رياض هاشم الأيوبي
riadhayyoob@gmail.com
Blog Contributor since:
11 January 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
تركش ديلايت -ج1


ذكر أحد المعلقين أسفل مقالة لي على موقع عرب تايمز مؤخراً، ذكر شيئاً عن إنتشار الرشاوى في تركيا بشكل وبائي ..أنا لست تركيّاً  طبعاً ، وليس لي  زوج خالة أو  إبن عمّة من الأتراك ، لكنني أستطعم خوض هذه المواضيع من حيث إرتباطها بما لدينا ، شيء من قبيل المقارنة لا أكثر.

 الإرتشاء ظاهرة منتشرة في العالم كله ، ومن ضمنها تلك الكومشن، البعض قد يكسوها بمصطلح العمولات إن كان مجال الحديث هو الصفقات والعقود ،لكنها رشوة مهما قيل عنها. يؤشّر شيوع الإرتشاء إلى درجة الوبائية جملة أشياء، منها ضعف القوانين والتعليمات( في جانبها التنفيذي لأنك لا تجد سلة قوانين لا تدين الرشوة، العبرة دوماً هي في تطبيق أو عدم تطبيق التعليمات)، وإنعدام الرقابة الفاعلة وتدني رواتب الموظفين بالقياس لحاجات السوق ومستويات المعيشة، ووجود طفرات الغنى الفاحش بين أكثرية من ذوي الدخول المتواضعة، فقد وجدتُ أنا من الناس أنّ هؤلاء المترفين غالباً ما يلجئون لإغواء الموظفين بالكثير من الدفوعات لتسريع ما يحتاجون تسريعه، أو تزييت ما يحتاج التزييت من مستعصيات المعاملات وممنوعاتها ، وهو نفس معنى الآية الكريمة (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)، وفساد التربية المنزلية والحكومية والدينية، على مستوى الأفراد أولاً، ومن ثمّ المؤسسات ، أي، عدم تطابق التثقيف العام مع التطبيق الفردي، لكن تبقى خاصية فقدان العدل بالحقوق والواجبات بين المواطنين ، هي الأبرز في جر أقدام الناس للولوغ بالحرام ، ومن ضمن ضروب الحرام المتعددة ، الرشوة الملعونة. الرشوة ليست خطيئة ثنائية كالزنا، إنها خطيئة متعددة الأطراف، كما هو واضح من تعدد مسبباتها أعلاه ، وتعدّد أطرافها بالنتيجة ، عن أردت رجمها، فأنت ملزم برجم الكثير من المشتركين بخلقها. 

أنا عرفت الرشوة على حدود سوريا ، وليس حدود تركيا ، يوم  وقفت أنتظر أن يُعاد جوازي إليّ بعد تأشيره ، وتأخر الركاب المصاحبين لي كثيراً وهم ينتظرونني، وتبين لهم أنني، وبوحي براءة أفكاري  (فتلك كانت أولى زياراتي لسوريا)،تبيّن لهم أنني لم أدفع المقسوم المتعارف على دفعه عند الحدود، خمسون ليرة يتم دسّها بين صفحات الجواز، أي دولار واحد !! تسهّل البلع والمرور وتزيّت يطغات المعاملة تزييتاً !!، تسبب جهلي ذلك بحجب جوازي طيلة ساعتين ،ولم تنفع تذكيراتي المتعددة لشرطة الجوازات ،و لم تفلح ، بالعثور على الجواز، الذي تم دفنه وسط رزمة من الجوازات،فضاع بعدها كما ضاع "ولداااه"، ذلك العيّل في الليلة الكبيرة!! إضطررت بعدها، وكي أتخلص من تقريع زملاء الطريق وعتبهم ،أن أتوجه للضابط وأقول له بالعبارات الصريحة أنني أريد منه أن يمنحني فرصة لإحترام بلده ونظام الحكم فيه ، ففي الأردن لم تمرّ بي أيّة ممارسة من هذا النوع . إعتبرني زميلي بالسفر مخبولاً لتفوّهي بهذه العبارات القاتلة على حدّ وصفه ، لكن الضابط لم يثر ، بل سألني عن مهنتي ، فقلت له أنني ضابط  من الجيش الأولي ، لم يردّ عليّ بأيّة كلمة بل توجه للمنضدة التي يلقون الجوازات عليها ، وإستخرج جوازي وسلمني إياه بمنتهى الصمت، وكثير من الصمت يحكي أكثر من سيول الكلمات.

وفي العراق ،لا داع للخوض بهذه المفردة فكلنا نعرف تسعيرة الجواز بأنواعه ، وهي رشوة (حيّ على الفلاح)، بما معناه، رشوة تحت سمع وأنظار الحكومة وعلى عينك يا دستور!!، ونعرف كم تتكلف شهادة الجنسية وهويّة الأحوال المدنيّة ، وكل معاملة أخرى، و بالمقابل ، فملزوم مني هنا الثناء على الموظفين الأكراد عند نقطة إبراهيم الخليل الحدودية وفي كل دائرة أخرى تقريباً ، فأنا لم أتصادف مع مفردة الرشوة هناك والأهم من ذلك ، هو ترحابهم وتوديعهم  وعدم تحقيرهم للمسافرين،  يعملون بصمت وبهدوء، بدون منّ ولا أذى ولا إعاقة ، والكلام يشمل موظفيهم في دوائرهم الأخرى كالمطار والكَمارك . أنت تحظى بأفضل معاملة ، من الموظفين الأكراد عند نقطة إبراهيم الخليل ، بخلاف كل نقاطنا الحدودية الملتهبة الأخرى، وأنا أرفع لهم قبعتي الإفتراضية إحتراماً وأتمنى أن تنتقل عدوى هذا المرض الحميد إلى بقية الموظفين العراقيين وأن لا يتوفر له أيّ لقاح، لا بالعضلة ولا بالوريد، ولا قطرات اللسان تلك!! ، فإلى الجنوب من دهوك، لا تجد موظفاً شريفاً إلا من رحم، إما مرتش فاسد، أو معرقل، يشتهي الرشوة ولكنه أجبن من أن يطالب بها، لذا فهو يشبع نذالته من خلال عرقلة معاملات الغير ووضع العراقيل أمامها .

أما تركيا، فيوم تدخل الحدود ، يسألك سواق التاكسيات الصفراء تلك، من الأكراد الأتراك ، (فهم من إقليم شيرناق الكردي بغالبيتهم)، يسألك السائق الماكر منهم ، هل هذه هي أول زيارة لك لتركيا؟ ، ستجيب أنت بأنها أول مرة بفعل إفراز أنزيم البراءة لديك ، وعندها سيذهب بك إلى ضابط الجوازات، وسيرتب الأمور بغيابك أنت بحيث يطالبك بمبلغ  حين تدخل الغرفة بعده ، يقول لك أنه للضابط ، غرامة ، كونك لا تحمل المبلغ المطلوب منك حمله كي تكون مؤهلاً للعيش في تركيا، خمسون دولاراً لكل يوم ، مضروبة بثلاثين يوما هي مدة سمة الدخول بحدها الأدنى، غالباً ما يكون المسافر غير متعارف مع هذه النقطة ، والتي تراها مدونة على لوحة الإعلانات عند القنصلية التركية وأنت تستخرج سمة الدخول منها ، فلا يستصحب معه مبلغ الألف وخمسمائة دولار كحد أدنى للمعيشة . هذا ما يحصل، لكنها حالة سائق كردي يخالف معاني الآية القرآنية المعروفة (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)، لا أدري كيف يمكننا تصنيف هذه الجريمة أخي( منتقد الأتراك على شيوع الرشوة فيهم)،هل نقسمها بالنصف بين الضابط التركي والسائق الكردي؟ أم نلجأ لقسمة الغرماء كما يفعلون مع الأسهم يوم تفيض أعدادها عن رأس المال التأسيسي؟

والسوّاق هؤلاء ماكرون بتوصيفي لأنّهم  يتفنّون بتهريب الممنوعات مع حقائب المسافرين ، يهمهم جداً وقت يفاوضونك على إجرة النقل عبر الحدود ، أن لا تكون أنت قد أحضرت علب سكائر وأكياس شاي معك ، فهم يحتاجون أن يدسّوا ما لديهم منها في حقائبك ريثما تعبر الحدود ،ليستردونها منك لاحقاً ، ويحتاجون أن يستخدموا جواز السفر خاصتك كذلك، لإبتياع المزيد من السكائر من السوق الحرة ، فهم يستفيدون منك بأكثر من المائة وثلاثين ليرة تلك، في طريقك إلى ديار بكر.

هذا ما يحصل عند الحدود، للبعض، وليس للكل كما أعرف، فهو لم يحصل معي سوى مرة واحدة كانت الأولى منهنّ، وفيما تلاها، بعد إجراء ربط لقناة الغدة التي تفرز أنزيم البراءة ذلك ، كنت أستبق الأمور و(أستلم)  السائق منذ البداية ببضعة عبارات تركية ، تخبر السائق سيء الحظ أنها ليست أولى زياراتي لتركيا، وهي ممارسة أشبه بمفعولها بالإستعاذة من الشيطان ، يسمعها السائق ويردد مع نفسه ذلك النشيد و هو مقطب الجبين ، بكل إحباط و مرارة( عرف الشعب طريقه)!!

يحصل أن يسرقك سائق تاكسي منهم وأنت هناك ، رغم وجود العدّاد لديهم، فقد تصعد للسيارة ويخدعك أحدهم بقيمة إبتدائية للعداد ، مبالغ فيها ، وبعضهم يلجأ لحيلة أخرى وهو يوصلك للمرآب العمومي( الأوتوكَار)، ينزل ليرفع العارضة  من مقدمة السيارة ، يدفع رسماً محدوداً للدخول ، لكنه يطالبك عندما تصل لرحبة الباصات ومكاتب الحجز بمبالغ تصل لخمسة وعشرين ليرة تركية ، بحجة أنه دفعها عند مدخل العارضة تلك ، إن كانت لديك مهارة اللغة ، وجرأة المحاججة، فيمكنك أن تحبط خدعته تلك . لكنها تبقى هي هيَ نفسها، خدع السواق والحرفيين تلك ،لا يخلو منها أيّ بلد ، كنا في الجيش نَصِف السوّاق والمخابرين بنعوت خاصة ، التاير والواير، عقوبة على مكرهم وتفنّناتهم بالتملص من واجباتهم !!

والسوّاق الأتراك يستخدمون وسيلة خاصة في محركاتهم لجعل البنزين إقتصادياً أثناء الإحتراق برفع معدل الكيلومترات التي يقطعها اللتر الواحد من البنزين، سمّها منظومة ( بارك الله بيكم)!!، إرتفاع سعر الوقود لديهم دفعهم لهكذا حلول.. نحن، بالمقابل، نخلط البنزين على أيدي باعة البنزين وفي محطات الوقود، بكل سائل أصفر اللون، كي نتغلب على شحة التجهيز، وكَم تألمت لحال محطات التعبئة لديهم على الطريق البريّة من سيلوپي وحتى أنقره، محطات نظيفة ومحسّنة التأثيث ، مع ملحقاتها المعهودة ، تبيع الوقود الصافي غير المغشوش، و"لا أحد بحالها" كما نقول نحن العراقيون ، بينما في العراق، يصعب عليك أن تجد فرداً واحداً من بين ملاك محطات التعبئة ، لا يستحق الحرق أو الشنق، عشرات المحطات على الطرق الخارجية، لا أتذكر أنني وجدت إحداها تقدم خدمتها للسيارات، يبيعون ما يستلمونه للمهربين دفعة واحدة و طز بالوضع، والدولة، أين هي؟!!هي أيضاً طز كبيرة بها، نايمين بمذهبي،على كَولة المرحوم عزيز علي.. هذا على الطرق الخارجية، أما بالداخل، فتصوّروا مدينة كالموصل ليس فيها إلا أقل القليل من المحطات تعمل فعلياً ، والكل بدون إستثناء، يخلطون الوقود بالماء وبكل السوائل الأخرى المتوفرة لديهم ، وكل المحطات، قاطبةً، لا تستخدم نصف طاقتها القصوى بالعمل، فالمضخات معطلة على قاعدة(أترك سطرين)،علماً أننا الدولة الوحيدة بالعالم التي يدفع عامل التعبئة فيها راتباً لصاحب المحطة، والتعيين يحصل بالمزايدة ، لمن يدفع أكثر!! أين الدولة من كل هذا؟ أين الهتلية الملقبين بالمسئولين؟ كم هو سعر المضخة الواحدة أيها السفلة أولاد السافلين والسافلات؟  كم سنة تريدوننا أن ننتظر كي تصحى الغيرة ويتخلق الضمير بداخلكم من الخلايا الجذعية مثلاً ؟ متى تمتلئ جيوبكم وتكتفون من المال الحرام ، ومتى يمتلئ كيس أل " أنا المتبخترة" بداخلكم وتشبعون من النفخة الكذابيّة، واحدكم يتصور نفسه مهاتير الماليزي يوم يفرش الحمايات من حوله، بينما هو يقود من إنتخبوه إلى الهاوية يوماً بعد يوم بفعل السلبية والتراخي وقيل وقال، وإضاعة المال!!

هذا هو حالنا، حكيته لكم ولكل من سيقرأها، ليس لسبب سوى تنويركم بسبب إلتهاب أعصابي وإستخدامي الأسلحة المحرمة دولياً في كل النقاشات، فقد قرفنا بحياة لا تشهد سوى التردّي، أمسي فيها أفضل حالاً على الدوام من غدي.. هذا هو خبر ما عندنا، فما هو خبر ما عندكم ، رحم الله أبا الحسنين؟  فقارن بعقلك وإحكم بقلبك، مَنْ الأجدر بثروة النفط هذه!!

أنا صادفتني أخت هذه التصرفات في عمّان قبل سنين طويلة ،وأعني سرقة المال بالغش وبوجود العدّاد،  ويعرف من يزور لبنان أنها حيلة مكشوفة أن يطوف بك السائق دورة كاملة حول البقعة ، ليرفع من قيمة الأجرة . في مدينة أورفا أيضاً، مدينة مقام إبراهيم الخليل تلك ، حيث السوّاق من عرب تركيا ومن أكرادها ، أكثر ممّا هم من أتراكها، يخدعونك بكل الأساليب، يقسم لك السائق أنّ سيارته تحوي جهاز تكييف( يسمونه – قليما- مشتقة من "كلايمت" و من تلك العبارة على سيارات الفيات ، كليماتيزاتا ) ولكن ما أن ينطلق بك وسط حرّ الصيف حتى تكتشف أنها خدعة رخيصة وسافرة، ومرة أخرى، بغياب مهارتك اللغوية، لا مجال للمعاتبة أو المحاسبة، ستسكت وتتمتع بالبوري على يد السائق ذاك، سمّه تركياً، سمّه كردياًن أو سمّه عربياً، فكل هذه التسميات صحيحة مائة بالمائة، لكن نواياك المخفيّة هي ما سيحرّك إختياراتك بدون شك .

أما السرقة فتلك لم تمرّ بي في بلدهم مطلقاً ، لا على يد عمال التنظيف بالفنادق ولا في الحافلات ولا حتى في زحمة الأسواق لديهم ، أعذرني في هذه ، أكيد أن المثل العراقي ذاك ينطبق هنا أيضاً ، "لا يخلو زاغور من واوي" ، لكن لا يمكن أن نسِم تركيا ببلد اللصوص يا عزيزي كاك سامان ، فما لدينا لا يخوّلنا هذا الحق( أو الباطل إن شئت أن تحسن تسميته) ،في بلدي، تمت سرقة بيتي وسيارتي وإطارات سيارتي ، وتمت سرقة هاتفي النقال، وخط هاتفي الأرضي، وتمت سرقة مجهوداتي وإنجازاتي ، ودراساتي وكتبي التي ألفتها خدمة لبلدي، سرقها أحد الحقراء ونسبها لنفسه بكل صلافة ، واحد ممّن تغيرت خلايا جلودهم الصبغيّة وتحالفوا مع الوضع الجديد، لكنني أنا وكثيرون من أمثالي ، نتلقى اللوم والعتب عن سرقات أمثال ذلك اللص، البعثي سابقاً، المتحوّل حالياً ، وهذا يشرح لك حقيقة ما نختلف عليه ، المسيئون الذين يصل السب لوالدي بسببهم، هم اليوم جزء من الحكومة الحالية ويعيدون لعب نفس الدور السابق، سمسرة ولواكَة ومنافقة ومداهنة وتواطؤ للسرقة وللخيانة .

هذا بعض ممّا مرّ بي على مستوى السرقة ، بدون مبالغة ، ما الذي هو ممكن أكثر من ذلك كي أحكيه ؟ لدينا بلاوي "متلتلة" على كَولة إخواننا المصريين ونحتاج لإعادة النظر بمجمل العملية التربوية وبمناهج الثقافة الدينية في خطب المساجد ودروس التربية الدينية ، كي نقضي على البلاء الذي نزل على رءوسنا كالطاعون، وأعني به، إنتاج النغولة من السرّاق والدنيويين التافهين، من نتاج تزاوج أبوين صالحين، تزوجا بالحلال، ومع هذا، فكل ما يفرّخانه هو المزيد من النغوله ، رغم كل البسملات التي يجيدانها، هي والحوقلات، أعتقد أن توقيت البسملات تلك هو السبب، فهم لا يتذكرون أن يتلفظوا بها قبل الشروع بالهجوم الليلي، ويقصرونها على تناول الطعام فحسب !! .

وكما تفضل الأخ المظلوم العراقي ، فحجم التبادل التجاري مع التجار العراقيين وعلى أساس يومي، هو حجم هائل جداً، وهو يؤشر ثقة عراقية تجارية مع التجار  والمجهزين الأتراك لا يمكن الطعن بها بشكل عمومي هكذا، لست تركمانياً كي أدافع عنهم من باب الإنتماء ،و الحقيقة لا أقارب لها ، لكنني أتطوع لتثبيت ما أعرفه. صناعة الأتراك رائعة، وزراعتهم كذلك، ومنتجاتهم لا يُعلى عليها بالنوعية والرُقي ، فهم أحرزوا درجات الآيزو ويسعون لذلك ضمن مسعاهم للإنضمام لأوروبا ، وهم يصنعون الصابون بأرقى المواصفات ، بمصانع شركة (دووروو) وغيرها، لكن تأكد أنّ وزارة التجارة العراقية هي مَن تصرّ على تصنيع صابون الحصة للشعب العراقي بنقاوة 30% فقط ، في مدينة غازي عنتاب، فمَن الملام على ذلك؟

  أما نحن؟ فجرّب أن تسأل أيّ مهندس ميكانيكي أو كهربائي، أيّ صناعي وأي مستثمر، أيّ مسئول وصولاً لدرجة وزير ، ما معنى مؤشر الآيزو، وما هي مستلزماته ؟ في أحسن الأحوال، ستأتيك الإجابة أنها تلك العلامة الملصقة على البضائع المستوردة، حروف ال(CE ) تلك!!!!!

هذه ملة تجيد إضفاء سمتها على الأمور وتطويع العالم ليغني بالتركيّة، الموسيقى العالمية تسمعها من عازفيهم ، وهم يطوّعونها لتختهم الموسيقي ولآلاتهم المميّزة، كل أنواع الموسيقى السائدة عالمياً يعزفونها ويجيدونها، عمالهم يدخلون (السرداب) وفق مصطلح المهاجرين العراقيين، لينتجوا بضاعة تضاهي أرقى الماركات الأوربية ،بعمل دءوب منذ الصباح ولغاية المساء، بدون توقف ، اعتقد أننا لم نشهد عملاً من هذا النوع منذ عشرين سنة ، نحن نعاني من أمراض الكسل والخدّه- خدر، على النقيض منهم!!

أحكي عن تفوق الأتراك علينا وأنا أعرف أنّ البعض لا يحس بالإرتياح لمطالعة ذلك، لكن بلدنا متخلف جداً يا أخوان ،وبشكل مخيف، وأنا أرى أنه من المفيد أن نستحضر هذه الأمور ونثقف غيرنا عليها ، إن الملاعب الخارجية التي تنتشر في دهوك وأربيل والسليمانية هي نقل حرفي لما موجود عبر الحدود ، وألوان البنايات والدور هي الأخرى محاكاة لألوان نظيراتها عبر الحدود ، ومحطات الوقود في هذه المدن أصبحت نسخة طبق الأصل عنها في تركيا ، وأعقبتها الأسواق ، بأحجامها المختلفة وصولاً للمولات ، هذه أنماط معيشة حضارية أصبحت سمة ملازمة للبلدان التي تشهد الرخاء ، فهي تمتلك حسنة خفية غير الحداثة والبرستيج ، وأعني بها خاصية تعليم الناس على النظام، وتحبيب الجمال والجمالية إلى قلوبهم، وكله يصب في مجرى تهذيب النفوس وتقريم مخالب الوحشية والأنانية والإستئثار ، حيث لا ترى إلا التدافع والتكالب على البضائع وعلى دفع الحساب، في بقية البيئات المتخلفة وفي أسواقنا القديمة ، لهذا نطالب بتحديث ما يمكن تحديثه، لأن البشر يحتاج أن يتطوّر ،زمناً طويلاً قبل أن يحظى بأبنية حديثة ومستشفيات ومدارس نظيفة، سيخربها قبل أن تمضي سنة على إفتتاحها، وهذا ما يحصل دوماً . لقد أورثتنا آليات البيع بالأسواق المركزية مثلاً، ظاهرة "أم ستوري" التي كانت بداية تكوين البائع الوسطي، البروكر، مَن يشتري ما لا يلزمه، ليبيعه  فحسب !! تلك كانت البداية ، بداية النهاية!!.

 بالحقيقة، فإن الجمال الذي تلحظه في هذه المحافظات الثلاث شمال العراق يدين بالشيء الكثير للعمارة التركية ، و لإنجازات الإعمار التي تمت إحالتها على الشركات التركية كذلك ، بدلاً من تسليمها لمقاول عراقي من إياهم، يسرق الجمل بما حمل ، وهو أفضل شيء فعلته إدارات الإقليم ، أن تتعاقد مع شركات تركية ، ومن يزور الإقليم سيعرف عمّ أحكي فور أن يرى الأقسام الداخلية الجامعية على الطريق المؤدي لكركوك ، والعمارات السكنية بين منطقة عينكاوه ومطار أربيل ،وبقية البنايات المميّزة الأخرى.. الجمال له أناسه الذين يحسنون التعامل معه .

في شهر شباط المنصرم ، شهدت مسيرات إحتجاج عمالية في ساحة قزلاي(الهلال الأحمر) وسط أنقره .عمال وعاملات  من مختلف مدن تركيا يحتجون على ضآلة فرص التوظيف ، نظموا أنفسهم في تجمعات تقيم داخل خيم موحّدة ومدفئة بمدافيء الكيروسين لمقاومة برد أنقره في شباط  ، معارض لرسوم كاريكاتيرية ومعارض لصور فوتوغرافية ، وبوسترات تستذكر فقرات الدستور التي تضمن حقوقهم ، ومهرجانات شعر وخطابة ، أقداح شاي للجميع كضيافة وأحاديث تبادلتها معهم لساعات، كي أعرف ممّ يشكون وعلام يتظاهرون ، فالشرطة تطوق المنطقة تحسّباً لأحداث عنف محتملة ، عدت من الفندق عقب الواحدة ليلاً، لمعاينة الحال من جديد، في هذه الساحة التي لا تنام ، فوجدتهم  يدبكون دبكات عنيفة صارخة ذات إيقاعات تستفز الكهول أمثالي للتصفيق والمشاركة معهم، والكل من حولهم في حماس يخرق سقف المحرار في تلك الليالي الباردة ،تذكرك بحماس الطلاب وإنتفاضتهم الإيطالية تلك في فلم (ساكو وفانزيتي). وجدتهم يتوسدون الأرض بعدها للنوم ، بالمئات، شباباً وشابات، ووكالات الأنباء توثق وتعقد المقابلات، كان ذلك يومهم الثالث بعد المائة، على التواصل.إنها ممارسات ديمقراطية حقيقية وفاعلة، تستدر الفهم و التفهّم من قلب الحجر الصلد، وتُسمِعُ مَنْ به صمم .. هذا ما نحتاجه نحن العراقيون، هكذا ممارسات تضع المجرم الذي تعوّد دفن المعتقلين تحت الأرض بلا ذنب جنوه، هو و وزاراته و دوائره أمام مرآة الساحرة لتخبرهم أنهم أقبح خلق الله ، وأنهم أسوأ من أن نتعلق بهم لننسى صفحات تخص خمسة وثلاثين سنة مضت ، ذاك ماضِ مضى ، وهذا حاضر غنى الدراجي عنه وهو يخاطب طبيبه ( دكتور جرح الأولي عوفه، جرح الجديد عيونك تشوفه) ، فها هي السنة السابعة تعقب السادسة، وليس هناك من جسر تم إنشاؤه، ولا طريق بقي على سابق جانبيه، ليس هناك من طبيب أو خبير حظي بما يجعله يبقى لخدمة أبناء بلده، إما القتل على الهوية، أو الخطف على الفدية، أو الإهانة والضرب من قبل القوات الأمنيّة، وتشهد مستشفى الكندي برصافة بغداد على ما أحكيه هنا، هذه هي مصيبة كل طبيب ، مسيحي، سني، شيعي، تركماني، لا إستثناء لأحد، ولا أحكيها ضمن أجندة حزبية أو ماكنة إعلاميّة تدفع لي أتعاب كتاباتي، إنها ملوحة الخبز ورائحة الطين الحرّ ، ترسّبت بجسمي وتعلقت بعقلي، أحكيها وهي هموم مشتركة تعني كلّ عراقي ، فنحن جميعنا خاسرون لو تركنا هؤلاء المجرمين يفرون بفعلتهم، مطلوب من العراقيين الخروج إلى الشوارع ، وملء الأثير بإستنكاراتهم الغاضبة بحق ، ما الذي تبقى ولم يقع، ممّا يستحق الغضب وحرق الأعصاب !!

   قارنت هذه التظاهرة الديمقراطية ، بمسيرة شهدتها قبل أيام ،( لكن من دون كاميرا فإستخدام الكاميرا  هنا يعني  الكثير من القيل والقال... والإعتقال )!! نظمها بعض من عشرين بائعاً للألبسة القديمة والأحذية المستهلكة مقابل بناية محافظة نينوى ، لافتتان هزليتان تذكراني بمشاعر الطلاب الكسالى يوم يتلقون نتيجة إمتحاناتهم وهي تحكي الرسوب الصاعق ، لافتتان من نوع تلك المناشدات ( نحن لفيف من أهالي مدينة ..) تستصرخان ضمير المحافظ كي يوافق على إستمرارهم بمزاولة نشاطهم كونهم يعيلون عوائلاً محتاجة ، بزعمهم ، لا أدري أين ذهبت مكاسب التغيير والسلطات الثلاثة تلك، التشريعية والتشريبية والتنفيذية؟ ، لم أجد ما أعلق به على المفارقة المضحكة المبكية هذه ، فقبل أسابيع، عرضت قناة الموصلية مناشدة مماثلة ، من باعة مجاورين لهؤلاء في سوق الأربعاء العامر بالمسروقات والمواد المستهلكة ،يرتجون عدم هدم محلاتهم الديناصوريّة، وما هي إلا دقائق حتى أتحفتنا الفضائية  بخبر عاجل ، يفيد بموافقة مدير البلدية على طلبهم بتأجيل هدم محلاتهم إلى السنة المقبلة !!!، ولمن يصدق هذه المناشدات، فليرجع لدوائر الأوقاف ليتعرف على كيفية تعامل هؤلاء المحتاجين مع الإيجارات ومع العقارات التي يستأجرونها لسنين متعاقبة ، لا يفعلون شيئاً أكثر من تقبيح وجه المدينة الذي أصبح مثل وجه جدة ليلى مفترسة الذئب المسكين!! ، المحل منهم يمتد لمنتصف الشارع أمامه، بحركة أميبيّة، بعد أن يلتهم الرصيف ، وطز بالمواطن الشريف، ذاك هو شارع حلب كمثال ، وتلك هي شماعات الدشاديش بأنابيبها القبيحة ، في وسط الشارع ، ومثلها عربات بيع أحذية مستهلكة ، عديمة اللون، لكنها ليست عديمة الرائحة، إستنكف جوني إبن أمّ جوني ، من ولاية يوتاه عن إرتدائها بعد أن أهلكها سنيناً متعاقبة بالإستخدام الحيواني ، فعبرت البحار ضمن بالة مكبوسة لتصبح من نصيب شبابنا ضمن برامج التنمية التي تقودها شركة لانكستر المتحدة، رحمة الله على روح المرحوم وجيه عبد الغني ، الروائح تزكم الأنوف ، وتسيء للذوق العام، وليس هناك من يمنع هذه الوبائية ويوقفها ، وهي تسيء لبلد يملك من النفط ما طمعت به حكومة جوني ، وعبرت المحيطات لأجل خمطه، لماذا نحن فقراء دوماً؟ لماذا نلبس ملفوظات الأمريكان؟ متى نتخلص من هذه الذلة والمهانة؟

 البعض يراها ديمقراطية أن يستجيب مدير البلدية لتلك الطلبات، لكن هل سيستجيب لي أحد إنْ أنا كتبت مليون مرة عن المزابل التي تملأ الأحياء السكنية، وعن دخان المولدات الذي يملأ رئتي ، وعن الشوارع المغلقة ، والحفر المفترسة التي تنمو يوماً بعد يوم ، وموظفات البنوك اللاتي يتناولن الفطور من الساعة الثامنة صباحاً إلى الواحدة بعد الظهر، بدون توقف ، ويجدن فرز الأوراق النقدية ، ليدّخرنَ الفئات الكبيرة لتجار العملات، ويخصصن الفئات الصغيرة ، المتمزقة والملصوقة للمرة الكذا، للمواطن الصغير، عفوا، المواطن الفقير، عفوا، المتقاعد الكسير ، يعني هَمْ راتب جايف، و هَمّاتينه عملة جايفه، و هَم أسلوب جايف لإذلال المتقاعدين من اجل حفنة دنانير، أقول قولي هذا ولا أستغفر الله لكم،  يا كلّ مَن تسببتم بكل ذلك ،  إن حكيت كل هذا ، فهل سيسمعني مدير البنك ومدير البلدية ومدير البيئة، وكبيرهم الذي علمهم السحر، ذاك الموظف الكبير؟

أنا حقاً لا أدري متى سنشهد إزالة هذه الدكاكين القبيحة ، والباعة الشايلوكيين فيها ، ما دامت هناك ديمقراطية النانو هذه، حيث تتم ممارستها في المجالات الهزيلة لا غير، النانو ديمقراطية  التي يتبرع بها مدير البلدية ،و التي يبدو أنها على حساب المواطنين أمثالي ممّن يرتجون أن تشرع الحكومة هذه ببناء النفق، كي نستورد من بعدها مصباحاً من جمهورية فلورنس نايتنكَيل الشعبية، أم اللبن، ونشرع بعملية إنارة نهاية النفق،لنحظى ببعض الأمل، من أنعل أبو الناظور لابو إبن عمّه اللاپروسكوب، لابو الجهاز الهضمي !!  غداً سيعلنون عن تبليط شوارع جديدة، فيحتج أصحاب جوبات بيع الأغنام ، لأنها مصدر رزقهم ، وسيعطف عليهم مدير الطرق والجسور فيؤجل الموضوع ..للصيف الماضي، رحم الله أيام عبد الحليم حافظ!!  وسيعلنون عن إحالة مناقصات لمشاريع إسكان عملاقة ( أبالكم!!مو تصدكَون؟؟ تره المجمعات السكنية تُضرب ولا تُقاس!!) ، للشروع بإزالة الأحياء الحجرية وسط المدينة وتغيير وجه المدينة وتحديثه ، وتوصيل الشوارع لجهة النهر الغربية مثل كل خلق الله بدل ترك بضعة بيوت متهتكة تحتكر المنظر،  ولتخليصنا من الأزقة النانويّة تلك ، ومن السواقي والمشاحيف التي تطفو على وجه مياهها الطاهرة !! وسيحتج أصحاب تلك الدور، وسيرق لهم قلب مجلس المحافظة، ليبقى البعير على التل، حتى الألفية الثالثة!!

..في دهوك، إقتلعت الإدارة المحلية هناك مجاميعاً عشوائية مضت عليها عقود من الزمن هناك، تستقبل الزائر عند جسر ألوكا، وأسكنوهم في مجمّعات محترمة، وجعلوا مدخل المدينة أجمل من قبل، هذا ما لديهم، أما ما لدينا، فيمكنكم معاينة مداخل المدينة من جهاتها الخمس ،وسترون المصيبة البيئية والحضارية التي تحتاج مليارات الدولارات ومليارات من أل ( رجل.ساعه) لتغيير واقعها، تلك أل( رجل .ساعة) التي لم تتعرف عليها المحافظة، من يوم شرعوا ببناء جسر سنحاريب المعلق، بإستخدام 3 رجال لا أكثر!! فكان نصف رجل مضروباً بمليون ساعة، و نِعمَ الإدارة !!.

 

أما أن يكون الأتراك متعصبين لقوميتهم وللغتهم وتراثهم  كما ورد بتعليق على عرب تايمز ، فتلك هي حالة إيران أيضاً، وهي حالة إسرائيل، الكل متعصبون لقوميّاتهم ، لكن يوم تبدر هذه الحالة من عرب، يتطوّع مليون مفكر لتشريحها ونسبتها لطبع البداوة والجلفة والعنصرية ومعاداة الساميّه!!! الإعتزاز بالرسّ موجود بقوة من حولنا نحن العرب ، والأتراك لا يمنعون العرب الأتراك من مواطنيهم، لا يمنعونهم من النطق بالعربية كما ذكر أحدهم وهو يعلق على مقالة لزميل حكى عن القناة التركية العربية التي تم إطلاقها مؤخراً، بالحقيقة فإن نسبة الخمسة عشر بالمائة من النساء الأميّات لديهم ، إنما هي تخص نساء الأقاليم الكردية والعربية اللسان في الجنوب الشرقي، بسبب العادات والتقاليد لأهالي تلك المناطق، والتي تمنع النساء وتحرمهنّ من التعلم، هذا ما تحكيه الموسوعات وإحصائياتهم . كل محافظة تركية تحكي بلسان خاص بها وفق الأكثرية السائدة فيها ووفق قربها من الدولة الفلانية ، لذلك فكل المدن المجاورة لسوريا تتكلم العربية وتدرسها بمدارسهم ، والتركيّة هي اللغة الرسمية ، لكنها تدين للعربية بالشيء الكثير، تستطيع أن تفهمها وهي مكتوبة ، ومن ثم وهي محكيّة ، بكل سهولة، لكن يصعب عليك أن تردّ  عليهم وتحكي وتوصّل فكرتك إليهم، فلفظهم صعب في مواضع معينة، وتسلسل الكلمات ضمن الجملة الواحدة لا يشابه الترتيب العربي ، الفعل والفاعل والمفعول به، نرتبها نحن العرب هكذا، للجمل الفعلية، بينما هم، يقدمون الفاعل ، ومن ثم الظرف، وبعدهما المفعول به، على الفعل، تصور الفرق بين الأسلوبين لتتصوّر كيف يتلقون تركيباتنا لكلماتهم ، لذا، يبقون محتارين أمامك وأنت تحاول ترتيب كلماتك القليلة التي تعرفها،وتصيغها بقالب اللغة العربية لا شعوريّاً ،بدل ما هم متعارفين عليه ، وهو نفس حال التناقض بين الإنكَليز من جهة، والفرنسيين والعرب من جهة أخرى ، الصفة تعقب الموصوف في العربية وفي الفرنسية، بينما الحال معكوس في الإنكَليزية، هم يقولون لك ( دايركت أكشن) بمعنى،( إجراء مباشر)،يقدّمون الصفة على الموصوف، بينما الفرنسيون والعرب يرتبونها بالعكس، هكذا، ( أكشن دايركت)، وهكذا.

لكن الإعتداد  بالقومية هذا ليس ترفاً سلبياً أو مجرّد عنجهيّة، إنّه جزء من نظام هوية جماعيّة تستند على تاريخ موغل بالقدم وعميق بالإنجازات يوم كان العثمانيون يحتلون نصف العالم ويحسب لهم السلاطين والقياصرة كل الحسابات، إعتدادهم هذا جعلهم  اليوم مستغنين عن الإستيراد ، يصنعون كل شيء تقريباً ، وما يعجزون عن تصنيعه، يقومون بتجميعه ، إعتدادهم أفرد لكل محافظة سمة تتباهى بها ، أنت لا زلت تسمع لغاية اليوم بالكباب الأورفلي وطائر الحمام الأورفلي ، وبفستق غازي عنتاب، المدينة التي قهرت الغازي الفرنسي وقاومت جبروته، المدينة التي تستمد إسمها من صمودها ذاك ومقاومتها ، إنهم لا يجبرون أحداً على التكلم بلغتهم لا بل يعودون إلى الألفاظ العربية في كلّ من أنقره وأزمير وإسطنبول ، لكن يوم نزورهم ونجاورهم، وڤولتيّتنا أقل من ڤولتيتهم بكثير بحكم تقصيراتنا وتخلّفنا، فهو أمر محتوم أن يسري تيارهم فينا، وليس العكس، هذه وجهة نظر الكهرباء والسيد نورتن ذاك، وصديقه كيرشهوف ، وهي نفسها  وجهة نظر المستر بيرنوللي في الموضوع  لكن بلغة الماء والشربت والنفط !! ، كذا كانت دواعي تعلمنا للإنكَليزية منذ الصغر، كذا كانت دواعي تعلمنا لمصطلحات الطب اللاتينية، وكذا كانت دواعي الغربيين في عهد المأمون والرشيد، والعصر الأندلسي، لتعلم العربية والقدوم إلى هذه البلاد لدراسة الطب والعلوم الأخرى..

إن مسيرتهم الإجمالية تستدعي الإحترام بنظري وبنظر الكثيرين ، لنكن صريحين، ولنعترف بأخطائنا، أنّنا أهدرنا الكثير الكثير من الفرص ومن المنح الربّانية التي لم تتوفّر لبلاد الناس الآخرين، ربما هي الخطوة الأولى لصعود ذلك الدرج الطويل أن نقرّ بتخلفنا ، عذراً للإطالة سيد رمضان مبارك، تستطيع أن تنتقي المقالات القصيرة لبقية الكتاب بدلاً من مقالاتي، كي لا تحس بالملل، هذه المقالات لها جمهورها الذي يعتب عليّ يوم تتأخر عنه، ويعتب أيضاً ، إن كانت غير دسمة كذلك ! 

 (يتبع)







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز