رياض هاشم الأيوبي
riadhayyoob@gmail.com
Blog Contributor since:
11 January 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
للعراقيين في الخارج..بالمقام الأول

يتداول العراقيون فيما بينهم مثلاً شعبياً مأثوراً، لم أتعارف مع نظير له في الدول المجاورة ، وهو يؤشر وجود آصرة عراقية قوية ، خلافاً لكل التوقعات، أكثر من أيّ معنى آخر توحي به إستخداماته في مواضع مختلفة، تعني خلاف مقصدي هنا.

إحنه ولد الكَريّه، واحدنه يعرف خيّه..

قفز هذا المثل إلى ذهني فور قراءة التعليقات الأولى على مقالتي الأخيرة ( للعراقيين في الداخل ..فقط) ، فمن لا يعرف من هم العراقيون وما هم من بين البشر، تبدو المقالة له  مجرد سياحة موجزة في بلاد الترك ، ومجرد مقارنات محسومة لصالح الأتراك بدون أدنى شك ، لكن لمن عايش هذه المقالات وراقب طبيعة النقاشات التي دارت على موقع عرب تايمز، فالموضوع يملك أبعاداً أكبر من السياحة ووضع البلدان في الميزان ، وهذا ما أنا بصدده هنا، أخواني من العراقيين، هم من مختلف الملل والقوميات ،والحمد لله، ويكفيني ذلك لأنتمي لهم جميعاً .

لا يعرف غالبية القراء أنني أقيم داخل العراق ، ولست مشرداً خارجه، رغم أنني أشتهي هذا التشرد الذي عيّرني به أحد المعلقين قبلاً ، فالتشرّد يعني الكثير لمن يحب أن يكتب بتنوّع، ولمن تستهويه إنجازات البشرية الحضارية، التشرد يمنح أمثالي فرصاً لا حصر لها لنقل مشاعر العراقيين بالخارج وهم يحكون ما بداخلهم بشفافية ، غير خائفين من أحد، ولا آبهين بشيء، والتشرد يعطيني مزية رؤية ما هي صورة العراق من الخارج ... لكن أنا أمارس التشرّد على طريقة (نقطة، خط مستمر)، أي من خلال السفرات المكوكية والعودة للبلد  ،المكوث هنا هو أطول من السفر والبقاء هناك بكثير . تعالوا نحكي الحقيقة كما أرتجي دوماً، بدون مداراة وبدون تحرج. ..إنّ مَن خرج من العراق ليس أقلّ وطنية ممّن بقي بداخله، ومن بقي بداخله ليس بالضرورة بطلاً صامداً ، العراق كان أقرب للجحيم دوماً ومَن مِن الناس يستهويه الجحيم؟ إما جحيم المعارك، أو جحيم الجو ، أو جحيم التنافس على كل شيء وجحيم عدم العدالة في الفرص والحقوق والواجبات ، لا أحب أن أحكي شيئاً يجافي المنطق، هل حصل عبر التاريخ أن قدم أجنبي للإستقرار في العراق؟ كم من العراقيين يسافرون للخارج ، وكم من الغربيين والآسيويين والأفارقة  بالمقابل، يسافرون للعراق؟ كم مِن العراقيين يعودون  لبلدهم ويؤسسون لحياة مستقبلية فيه؟ وكم من الأجانب يستقرون في العراق للعيش والإستقرار فيه ؟

 أنتم تعرفون الأجوبة المثيرة للأسى إخواني العراقيين ، وهذه الأجوبة تؤشر خللاً كبيراً في ميزان المواطنة، في غير صالح العراق، خللاً ليس سببه المهاجر نفسه، بقدر ما سببه عجزه عن إحداث تغيير بصورة الداخل يوم يعود، أعرف الكثير من العراقيين ممّن أقلعوا عن فكرة البقاء بالعراق وهجروا أحلامهم بتطوير الزراعة والصناعة وغيرها من القطاعات، عادوا إلى البلد الأجنبي الذي كانوا فيه طيلة سنين، ليموتوا هناك ويقلعوا عن آخر أحلامهم، حلم  أن تصطف بقاياهم جنب  بقايا آبائهم وأجدادهم ومعارفهم ، يلفها التراب العراقي ،لا التراب الأمريكي أو الثلج السويدي. هؤلاء العراقيون ليسوا خونة ولا هم ممّن يعانون من نقص بفيتامين (و) المتعلق بالوطنية ، وبالمقابل، فمن بقي بالداخل هو واحد من عدة حالات، إما مختار للبقاء بحكم قناعاته أو مضطر بسبب نقص واحدة من الإمكانيات العديدة اللازمة للمغادرة، ويمكن تسطير كذا من الحالات تحت هاذين البابين كما أحسب، إختيار البقاء  أوالإضطرار إليه.

مقدار التعلق بالوطن، إذن ، ليس مقروناً بكون العراقي خارج الحدود أو داخلها، أنا أجنح للقول أنّ الوطنية هي كم من الوطن يعيش بداخل المواطن ، وكم يعني بالنسبة إليه أن يتأذى ويقع تحت طائلة الظلم ، فلان وفلان من العراقيين ، ممّن لا رابطة عشائرية أو دينية أو مذهبية أو قومية بينه وبينهم، فأن تتألم لمصاب أهلك وشيعتك فتلك لا شرف كبير فيها ، برأيي ( وذاك أحد العابدين ، سأل صاحبه عن أحواله ، فأجابه :" أصبحنا نحمد الله على الرخاء ، ونصبر عند البلاء"، فأجابه العابد : "فذاك حال الكلاب ببُصرى !! أما نحن، فإننا نرضى بأمر الله عند البلاء، ونشكره على الرخاء " ، أو كذا، فالنص غائب عني حالياً )، تلك الغَيرة والنخوة وحب الإسعاف لأهلك إنما هي مزروعة بداخلك كما هي عند غيرك من العراقيين ، فهي ميزة متساوية لدى الكل، بينما "المواطنة" تطلب التفوق، لا التساوي، في أمور العطاء، التساوي هو للحقوق وللواجبات، لكن شرف المواطنة يتباين بين مواطن وآخر ، وليس كلّ من إدّعى حب العراق والعراقيين يلزمنا تصديقه ، العمل هو المعيار، لذا قيل بالحديث الشريف أنّ الإيمان هو ما وقر في القلب ، وصدّقه العمل.

أنا أتعامل مع إفتراض الوطنية هكذا، وأسحب الأسلوب هذا كذلك ، بطريقة الدراااك تلك، في أنظمة ياهوو الجديدة، على إنتماء العراقي سابقاً لحزب البعث أو لغيره، وعلى إنتماء العراقي للطائفة الفلانية أو تلك الأخرى ، ولا أفعل ذلك تعصباً لمسيرتي السابقة، بل غيرة على كل عراقي شريف محب لوطنه ، كان منتمياً لحزب البعث كبعثي أو كحزبي فقط ، أحكي عن مجموعة ممّن تماسّيتُ معهم وتلمست صدق إنتمائهم وتواصلهم مع منتسبيهم  ومع الناس في الشارع، لقد تمّ شنّ حملة (إجتثاث البعث) بشكلٍ جعل هؤلاء الناس يدفعون ثمن أخطاء غيرهم ، وكل ذلك برأيي ، كان مقصوداً لتعظيم إتهامات القادمين مع الأمريكان ،إتهاماتهم للسلطة العراقية بشقيها، الدولة والحزب ، وكذلك، لتفريغ أجهزة الدولة ومناصب دوائرها من شاغليها ، بغض النظر عن كفاءاتهم ، وإحلال غيرهم محلهم...

نقطه راس السطر...

(إحلال غيرهم محلهم )، هذا ما حصل فعلاً ، وكان حريّاً بي أنا من الناس أن أتقبل فكرة التغيير هذه بإعتباري خدمت في الدولة كعسكري وكحزبي ويكفيني ذلك المشوار ، ولا بدّ من ترك المجال لغيري ، فلكل دولة رجالها ، وحزب البعث يوم إستلم السلطة، فعل نفس الشيء، فقد إستبدل الكوادر القيادية بغيرها ضماناً لحسن سيطرته على البلاد ، وإشترط الإنضمام للحزب للدخول في مؤسساته العسكرية والأمنية وكثير من المرافق الحساسة والمتقدمة الأخرى ، تلك كانت وجهة نظر القيادة ، والتي أقف بالضد منها ، فالحرية تتعارض مع هكذا ممارسات وتقييدات، المؤسسات الأمنية والدوائر الحساسة المقربة من القيادة معروف لماذا تتطلب بعثيين أو أقرباء ذوي ولاء مضمون( إفتراضياً، لأنه بالحقيقة، كل الخيانات كانت من المقربين وممّن شبعوا أوسمة وتكريمات، للأسف). هذا هو حال الدوائر الحسّاسة، وهو نفس حال العالم كله تقريباً،  لكن بقية المواضع ، لم يكن هناك من داع لإشتراط الحزبية فيها ، فقد قاد ذلك لدوغماتية مفرطة ، ولجعل كلّ من هبّ ودبّ يصبح بعثياً ذي سلطة، وموثوقاً منه بدون مبرر، تحولت الثقة بالمواطن إلى (باج)، تحمله  كي تمر من بوابة التفتيش، وأنت محمّل بالأسلحة، فقد عطّل الباج حساسات البوابة تلك، أيّة ثقة هذه وأيّة طريقة هي؟

إذن فقد حصل إستبدال القيادات والمناصب الإدارية بمستوياتها كلها تقريباً،  وقلنا،لا بأس من الإستبدال ،شئنا أم أبينا، كل ما كان مطلوباً من السلطة الجديدة ، إنما كان إختيار أصحاب الكفاءة وتوخي عمل ما هو أفضل ممّا سبق طالما كانت الفترة السابقة للحرب الأخيرة حبلى بالإرتشاء وبالفساد والمحسوبية وقلة الرقابة ، وهو ما لم يتحقق مطلقاً ،فقد تم إستبعاد البعثيين ، ومن ثم تمّ إحلال من لا يجيدون مهنتهم في محلهم ، والسبب معروف، فقد كان الإنتماء لحزب البعث يطال كل خريجي الكليات والمعاهد وطلبة المدارس ، بشكل وبائي ،وكان بالمقابل نقيض ذلك هو المتوافر على الجهة المقابلة، من يعمل كزبال أو كسائق ، أو كحرفي في السوق ، مثل باعة الطيور ومربيها ، والقفاصة في الأسواق الشعبية، كل هؤلاء لم يكن لهم علاقة بالتحزب أو الإنتماء للحزب، الحزب نفسه لم يكن يرغب بضم هؤلاء لأن الحزب يعمل ضمن الدولة ودوائرها أكثر ممّا كان يعمل وفق المناطق السكنية والأسواق الشعبية والأحياء الصناعية، من كان يفكر بكسب تنكچي مثلاً؟ وما الذي كان يدفع الفيتر أو الحداد كي يكون حزبياً؟ هذا ما حصل طيلة ثلاثة وعشرين سنة منذ بدء الحرب مع إيران ، وهؤلاء بكل بساطة، لا شأن لهم بالدولة ولا بدوائرها.

أنا لا أفكر كبعثي هنا، لقد تجردتُ من أيّة هوية، وأعرف أنّ هذا صعب التصديق على البعض فقد تعوّدوا مطالعة إتهامات القرّاء لكل من يهاجم المالكي والجعفري ،إتهامه بأنه بعثي أو وهابي أو صدامي ، لكن أنا أعني ما أقوله هنا ، فالمصيبة التي نزلت على العراق تستدعي أن نفكر كعراقيين، ليس كبعثيين وليس كشيعة وليس كتركمان وليس كعرب سنّة ، المصيبة طالت كل أطياف الشعب العراقي ، ومن يريد الخروج من الأزمة هذه عليه أن يضع يده بيد كل العراقيين غيره، ممّن يهمهم أن يتحرر العراق وأن يتطور العراق وأن يغادر هذه الدوامة التي تسحبه لمركزها سحباً . إن أجهزة الدولة ودوائرها اليوم، تحفل بالموظفين الذين تم توظيفهم وفق قاعدة الإحلال تلك ، إن ضرر هؤلاء يطال كل العراقيين ، الإرتشاء والسرقة والتواطؤ وإنعدام العطاء ، لا نحتاج لكثير كلام كي نثبت هذه الأمور فهي مطروحة على الساحة ، وكل من لا زال مقيماً بالعراق يعرف عمّ أحكي، وقد كشفت الأخبار الأخيرة ما هي مصادر ثراء ضباط الجيش وقوة مطار المثنى تلك كما هو حال غيرها من قوات العقرب وغير العقرب، كيف لهم أن يشتروا قصوراً بمنطقة زيّونة وبالمنصور والكرادة والجادرية ، من دفاتر الدولارات التي يسحبونها من أهالي المعتقلين من أبناء السنة، لا أدري إن كان لدى أحد القراء وقائعاً مشابهة جرت على رءوس أبناء الشيعة والمسيحيين والأكراد، في زمن حكم صدام حسين، بما يعطي بعض التبرير لهذه الممارسات القبيحة التي تطال الجميع اليوم، وصولاً لأبناء الموسرين في النجف نفسها ؟ . هذه بالذات لا تحتاج إلا وقفة موحّدة تجاهها، ومن الجميع. صدام حسين غير موجود على وجه الحياة، والحديث بشأنه أصبح أمراً خلافياً ن بعض العراقيين يراه أملاً معدوماً وتذكرة بزمن أفضل بكثير ممّا أعقبه، وللبعض الآخر، هو شيطان مريد يتحمل مسئولية كل الخراب الحالي!! ، الحديث بشأن صدام حسين أصبح ضرباً من العودة للماضي ويثير النقمة من دون أية نتيجة إيجابية ، فالمهاجرين واللاجئين خارج العراق وداخله، هم شيعة بقدر ما هم سنة، الموضوع طال الجميع خلافاً لما يتم طرحه أحياناً على موقع عرب تايمز من قبل بعض المعلقين من غير العراقيين ،وأنا أحكي هنا عن موقفين متضادين من تناول إسمه ، دعونا نفعل ما هو أفضل للعراق وللعراقيين ،إنها نفس دعوة كتاب الله لفئتين مختلفتين فيما بينهما : "تعالوا إلى كلمة سواء" ، الرجل إرتبط إسمه بمعاداة الأمريكان طيلة فترة حكم الحزب للعراق ، طيلة خمسة وثلاثين عاماً ، ويوم دخل الأمريكان للعراق ، لم يفعلوا شيئاً يختلف عن معاني مقولة بلقيس في الآية الكريمة

" إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون" ، فهل يلوم مَن لا يستسيغ ذكر صدام حسين ، هل يلوم مَن يستذكر أيام صدام حسين ويتمنى عودتها وهو يتذكر أنّه كان في يقظة آنذاك، قبل أن يخلد للنوم ويرى هذا الكابوس المدمّر، أم تراها كانت حلماً إستفاق منه على واقع أقبح من أقبح الكوابيس التي تخطر على البال؟ لقد صبغت الخمسة والثلاثين عاماً تلك ، حيطان العراق وذاكرة أبناء العراق بألوان صدام حسين، كانت حمراء بنظر البعض، وخضراء بنظر غيرهم ، فالأحوال لم تكن هي هيَ نفسها للجميع ، المطلوب مِن مناهضي صدام حسين أن يغطوا تلك الصبغات بصبغات مماثلة ، إن لم تكن أقوى وأشد بريقاً كي يجعلوا ذكرى تلك الأيام تخلد للنوم كما هي أيام الدولة العباسية والدولة العثمانية مثلاً ،إن كانوا حريصين على الإنتقال بالعراقيين من ظلمة إلى نور، وإن كانوا حريصين على بذل ما يلزم لتغيير وجهات نظر إخوانهم من العراقيين الذين لا يشاركونهم وجهات النظر خاصتهم ن السؤال هنا هو : إن كانت لديك إمكانية الإنتقام من خصمك في حرب لا تنتهي ، وإمكانية عمل ما هو أفضل من ذلك، فما الذي تختاره؟. عاتب أبو جعفر المنصور  شيخ المعتزلة الجليل عمرو بن عبيد ، على عدم وقوفه هو وجماعته بجانب العباسيين في أوّل أمرهم ، وهم، أي المعتزلة ، كانوا ممّن وقف ضد الأمويين وساهموا بالثورة عليهم ، فأجابه عمرو بن عبيد ( أدْعُنا بعدلك فنأتيك بسيوفنا)، وهذه العبارة برأيي تحدد موقف كل العراقيين الذين عملوا مع صدام حسين سابقاً، تجاه الطاقم الجديد ، مهما كانت عناوينهم وإنتماءاتهم .إنها تعني ما يلي:

أن تنظروا إلى واقع الأمر، هل يفعل من إستأثر بالحكم تحت مسميات الديمقراطية إلا كمن سبقه وأكثر؟ هي كانت لتكون ديمقراطية لو أنه لم يستخدم نفوذه لكسب الأصوات وتغيير إرادة الشعب . نحن يوم نمنح الطاغية أصواتنا بسبب مخاوفنا ، فلن تبقى لنا أية حجة أو عذر يوم يستأسد علينا ويعتقل أبناءنا ويودعهم السجون لينتهك أعراضهم جلاد لا يعرف حروف الألوهية في قلبه، يقطع لحومهم ويقتل الإنسانية فيهم . لقد سأل الأخ الخفاجي قبل مقالتين، هل إنتخب الشعب صدام حسين ؟ وأنا لم أجبه بغير الحقيقة المكشوفة ، أن الشعب الغافي لا ينتخب، بل يترك الأمور للعسكر والمغامرين ، يتنافسون بينهم ، هي حالة عقلية كانت سائدة، والثورة الشعبية الوحيدة التي عرفها العراق ، كانت ثورة 14 تموز، هل نسينا ما فعله الثوار من أبناء الشعب بالملك وعائلته؟ كما حصل بالثورة الفرنسية، قتل وسحل ونهب وحرق، وكلّ ما يسوّد وجه الشعب العراقي ، إن كان هذا هو ديدن الثورات، فأهلاً وسهلاً بأبطال الإنقلابات..

أما اليوم، فهناك مجال لكل عراقي كي يساهم بإختيار من يرى فيه الخير عبر ممارسة الإنتخابات، كما يتم الترويج له ، لكن هذه النظرية لا تصحّ إلا بوجود رقابة نزيهة وفاعلة ومستقلة، تمنع الحاكم وبقية المتنفذين من الأحزاب والسلطات الثيولوجية أو العشائرية من ممارسة دورها بالتأثير على المجموع من خلال التخويف والإغراء والتضليل، ولا تصحّ مع شعب لا يميز بين الصالح والطالح ، لا تصحّ مع شعب همّه على بطنه ويمارس المحسوبية والتعصب أكثر مما تفعل السلطة نفسها، لا تصحّ مع شعب يتقاعس عن الخروج للشارع والإعتصام  لبيان رفضه لكذا وكذا من القوانين والقرارات والممارسات التعسفية ، يفعلها أمام  العالم كله كي يراها. إذن خلافنا هو ليس بخصوص حرية الإختيار، بل حول حتمية سرقة أصوات الناخبين لا إحتماليتها، هل تذكرون تلك الإنتخابات قبل سنين ، يوم أحرق أتباع مسعود مقر الحزب الإسلامي في دهوك وقتلوا إثنين من رجالهم إن لم أكن مخطئاً؟ أين هي الديمقراطية وأين ذهب الحساب؟ يقول پول ڤاليري " إذا كانت الدولة قوية سحقتنا، وإذا كانت ضعيفة هلكنا " ، وبين دفتي هذه المقولة يتراوح شأن العراق، رأينا الدولة كيف تكون وهي قوية، ورأيناها كيف لا تكون وهي ضعيفة، قائل العبارة الحكيمة هذه لم يكن يحكي عن العراق بل عن كل بلد، من خلال بلده هو والذي هو غربي، فرنسي كما يبدو. طموحي هو نفس طموحك، أن نعيش حياتنا بشرف وبكرامة، لم ارتض للجندي وللخفير أن يتطاول عليك قبل 2003، ولا تصدّق أبداً أنني أتشفى بما وقع على رأسك من ظلم وتعدّي ، فقد وقع بعضه على رأسي أنا . في دارفور السودان يتذابحون ويبيدون بعضهم البعض بسبب شحة موارد الرعي والسقي والعيش البشري، نحن ، أهل العراق ذي الخير الوفير ، بالمقابل ، نتذابح اليوم ، على كتم أفواه بعضنا وعلى ما تخفيه الصدور، لأن نفط العراق ومعادنه وأنهاره ، تكفي عموم العراقيين لو كانت نواياهم طيبة ومتصافية، وهذا ما أريد أن أركز عليه، العقائد كالدين والمذهبية لا تولد بدواخلنا، إنها نتاج توريثات أهالينا لنا ، هي أشبه ببرامجيّات الحاسبة، يتم تحميلها في أدمغتنا في فترة من أعمارنا لا قدرة لنا على مناقشتها أو تمحيصها أو إبداء الرأي بها، هل نرضى أن يبرمجوننا بها أم لا. حتى الدين نفسه، لا نملك شرف حمله والإعتقاد به ما دمنا قد ورثناه من الوالدين ومن البيت والبيئة المحيطة، وحدهم من يتحوّلون من ديانتهم السابقة لديانة أخرى يملكون شرف الإعتقاد كاملاً ، لذلك كان الصحابة الأوائل بنظري أنا من الناس، أشرف قدراً من أيّ عالم دين أو فقيه أعقبهم، لقد إمتلكوا شرف إختيار التحوّل ،و دفعوا ضريبته، وكل ما بدر منهم من هنّات أو أخطاء لا يبدو ذي تأثير مقارنة بالإنجاز الذي أحرزوه ، أنا أذكرهم هنا من باب الإستشهاد وليس للمزايدة أو التفاخر والتعريض .ما الذي فعلناه نحن بالمقابل؟ لقد ورثنا هويات مذهبية تحمل بصمات أزمنة وأمكنة متباعدة عن بعضها، وكلها متباعدة كل البعد عن زماننا الحالي ، فلم نعمل بأفضلها، بل إستخدمناها كعلامات تمييز،لذا لم يعد لها من فائدة، فأنت لو سألت حنفياً عن فروق المذهب الحنفي عن المذهب الشافعي لوقف صامتاً أمامك، لا يحير جواباً، هذا إذا لم يجتهد للإجابة مستخدماً ما لا علاقة له بالموضوع! وهو نفس حال كل من يحمل بقية الهويات، إلا من رحم ربّي، ربما خمسة بالمائة فقط من كل ملة ، يعرفون صدقاً وفعلاً  ما هم عليه، وما فرق هويتهم المذهبية عن غيرها، كم بقي من المائة الكاملة؟ تلك خمسة وتسعون كاملة!!!

تأتي على الأفراد و على البيوتات ، والعشائر كذلك، وصولاً للبلدان الكبرى والصغرى، أوقات ، ليس هناك أفضل فيها من غض النظر عن الماضي مهما كانت قناعاتهم فيه  ،والسعي للتأسيس لمستقبل جديد ، يسمونها "المصالحة"، وقد يسمونها "تجاوز الماضي"، وقد يسمونها بألف إسم آخر، لكنها بغض النظر عن أسمائها المتعددة، تبدو الخيار الأفضل للعراقيين اليوم ، لنسيان الماضي يوم كانت الدولة قوية أكثر ممّا يلزم ، ولنسيان واقعها اليوم، والدولة ضعيفة أكثر ممّا يمكن على مستوى الخدمات، لكنها قوية أكثر ممّا ينبغي على مستوى الإساءة لأبناء الشعب وتجريدهم من حرياتهم والتجاوز عليهم ، وكلامي هذا موجّه للمعلقين جميعاً ، فأطراف الحوار هنا تبدو غير منتمية إلى أيّ من الحقبتين لكنها تناقش كما لو كانت تنتمي لزيد أو عبيد، بفعل أمور كثيرة لا قبل لهم بها .. تجاوز النزاعات هو عين ما فعله الأوربيون مع بعضهم، وهو ما فعله السود بأمريكا مع البيض منهم  رغم تراث الرق البغيض ذاك ، علماً أنه بين الأوربيين من الدماء والمآسي والنزاعات الإقليمية سجلات مليونية رهيبة، لازالت ذكراها ماثلة للعيان، مع هذا، إختاروا مصيرهم بأنفسهم فنبذوا الثارات والكراهيات ، ووحّدوا العملات والسياسات، لقد فعلوها وهم أصحاب التطور والدساتير والنظام والتسليح الراقي والحضارة المتقدمة،لا يبدو أنهم كانوا بحاجة إليها إلا لمجابهة تفرد الأمريكان بالسلطة العالمية ، كم هناك بأيدينا أن نفعل مثلهم ، ونحن أحوج إليها منهم، نحن أصحاب التخلف والنكوص والتراث المتراكم من فقر وجهل و الكثير الكثير من الظلم وإبتلاع حقوق الغير؟ نحن من سيهجمون علينا بعد عقود ويحتلون بلادنا ربما، في حملتهم الصليبية المليونية !!!

 

أشكر أخي(مظلوم عراقي) على توضيحاته للأخوين المعلقين أسفل مقالتي السابقة ، وددتُ أن أستلم منك بريداً يحكي سبب إختيارك لهذه التسمية فأنا أهتم بقصص المظالم بشكل عام ، أنت توليت توضيح بعض الأمور لأصحاب التعليقات تلك ، أحياناً يعيش الزمن نفسه بداخلنا، وليس العكس كما هو حال الأمم التي أخذت بأسباب الحياة، العداوات القديمة يا أخواني المعلقين ، رقم 2 و 3 ليست قدراً مقدورا، لقد تناسى الأوربيون عداوات ومقاتل تبلغ آلاف المرات أكثر مما بينكم كأكراد مع الأتراك، العالم يحتاج أن يغض الطرف عن الماضي إن كان يريد الحاضر والمستقبل بأفضل صورهما، أما أن أكون ضعيفا بالكتابة والتاريخ والجغرافية سيد سامان، فتلك مصيبة يا رجل، أخشى أن تضيف الدين والأخلاق والوطنية إليها ، وتجعلني أنتحر من فوري..أنا إخترت تركيا للمقارنة لعدة أسباب، أولها أنها قريبة جداً منا، وأنني قد زرتها وشهدت هذه الأمور ، لا أحب أن أحكي إلا عمّا أنا واثق منه ، وتذكر ذلك المثل الغربي، المعاينة هي المصداق(Seeing Is Believing ), كذلك ، فتركيا متطورة جداً في مدن كإسطنبول وأنقره ، ومع هذا، فهناك مناطق لا زالت تعيش التخلف الذي نعيش نحن فيه داخل العراق، لذا، فهي أولى بالمقارنة من هولندا وألمانيا ، وتذكر أنّ المقالة تلك كانت موجهة للعراقيين بالداخل تحديداً.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز