صبري الربيعي
mysabri2006@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 June 2007

كاتب من العراق

 More articles 


Arab Times Blogs
نازك الملائكة أمنا الشاعرة لا تظلموها.

عجيب أمر بعض اللذين يزاولون الكتابة.. إنهم في أحيان كثيرة ينصبون من أنفسهم قضاة على أناس أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل في الموضوعات التي يتناولها هؤلاء الكتاب ويتحول الناس عند ذلك إلى ضحايا ينبغي نصرتهم ورفع الحيف عنهم.

 وإذا ما وقع ذلك الحيف على أعلام وقامات شامخة في شتى شؤون المعرفة والجهد الإنساني ممن قد غادروا الحياة الدنيا يصبح جهد أولئك الكتاب جريمة لا يمكن التغاضي عنها ويتبقى لمن يتصدى للشأن العام اجتماعيا كان أم سياسيا أم ثقافيا أن يكون له دور في إحقاق حقوق أولئك اللذين غادروا الدنيا وتلك لعمري مهمة سامية...

لو كان للأقلام لسان لصرخت غضبا من أولئك الكتبة, اللذين لا يراعوا حرمة لمبادئ ومواثيق أخلاقية تحكم الكتابة تعارف عليها الوسط الثقافي منذ أن علم السومريون البشرية الكتابة. لقد اتهم احد الكتبة قامة الشعر العربي المديدة ( نازك الملائكة ) بأنها كارهة لوطنها العراق لأنها من( الطبقة الأرستقراطية )وتلك الطبقة تكره أوطانها ( تمعنوا صار التعميم كونيا ).

 ولقد وقع كاتبنا في أخطاء فادحة تصيب الحقيقة في الصميم وتتعدى على شاطئ حافل بابهى محافل الإبداع والجمال الهادف إلى الإعلان عن فكر خلاق يخلده الزمن. لماذا يتهم هذا الكاتب نازك الملائكة بأنها كارهة لوطنها لسبب واحد بسيط من وجهة نظره لأنها قد أوصت بدفنها في القاهرة وليس في بغداد.

 لمن لا يعرف أمور كثيرة عن المغفور لها( نازك الملائكة ) أنها ابنة بارة للعراق.. دغدغت معالم العراق في قصائدها.. وأفاضت من حبها له الكثير في قصائدها وكانت تحلم طيلة حياتها بعراق تكون فيه الحياة جميلة.. والناس فيه مكتفون متوحدون ويرتع أطفاله في مدارس وملاعب تفجر في طفولتهم قيم العطاء والمحبة ولكن الواقع قد فجع نازك الملائكة في أكثر من مرحلة زمنية.

 تناقضات المرحلة الملكية والأسوار التي أحاطت بالمثقف وقبل ذلك المواطن في تلك الفترات حيث جعل النظام المثقفين والعلماء يدمنون السجون وانتظرت نازك الملائكة تغييرا ما ولقد كانت تترجى من الشمس أن تشرق على العراق حتى أزيح النظام الملكي وابتدأ عصر الانقلابات العسكرية التي لم يجن منها الشعب العراقي غير التناقض والتقاطع والإقصاء.

 ولم تتوقف نازك الملائكة فدرست واجتهدت وتحصلت على علوم مضافة ولقد غادرت مكانيا وطنها الذي أحبت ولم تبتعد عنه في ضميرها و ذاتها المؤمنة بالعراق والعاشقة له. ترى من أين لنا تلك الصلاحية في الحكم على قامة العراق الملائكة أنها كارهة للعراق ؟ لقد أوصت أمنا الملائكية أن تدفن إلى جوار زوجها في مقبرة العائلة في ستة اكتو بر بالقاهرة ليس لأنها تكره العراق كما تفتق ذهن كاتبنا بل لدواعي الوفاء لزوجها وأسرتها وحفاظا على من تبقى من أسرتها في ظل ظروف أمنية صعبة. لماذا نجهد أنفسنا في لملمة حجارة الكون لنرجم بها من لا يستحق وننسى أن قضايا وموضوعات ملحة تفرض علينا أن يكون لنا فيها رأي وموقف.

 لماذا لا ندعوا إلى نقل رفات المبدعين العراقيين اللذين اضطرتهم ظروف سيادة النظام الشمولي العراق طيلة حوالي أربعة عقود مضت إلى قضاء المرحلة الأخيرة من حياتهم في الخارج ليدفنوا بعيدا عن وطنهم شاعر العروبة الأكبر( محمد مهدي ألجواهري) ومجدد مدرسة الشعر العربي الحديثة (عبد الوهاب ألبياتي) وغيرهما كثير. لماذا لا نستحث الجهة التشريعية والتنفيذية لإيجاد الوسائل التي تؤمن دفن من يتوفى من مبرزي العراق في داخله وما أروع أن نجمع أجداث هذه القامات في مقبرة واحدة كما يفعل الآخرون ؟

 أليس حري بنا المطالبة بسن قوانين تسهم في توفير الحياة الكريمة لعقول العراق ومثقفيه وصحفييه ؟ لقد مات( بدر شاكر السباب )على سرير مستشفى خارج بلده نقله إليه احد أصدقائه الشعراء بعد أن شبع فقرا وعوزا ولقد جاعت عائلات كثير من المبدعين في واحد من أغنى بلدان العالم من حيث الثروات ولكن أنظمته المتتالية جلبت له الفقر والعوز وأخيرا الموت. ونحن ماضون في تكفير بعضنا البعض وتوجيه الرماح من يعضنا لبعضنا الآخر ونتسقط لأحبائنا وأصدقاءنا ونتلهى بمصائبهم في دردشاتنا. أنا افهم الكتابة تعبير عن أفكار وخلجات وتوق إلى سيادة قيم ومبادئ وتطلع إلى حياة كحياة تلك الشعوب التي وضعت أقدامها على طريق الرفاهية والأمن فغادرت إلى الأبد كل ما نعانيه نحن في حياتنا ونفوسنا وضمائرنا حيث ( لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) وجميل جدا أن نوفي علوم الإنسان وإبداعاته حقها في تامين الاستخدام البناء لها فمن اخترع الكومبيوتر والبث الفضائي لم يكن يدر في خلده استخدامه في غير الأهداف الإنسانية في العلوم والثقافة والفنون. ولم يكن ليتصور أن بعضنا سيستخدمه في إطار وسائل الفرقة والإقصاء والشتيمة واتهام من لا يستطع الدفاع عن نفسه فنحن بذلك نضيع على أنفسنا أهدافا وفوائد سامية .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز