د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
إصلاح التعليم في مصر ج 3

 

كنا قد وصلنا إلى الامتحانات أو نظم التقييم، وهي عندنا تعتمد القيام بالقياس لمستوى الحفظ والاستظهار؛ ولأنها تعتمد على الحفظ والاستظهار؛ فإن لها قيمة كبيرة، وتحدث بسببها ربكة غير عادية؛ فالطالب الذي يبحث عن مكان في الجامعة، أو مكان في العمل عليه أن يُحصِّل أعلى الدرجات؛ ومن ثم فيجب أن يكون حافظا لأهم النقاط المتوقع وجودها في ورقة الامتحان، ويجب أن يطمئن إلى مستوى الحفظ، وإلى طريقة الإجابة؛ فيجب أن يقوم المعلم الخاص به بعملية تكثيف الحصص الخاصة؛ ليتأكد تمام التأكد من أن عملية الحفظ على أكمل وجه.

        ننتقل إلى ورقة أسئلة الامتحان، وهي في معظم أحوالها تعبر عن طريقتنا في التفكير، فنحن نُكْبِر ونُجِل من كان حافظا، ونتباهى بأن فلانا يحفظ كذا وكذا، وهذا أمر طيب؛ لكنه لا يؤدي بنا إلى التقدم العلمي أو العملي في شيء كثير. من خلال فلسفتنا ونظرتنا إلى الأشياء يأتي نظام الامتحان ليعمق هذه النظرة، ويؤكد تمسكنا بهذه الفلسفة.

        أوراق امتحاناتنا كلها نظرية، وليس فيها جانب تطبيقي أو عملي، وإن وُجِد فهو نادر وقليل، وأسئلتنا من نوع: عرف، فسر معنى، اذكر سببا، وحتى في مجال الرياضيات والعلوم التجريبية تكون الأسئلة مماثلة تماما للمسائل التي قام الطالب بحلها من قبل. أين التجريب؟ أين التحليل؟ أين التفكير للوصول إلى حل ما من الحلول المناسبة لمشكلة ما؟ كل هذا غير موجود.

حتى موضوع الإنشاء أصبح موضوعا محفوظا؛ فهو متوقع من قِبَل الأساتذة، ومكتوب ومحفوظ من الطلاب، ويفقد الإنشاء معنى اسمه، ويتحول من إنشاء يقيس قدرة الطالب على التعبير عما يدور بداخله تُجاه موضوع معين، ليصير تعبيرا عن قدرة الطالب على الحفظ والاستظهار. هذا بالنسبة للجانب الفني.

        أما الجانب العملي في عملية الامتحان فيحدث فيه ما لا يُتَوقَّع في مجتمع متحضر، أو مجتمع يهتم بالتعليم كاهتمامنا به في مصر، فمثلا بعض- أو معظم- الطلاب حريصون على الغش، وتلك طائفة فاسدة لا يكاد يخلو منها مجتمع ما؛ لكن أن تصبح هذه الفئة الفاسدة هي الأصل، وتصبح عملية الغش هي النظام العام في الامتحانات أمر جد خطير.

        المعلمون الذين يقومون بواجب المراقبة والنظام، كثير منهم يهتمون بسرعة انتهاء الطلاب من الإجابة حتى يعودوا إلى أعمالهم الأخرى، أو إلى بيوتهم، ومن ثم فهم يطلقون الأمر للتلاميذ كي يقوموا بعملية الغش على أن ينتهوا من الإجابة؛ أقصد من النقل والإملاء في وقت محدد، وبعده سيحرمون من الغش.

        بعض أولياء الأمور يسعون بكل ما أوتوا من معرفة وصداقات للوصول إلى الأساتذة المراقبين، ويقدمون لهم الهدايا والقرابين مقابل أن يتركوا اللجان تسير دون نظام غير الغش، ويتحول المراقبون (المعلمون- المربون) إلى مراقبين على المراقب العام، فبمجرد أن يَشعروا بقدوم المراقب العام أو المشرف على الامتحانات ينبهون الطلاب إلى هذا الكابوس؛ فيتوقفون عن القيام بمهمتم الرسمية وهي الغش.

        بعض المعلمين عندهم ضمير يقظ يمنعهم من الانخراط في هذه المَهْلكة التي لا تبقي ولا تذر، فيحاولون- جهدهم- منع عملية الغش من الحدوث. وهؤلاء يتحولون في نظر الطلاب وأولياء الأمور- بل وفي نظر زملائهم من أنصار الهبر والهبش- إلى شَرٍّ لابد من التخلص منه، أو أعداء يجب مقاتلتهم. والحرب في عرفنا لا أخلاق فيها، فتتم محاربة هؤلاء بكل وسيلة ممكنة، بدءا بالسكاكين أو المطاوي، ومرورا بالسيوف، وادعاءات النظر المحرم الذي يفضي إلى هتك العرض، والكلام القبيح، وانتهاء بالإحالة إلى التحقيق بسبب إحداث جو غير مريح للمتَحَنين.

        وبهذا يتحول الأستاذ الشريف الذي يريد أن يؤدي دوره كما ينبغي إلى مجرم يحب على المجتمع التخلص منه، وغالبا ما يقوم رئيس اللجنة باستبعاد هذا الأستاذ من المراقبة على لجان معينة، أو يستدعيه من حين لآخر؛ فتترك فرصة للجنة كي تتنفس في غيبة هذا الأستاذ.

        فساد العمل التعليمي في جانب من أهم جوانبه وهو عملية التقويم يحتاج إلى علمية جراحية دقيقة للتخلص منه، فيجب أن يعود لنظام الامتحان احترامه وقدسيته. ولكن كيف يحدث هذا؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز