زهير كمال
zuhair1001@gmail.com
Blog Contributor since:
26 February 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
المثقفون ونهضة الامم

لم اجد في تاريخ البشرية المكتوب اسوأ من الوضع الذي وجدت فيه الامة الصينية نفسها في القرن التاسع عشر ابتداءً من عام 1839 فقد استطاع اربعون الف جندي بريطاني مع ثلاث بوارج حربية اجبار الامبراطور على توقيع معاهدة الاستسلام واهداء اجزاء من   الاراضي (هونج كونج وما حولها) الى الملكة فكتوريا والسماح بتجارة الافيون في الصين وعدم التعرض لتجاره .

مهانة عظيمة لشعب يبلغ تعداد سكانه اربعمائة مليون نسمة آنذاك ولم يستطع الوقوف في وجه هذا العدد الضئيل من القوات الاجنبية .

 تكررت الخسارة المهينة المرة تلو المرة على فترة عشرين عاماً خلال الحروب التي سميت بحروب الافيون .

كانت النتيجة  ان الصين دخلت القرن العشرين وقد اقتطعت اقسام من اراضيها وكل الدول الاستعمارية تنهب ثرواتها  ومائة وعشرين مليوناً من سكانها ، اي ما يقارب ربع عدد السكان مخدرين ومعظم الباقي جاهل لا يقرأ،  واصبح اسم الصيني مصاحباً لاحد امرين اما مخدر لانفع فيه او شبح خفي متآمر غدار.

 قد يتساءل الكثيرون عن سبب وصول  أمة عظيمة مثل الأمة الصينية ولها حضارة عظيمة موغلة في القدم  الى  هذا الدرك من الانحطاط  والذل!

هل كان السبب تاريخ الصين  ؟  ديانتها ؟ او شعبها ام الثلاثة اسباب مجتمعة؟

طبعاً كان اعداء الامة الصينية وبعض المثقفين الصينيين قصار النظر يغذّون مثل هذا التوجه الخاطيء، الأمر الذي كان يزيد من تشاؤم الشعب الصيني وانحداره الى مستويات اكبر من اليأس والانهيار.

ولم يكن السبب سوى توقف الأمة الصينية عن التطور ومجاراة العصر ! صحيح ان اهل الصين اخترعوا الورق ولكن لم يخترعوا آلة الطباعة، اخترعوا البارود ولكنهم لم يخترعوا المدفع!

احتاجت الصين قرناً ونصف القرن من الألم والمعاناة والعمل الشاق حتى تستطيع التبوّء الى المركز الهام الذي ترتقيه اليوم .

هذه العجالة عن معاناة الشعب الصيني في تاريخها الحديث تعطي الدليل للمتشككين في مستقبل امّتنا ان الامم تنهض من سباتها دائماً وانه ليس قدرنا ان نظل في الاوضاع المزرية التي تعيشها شعوبنا الآن والتي  ستزول حتماً بعد نضج الظروف الموضوعية لذلك.

اليوم لا أحد يتكلم عن تلك المرحلة من تاريخ الصين ولا احد يناقش  ديانتها او صفات شعبها ،  بل سنسمع ان التاريخ العريق وبساطة العقائد وصفة الاجتهاد عند الشعب هي اسباب النجاح ، فالنصر والازدهار  له ألف أب .

ويبرز هنا سؤال : لماذا استعملت بريطانيا هذا الاسلوب اللاأخلاقي بكل المعايير الانسانية في طريقة تعاملها مع الصين  ؟؟

 لا بد من الاعتراف ان تخطيط الساسة البريطانيين ايام كانوا يحكمون العالم كان في منتهى الدهاء واستعملوا اسلوباً انتهازياً لا علاقة له بالوازع او الضمير والغرض هو الاستفادة القصوى من احتلال اراضي الشعوب التي لم تواكب تطور العصر.  ففي الحالة الصينية اجبروا الامبراطور على السماح بالتجارة الحرة للافيون نظراً لعدد السكان الهائل وازاحة ربع عدد السكان بالتخدير وما يسببه ذلك من افقار للعائلات الصينية وتكريس كل دخل الاسرة لشراء الكيف كفيل بابقاء الصين فترة طويلة خارج دائرة التأثير اضافة الى المكاسب من النهب المنظم لثروات الصين والذي اشتركت فيه كافة القوى الاستعمارية.

في الحالة العربية كانت هناك خلخلة سكانية واضحة في منطقة الشرق الاوسط مما سهل على المخطط البريطاني تقسيم المنطقة الى دول صغيرة واقتسامها مع فرنسا ومن ضمن ذلك اتفاقية سايكس بيكو ، ثم تأييد الافكار الصهيونية  بزرع كيان سرطاني في فلسطين لفصل آسيا عن افريقيا حتى لا تقوم قائمة لمصر وتوجهاتها الدائمة نحو الشرق،  فقد تعلم من دروس التاريخ ان مصر عندما تتوحد مع سوريا الطبيعية تستطيع صد الدخلاء الطامعين في المنطقة ، تكررت ايام صلاح الدين الايوبي ضد الصليبيين ومع الظاهر بيبرس ضد التتار وكادت ان تتكرر ايام محمد علي باشا في محاولاته انهاض شعوب المنطقة بعد اصابة الخلافة العثمانية بالوهن والاحتضار.  وعندما حاول عبدالناصر فشلت المحاولة لوجود مانع اصطناعي في فلسطين.

يبرز هنا سؤال: هل كان باستطاعة الحركة الصهيونية ان تقوم بانشاء كيان لليهود في فلسطين اعتماداً على جهودها الذاتية؟

والجواب هو استحالة ذلك لأنه لا وجود للمادة الاساسية لهذا الكيان وهو الشعب، وقد تكون الحركة الصهيونية وقادتها اكثر نشاطاً من الحركات الاخرى في العالم ولكن لولا تخطيط بريطانيا لما وجدت اسرائيل وكان مقدراً لهذه الحركة ان تكون مثل الحركة الماسونية ونوادي الروتاري والليونز المنتشرة في العالم، خاصة ان هناك كثير من الشعوب التي تعيش على ارضها ولم تستطع الحصول على حق تقرير المصير ولهذا فانه من المدهش حقاً استيراد هذه الاعداد من اليهود من مختلف انحاء العالم الى فلسطين وبعد ذلك البدء بخلق طبقة عمال وطبقة فلاحين مثل باقي الشعوب وتكوين تراث مسروق من اصحاب الارض الاصليين.

كانت عين السيد بلفور على شعوب المنطقة بشكل عام ومصر بشكل خاص ان لا تقوم لها قائمة في المستقبل ، ولا بد من الاعتراف  بنجاح مخططه حتى هذا التاريخ .

عندما تم انشاء اسرائيل بدعم وتأييد نفس القوى التي حاربت الصين ونهبتها، كان الطفل المصنع في انابيب المختبر موجود في بيئة معادية له لكنه لم يترك وحيداً بعد موت ابيه البريطاني وانهيار امبراطوريته ، كانت اوروبا كلها تسانده بكل ما تملك فهو ابنها ايضاً ورعته بالمال والسلاح والقوة النووية حتى  يكبر ويقوى ويصبح له أنياب قادرة على ذبحنا وامتصاص دمائنا ، الطفل الذكي كان يحتاج الى اب قوي واستطاع ان يتأبّى الامبراطور الجديد  الذي بزغ بعد الحرب العالمية الثانية وكان شاباً يافعاً ورث عن الاجداد الاوروبيين حبه للمال والنفوذ. وتلاقت مصالح الاب الامريكي الجديد مع ابنه واستطاعوا السيطرة على كل المنطقة التي يعيش فيها الابن ففي كل حرب خاضها الابن لمصلحة ابيه كان الاب يرسل الاسلحة والذخيرة بالطائرات اثناء المعارك حتى لايصاب بمكروه .

اصبح طفل الانابيب اليوم شاباً يافعاً ويستطيع ان يقول على استحياء لا لأبيه، انا اعلم مصلحتنا اكثر منك يا ابي ، فهو يستغل كبر الاب واصابته بالوهن والضعف نتيجة لمرض الغرور،  وهذا المرض قاتل وكل من يصاب به يهرم سريعاً ويموت 

ما سبق  معروف للجميع.  ولكن : اذا كان هدف المخطط الاستعماري من قيام اسرائيل هو منع الوحدة العربية واقامة الدولة الديمقراطية التي تواكب العصر وتحافظ على مصالح شعبها وتمنع نهب ثرواته وترتقي بابناءه وتحفظ كرامتهم، فما هو الفعل المطلوب من شعوب المنطقة ان تقوم به لقلب هذا المخطط؟

والجواب واضح مثل شمس ساطعة وقت الظهيرة في صحرائنا العربية :

اقامة الدولة الواحدة في المنطقة الموجودة جنوب البحر المتوسط والتي تمتد من المحيط الاطلسي وحتى الخليج العربي .

عندها فقط يصبح لا مبرر لوجود اسرائيل في المنطقة ويسقط المخطط الاستعماري الذي يريد تقسيم المنطقة وابقاءها ساحة مباحة للنهب والاستغلال بوجود مسدس مصوب على رأس كل من يرفع راسه فيها!

لابد من التذكير ببعض الحقائق الهامة في هذه المرحلة من القرن الواحد والعشرين:

1.    لقد سقطت الدولة القطرية سقوطاً مشيناً في كل ارجاء المنطقة جنوب البحر المتوسط ! ومن الغريب ان نفس المظاهر لسقوطها موجود في كل دولة فمظاهر الفساد وسرقة المال العام وتكديسه في يد حفنة قليلة والجوع والبطالة والامية موجودة بدون استثناء في كل الدول سواء كانت فقيرة ام غنية.

2.    ان الدولة القطرية غير قادرة على الدفاع عن نفسها وكثير منها مرشح للتقسيم على اساس عرقي او طائفي وبعضها مرشح للانفصال عن الجسم العربي نهائياً بوجود اقليات هامة من دول شرق آسيا فيها مثل دول الخليج الصغيرة التي جلبت عمالة غير عربية بشكل مكثف خوفاً من تواجد عربي غير خليجي. كما ان كثيراً من الدول اعطى قواعد للاجانب في بلاده ، هذه القواعد التي حارب اجدادنا واستشهدوا من اجل التخلص منها ومن نفوذها على مقدراتنا.

3.    ان محاولات الدول القطرية حل مشاكلها واللحاق بالعصر اعتماداً على نفسها باء وسيبوء بالفشل ، فالدول الغنية من بيع مخزونها من النفط تفقد ثرواتها بعد ان تتحوّل الى نقد في البنوك الاجنبية بفعل ازمات الاقتصاد الراسمالية .  نظراً لعدم القدرة على استثمارها في الداخل، وعند استثمارها فان معظم رأس المال يتوجه الى مباني وعقارات ، وهذا لا يعني اللحاق بالعصر ، آخر محاولة من دولة قطرية في هذا الاتجاه كانت في العراق الذي تكالبت عليه كل القوى وقتلت وشردت علماءه ودمرت مصانعه ومختبراته.

4.    حتى لو سلمنا جدلاً بنجاح النخب العربية في فرض الديمقراطية والتخلص من الفساد في بلادها فلن تستطيع حل مشاكلها الكبرى ومن اهم المشاكل التي ستلعب دوراً حاسماً في صياغة المنطقة هي مشكلة المياه ، فهل تجرؤ دول الجوار مثل تركيا واوغندا واثيوبيا على تحدي دولة كبرى،  او تراعي مصالحها وما يحدث الآن مع الدول القطرية هو مثل التسول خوفاً من العطش القادم!

5.    ان كثيراً من المشاكل والصراعات بين الدول القطرية والتي تستنزف جهداً ومالاً بدون معنى ستنتهي وكمثل على ذلك تأييد الجزائر للبوليساريو من اجل الحصول على منفذ لها على المحيط الاطلسي، نتيجة هذا الصراع السخيف ان اهل سوق اهراس لا يعرفون شكل الارض على الجانب الآخر في وجدة وانقطعت صلة الرحم مع اهلهم واقاربهم ، وهكذا بدلاً من توسع الجزائر في اتجاه الاطلسي تقوقعت الى داخل حدودها وسببت المعاناة لشعبها!

6.    لقد اعطى الاتحاد الاوروبي مثلاً ممتازاً على التوجهات الواجب اتخاذها لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين وهو تجمع معظم دول القارة  بغض النظر عن العرق او اللغة او الدين او حتى التاريخ الدموي للصراع بين شعوبه وان المقياس الوحيد للتجمع هو المصلحة والمصلحة وحدها ، وبدلاً من افتراس الدول الصغيرة في القارة واقتسامها بينهم نجدهم يقومون بانقاذ الضعيف منها ورفعه الى مستوى باقي الدول وخير دليل على ذلك البرتغال ودول شرق اوروبا واخيراً اليونان.      

الدول القادرة على الصمود ومواجهة تحديات عصر العولمة هي الدول ذات المساحة وعدد السكان الكبير .

7.    ان مساحة الوطن العربي وعدد سكانه الكبير وامتداده على قارتين وتحكمه في خطوط الملاحة بالاضافة الى ثروات طبيعية ضخمة كفيلة بتشكيل دولة عظمى والامر لا علاقة له بالمفاهيم الرومانسية القديمة مثل القومية والامة والدين واللغة المشتركة وهي عوامل توحيد في منتهى الاهمية ولكن المصلحة هي الاساس في تشكيل هذا الكيان.

8.    لقد تم اهمال المواطنين البسطاء في كل دولنا القطرية لصالح فئات بسيطة لا تزيد عن عشرة في المائة من السكان، على اكثر تقدير، فالمواطن لا يتمتع بالتأمين الصحي ولا السكن المناسب وتم اهمال حقه في التعليم ووجود عدد يناهز المئة مليون امّي خير دليل على ذلك ، كما ان حقه في العمل الدائم وحقه في التأمين ضد البطالة والجوع معدوم تماماً، وحقه في الثقافة والاختيار الحر اصبح حلماً جميلاً، كما ان كرامة المواطن العربي قد ديست في كل الاقطار واصبح اسم العربي مصاحباً للتخلف والجهل او الارهاب .

9.    لو قمنا بعمل استفتاء جماهيري حر فسنجد ان اكثر من تسعين في المائة من السكان يؤيدون قيام كيان ضخم كهذا فطبيعة الامور ان الناس تعرف مصلحتها وتعرف ان مستقبلها ومستقبل الاجيال القادمة سيكون في مهب الريح لو بقيت الاوضاع على ماهي عليه.

10.                       يقف في وجه تحقيق حلم جميل مثل هذا اثنان وعشرون زعيماً عربياً مع قوات قمع ضخمة واجهزة اعلام تحول المواطنين من مجموعة متماسكة الى افراد مخدرين، ويقف الانسان مدهوشاً امام تبلد مشاعر هؤلاء الزعماء  وانانيتهم وعدم احساسهم بالتاريخ ولا بالخطر الكبير القادم على مستقبل شعوبهم .

11.                       يقع على عاتق المثقفين، بصفتهم عقل الامة المفكر والدينامو المحرك لها ، في زمن النكوص والتراجع هذا، قلب المعادلات القائمة والتركيز على فكرة الوحدة وفضح هذه الانظمة الديناصورية ممّا سيمهد الارضية الى جيل جديد يستطيع ان يحقق مشروع الدولة ، هذا المشروع سيتحقق ان آجلاً او عاجلاً فهو ضرورة حتمية كما حصل مع الصين ولكن يعتمد ذلك على المثقفين ان كانوا يريدون ان يروا تحقيق ذلك في حياتهم او يموتون والحسرة تأكلهم انهم لم يروه في ايامهم!

           







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز