبيض كان ينبغى لها أن تفعل) انتهى. ## ثالثا: مناقشة مضمون الروايات:

 (1): تعددت القصص والمواقف التي قال الرسول فيها هذا الكلام، هل قاله حين سجد له الجمل كما في رواية (أحمد بن حنبل)؟، أم قاله حين استأذنه الأعرابي في السجود له كما في رواية (سنن الدارمى)؟، أم قاله لمعاذ حين أخبره أن اليهود والنصارى يسجدون لأحبارهم ورهبانهم كما في رواية (الحاكم في المستدرك)؟، أم قاله للرجل الذي رأى الشجرة تسجد له كما في الرواية الثانية (للحاكم في المستدرك)؟، أم قاله حين سألته المرأة عن حقوق الزوج على زوجته كما في رواية (البزار)؟، أم قاله من دون ذكر قصة معينة كما في رواية (الطبراني)؟، وقد يجيبنا على هذا السؤال بعض هواة التبرير والترقيع فيقول: ليس هناك ما يمنع أن يكرر الرسول مثل هذا القول في العديد من المواقف والأحداث.

 (2): هل رسول الله كان يقصد بهذا السجود سجود العبادة أم سجود التعظيم والإجلال؟؟، بالطبع سيقول البعض لا يمكن أن يكون قصد رسول الله من كلامه هذا سجود العبادة وإلا فهو يأمر بالشرك من دون الله، وإنما كان يقصد سجود التحية والتعظيم. أقول: لو كان يقصد بالسجود أي من الأمرين العبادة أو التعظيم لأصبح في كلامه هذا بعض الإشكالات، منها لو كان تلويحه بالأمر بسجود العبادة إذاً فهو يلوح بإباحة السجود لغير الله ويلوح بالشرك من دون الله، وهذا محال أن يصدر من نبي كان أساس دعوته إلى التوحيد ونبذ الشرك. أما إن كان يلوح بسجود التعظيم والإجلال فهنا إشكالان، أولهما: كيف له أن ينكر مثل هذا السجود وأنه لا يجوز في حق البشر بينهم وبين بعضهم، ثم يلوح بأمر لا يجوز فعله؟؟، ثانيهما: أن سجود التحية والتعظيم لم يرد له أي نهي أو منع أو تحريم في القرآن على الإطلاق، بل لم يرد له أي منع أو نهي أو تحريم من الرسول نفسه في أي حديث آخر، بل لقد أمر الله به الملائكة حين أمرهم بالسجود لآدم: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) (34_ البقرة)، بل وسجد نبي الله يعقوب لابنه نبي الله يوسف حين دخل عليه: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) (100_ يوسف). ولم ينكر الله مثل هذا السجود من الملائكة لآدم ولم ينكره من يعقوب حين سجد ليوسف، فكيف يستنكر النبي محمد مثل هذا السجود ويمنعه على أمته؟؟.

 (3): في رواية معاذ بن جبل التي رواها (الحاكم في مستدركه) حين رأى معاذ نصارى الشام ويهوده يسجدون لأحبارهم ورهبانهم سألهم معاذ: (لأي شيء تفعلون هذا)؟، أجابوه: (هذه تحية الأنبياء). ولما عاد معاذ أخبر رسول الله بالأمر واستأذنه في السجود له على غرار ما يفعله اليهود والنصارى مع أحبارهم ورهبانهم، فما كان من الرسول إلا أن قال لمعاذ قولا عجبا لا يمكن بل من المحال أن يصدر منه عليه الصلاة والسلام، وهو قوله: (إنهم كذبوا على أنبيائهم)!!، لماذا؟؟، لأن رسول الله يعلم يقينا أن نصارى الشام ويهوده لم يكذبوا على أنبيائهم في قولهم هذا، ولأنه يعلم يقينا أن مثل هذا السجود كان موجودا حقاً في أنبياء بني إسرائيل كما جاء في سورة يوسف عن سجود نبي الله يعقوب وأبنائه لنبي الله يوسف، وكما أخبر اليهود والنصارى معاذ بن جبل بهذا، فكيف يجهل رسول الله هذه الحقيقة الجلية الواضحة ويتهم اليهود والنصارى بالكذب على أنبيائهم في هذه الحادثة وهي موجودة ومقررة يقينا لديه في القرآن الكريم؟؟!!.

 (4): قوله عليه الصلاة والسلام فيما نسب إليه في رواية (أحمد بن حنبل): (لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر) انتهى. وقوله في رواية (البزار) (ولو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر) انتهى. أقول: كيف يقول رسول الله مثل هذا الكلام؟؟، وهو أكثر الناس علما بأن السجود قد صلح من بشر لبشر، بل وانبغى من بشر لبشر، وليس من بشر عاديين بل صلح وانبغى من أنبياء كنبي الله يعقوب ونبي الله يوسف ولم ينكر الله عليهما صنيعهما هذا.

 (5): لماذا لوح رسول الله في كل هذه الروايات بأمره للمرأة أن تسجد لزوجها؟؟، بالتأكيد سيجيبنا البعض ويقول: لعظم حق الرجل على زوجته، كما جاء في رواية (أحمد بن حنبل): (من عظم حقه عليها) انتهى.

 وكما جاء في رواية (الحاكم في المستدرك) (من عظيم حقه عليها) انتهى. وكما جاء في رواية (البزار) (إن من حق الزوج عل زوجته أن لو سال منخراه دما وقيحا فلحسته ما أدت حقه) انتهى. لدرجة أن المرأة حين سمعت هذا الكلام قالت: (والذي بعثك بالحق لا أتزوج ما بقيت في الدنيا) انتهى. وكما جاء في رواية (ابن ماجة) (ولو أمرها أن تنقل من جبل أصفر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أبيض كان ينبغي لها أن تفعل) انتهى. وهنا يحق للمتسائل أن يسأل، هل بالفعل حق الرجل على زوجته عظيم لهذه الدرجة المهينة التي من الممكن أن يأمر الرسول الزوجة بأن تسجد لزوجها كلما دخل عليها، وعظيم لهذه الدرجة المقززة المقرفة التي تجعل الزوجة تلحس الدم والقيح السائل من منخرا زوجها، وعظيم لهذه الدرجة المذلة أن على الزوجة أن تمتثل لأمر زوجها إذا أمرها أن تنقل من جبل إلى جبل آخر، وكيف بها هذه الزوجة التي ستنقل من جيل إلى جبل آخر؟؟ أهي من سلالة البغال والحمير؟؟، سنجيب على هذا التساؤل في الفقرة التالية.

(6) هل ورد في القرآن الكريم أن حق الزوج على زوجته بهذا التعظيم المهين والمذل والمبالغ فيه كما جاء في الروايات، أم أن الأمر وراء ذلك؟؟، لو عدنا إلى القرآن الكريم لوجدنا أن الحقوق بين الزوجين على قدم المساواة والمثلية التامة لا تفضيل ولا تعظيم لحق أحدهما على الآخر على الإطلاق، قال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (228_ البقرة)، وهنا يحق للبعض أن يتساءل عن (الدرجة) التي للرجال عليهن، هل هي حق إضافي للرجل على زوجته؟؟، وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا جعل الله للرجل حق إضافي على زوجته؟؟، ألا يعد هذا إجحافا وتمييزا ضد المرأة ومحاباة للرجل؟؟. أجيب فأقول: كلا على الإطلاق إذا فهمنا مدلول كلمة (درجة) بشكل صحيح، فمعظم الناس يفهمون كلمة درجة على أنها حق زائد للرجل على زوجته، أو تعظيم ورفعة لحق الرجل على زوجته، وهذا ليس صحيحا وإنما الأمر وراء ذلك تماما، فكلمة: (درجة) في أصل لسان العرب تدل على مضي الشيء والمضي في الشيء، أي استمرار الشيء أو الاستمرار فيه دون تكاسل أو تقاعس، ومنه قولهم: (درج الشيء)، إذا مضى واستمر لسبيله، وقولهم: (رجع فلان أدراجه)، إذا مضى في رجوعه واستمر فيه، فالدرجة والدرجات لا تعني الرفعة ولا المنزلة ولا التفضيل وإنما المضي في الشيء والاستمرار فيه.

 وهنا قد يقول البعض: إذا كنت تقول أن الدرجة لا تعني الرفعة ولا التعظيم ولا التفضيل ولا المنزلة، وإنما تعني المضي في الشيء والاستمرار فيه، فماذا تقول في قوله تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً) (95_ سورة النساء). وقوله: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ) (83_ الأنعام). وقوله: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) (165_ الأنعام). وقوله: (أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ) (20_ التوبة). ألا تعني هذه الآيات أن الدرجة تعني الرفعة والتعظيم والتفضيل خلافا لما ذكرت؟؟، أقول: كلا، فهناك خلط بين مفهوم كلمة (الدرجة) في ذاتها المجردة وبين رفعتها أو تفضيلها أو تعظيمها، وأضرب مثلا بقولنا: (الشمس ساطعة) أو (الشمس مشرقة) أو (غربت الشمس)، فالشمس في ذاتها المجردة شيء وسطوعها وشروقها وغروبها شيء آخر، فكلمة الدرجة في ذاتها المجردة لا تعني سوى المضي في الشيء والاستمرار فيه، أما رفع الدرجة وتفضيلها وتعظيمها فهو مفهوم آخر، ولو عدنا لتلاوة آية الحقوق مرة أخرى فلن نجد فيها لا رفع للدرجة ولا تعظيم ولا تفضيل لها، وهذا هو نص الآية مرة أخرى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (228_ البقرة). وبرهانا على ذلك قول الحق: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) (الأعراف:182)، أي سنجعلهم يمضون ويستمرون في أعمالهم السيئة من حيث لا يعلمون ليزدادوا إثما، فلا يمكن أن يعني الاستدراج هنا المكانة أو الرفعة أو المنزلة كما يفهم عموم الناس من معنى الدرجة، وإنما يعني المضي والاستمرار.

 إذاً فللرجال على النساء درجة وحسب، وليس رفعاً أو تعظيماً أو تفضيلاً للدرجة، وهذه الدرجة تعني التزام الزوجات بمضيهن واستمرارهن وعدم تكاسلهن أو تقاعسهن أو تعنتهن في بذل الحقوق المشروعة عليهن لأزواجهن والتي هي مثل الحقوق التي لهن على الأزواج من دون زيادة أو نقصان، لقوله: (مثل الذي عليهن)، فالله لم يزد في حقوق الرجل على زوجته ولم يرفعها أو يفضلها أو يعظمها، وإنما ألزم الزوجة بالمضي والاستمرار دون تكاسل أو تباطؤ أو تقاعس في بذل تلك الحقوق للزوج، أما فهم معظم الناس لقوله تعالى: (وللرجال عليهن درجة)، أن حقوق الرجل أعظم وأرفع وأفضل وأكثر وأكبر من حقوق المرأة فهو فهم خاطئ مغلوط لدى عموم الناس يجب تصحيحه. وقد يقول قائل: ولماذا ألزم الله الزوجة بالدرجة في بذلها وامتثالها لحقوق الزوج؟؟ ألا يعد ذلك تمييزا ضد المرأة؟؟، أقول: كلا على الإطلاق، إن هذه الدرجة التي شرعها الله للرجل على زوجته في امتثالها لحقوقه جعلها في مقابل قوامة الرجل على زوجته، والقوامة كذلك لا تعني ما يفهمه عموم الناس أنها رتبة أو منزلة أو رئاسة أو وصاية من الرجل على زوجته، وإنما هي وظيفة للرجل وحق عليه لزوجته، وتعني هذه القوامة إلزام الرجل بالإنفاق على زوجته وتدبير جميع شئونها واحتياجاتها من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، فللرجل علي زوجته حق الدرجة في مضيها واستمرارها في بذلها وامتثالها لحقوقه، وللزوجة على الزوج حق القوامة من توفير المأكل والمشرب والملبس والمسكن والرعاية، بدليل قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (34_ النساء).

 والتفضيل المذكور في الآية ليس ما يفهمه عموم الناس أن الله فضل الرجال على النساء، كلا على الإطلاق، وإنما التفضيل المذكور في الآية هو: أن الرجال قوامين على النساء بما فضل الله به بعض الرجال على بعض الرجال في الرزق، وبما أنفقوا على النساء من أموالهم كل حسب ما عنده وحسب ما آتاه الله من فضله ورزقه، فالغني ينفق على زوجته مما آتاه الله وبما فضله به على غيره من رزق وكسب، والفقير ينفق على زوجته مما آتاه الله وبما عنده، هذا كمن يقول: (كل يجود بفضله وبما عنده) ولا يعني التفضيل هنا تفضيل الرجال على النساء على الإطلاق، وبرهانا على ذلك أن الله قال في الآية التي قبلها بآية: (وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (32_ النساء)، فالتفضيل هو تفضيل في الرزق والكسب وحجم الإنفاق منه، وليس تفضيلا للزوج على زوجته. إذاً فللرجال عليهن درجة في مضيهن بامتثالهن للحقوق، وللنساء عليهم القوامة بإنفاقهم عليهن بما تفضل الله به عليهم من رزق وكسب، ولو قمنا بعملية وزن لهذه الحقوق وقياس لوجدناها متماثلة تمام المماثلة كما ذكر الحق سبحانه فقال: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (228_ البقرة). دون مفاضلة أو تمييز لطرف على آخر. وبقيت مسألة هامة في هذا الصدد ألا وهي ورود كثير من الروايات المنسوبة لرسول الله يجبر فيها المرأة أن تمتثل لأوامر وحقوق زوجها رغم أنفها، ومنها على سبيل المثال ما جاء في البخاري ومسلم: (أن المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت باتت الملائكة تلعنها في السماء).

 وفي رواية أخرى: (أيما امرأة دعاها زوجها فامتنعت سخط عليها الذي في السماء حتى يرضى عنها). قد يكون هذا الكلام صحيحا ومقبولا إذا كان في حق الزوجة المتعنتة والمتمنعة إذلالا منها لزوجها واستغلالا له، أما لو كانت الزوجة مريضة أو متعبة أو غير راغبة نفسيا أو لأي سبب آخر فلا إثم عليها ولا حرج، وقد ضبط الله عملية أداء وأخذ الحقوق بين الزوجين بضابط إنساني عظيم، ألا وهو كلمة (بالمعروف) في قوله: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (228_ البقرة)، وضابط المعروف هذا يطيح بكل صور وأشكال التعسف والتعنت في استخدام الحق أو المطالبة به بين الزوجين، بل إن ضابط المعروف في طلب وأخذ الحقوق يعني أن الحقوق تؤخذ بالرضا والاتفاق والتسامح وليس عنوة أو غصبا، فلو أن الزوجة مريضة مثلا وزوجها يريد جماعها هل يقتضي المعروف أن يأخذ الزوج هذا الحق جبرا وقهرا وقسرا وعنوة؟؟، كلا، فكلمة بالمعروف تلزم كل من الزوجين أخذ حقوقه من الآخر برضاء نفس وبحرية وبتوافق وليس بتعسف أو إكراه أو إجبار).

وفي الختام أقول لا يمكن أن يخطر ببال عاقل أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: (لو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها)؟، أو أن رسول الله يرى حق الرجل على المرأة أعظم من حقها بمئات المرات؟، أو أن رسول الله يقول: لو أن المرأة لحست ما يسيل من منخرا زوجها من دم وقيح ما أدت حقه عليها، أو أن يقول: لو أمرها زوجها أن تنقل من جبل أبيض إلى جبل أسود فعليها أن تفعل؟، فهل يصدق عاقل أن يصدر هذا الهراء منه عليه الصلاة والسلام ويخالف ما نزل عليه من قرآن يقول: (ولهن (((مثل))) الذي عليهن (((بالمعروف)))؟

 وأخيراً أقول على كل فتاة لم تتزوج بعد، أن تفكر ألف مرة قبل القدوم على الزواج من شخص معبأ بهذه الأورام الفكرية، وإلا ستضع حبل مشنقة حول عنقها ولن ينقذها منه سوى الموت، وعلى جميع النساء أن يجاهدن ويقاتلن من أجل تشريع قوانين جديدة تصون للمرأة كرامتها وآدميتها في بيت زوجتها.

 لدي شعور يملأني بأن النساء هن من سيقدن الثورة على الطغيان في العالم العربي، وهن من سيحررن الرجال العرب، لأن الرجال لم يعودوا رجالا. وصدق من مدح إحدى الحرائر الأبيات بقوله:

 لو كانت كل النساء كهذه *** لفضلت النساء على الرجال

 فلا التأنيث لاسم الشمس عيب *** ولا التذكير فخر للهلال







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز