نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا لم يكن العرب متحضرين قبل غزو حضارات الجوار؟

يقول العرب أنهم أصحاب حضارة عظيمة وصدروا الحضارة للعالم

كان العرب يعيشون فيما يسمى بالجزيرة العربية حياة تقشف وشظف وضنك، في بيوت من الطين وعشش من القش والنخيل، في أحسن الأحوال، أو في بيوت من شعر الماعز وهي المادة الخام الوحيدة التي كانت موجودة وقتذاك، والتي كانوا ينتجونها، أو في خيم متنقلة في الصحراء، وكثيراً ما تعرضوا لأن تطمرهم كثبان الرمال، ومن النادر جداً أن تعثر في شبه الجزيرة العربية هذه حتى اليوم، على أثر معماري فذ وحضاري، وأوابد تاريخية خالدة، كإهرامات مصر،  مثلاً، والآثار البابلية البديعة كحدائق بابل المعلقة، والسومرية والآشورية، والمسارح الرومانية، ومنارة الإسكندرية، وتمثال رودوس، وزيوس، ومبنى الأكروبوليس، ومدينة تدمر العريقة في البادية السورية، وسور الصين العظيم، أو حتى كنيسة يوحنا المعمدان في دمشق والتي تحولت إلى ما يعرف اليوم بالجامع الأموي، بعد أن سطا عليه طلقاء بني أمية حين احتلوا دمشق وغزوها وأقاموا بها واحدة من أسوأ الإمارات الدموية الظلامية بعد أن كانت منتجة للحضارة والتمدن والرقي الإنساني، إمارات الدم والسبي ونخاسة الرقيق والعبودية وقطع الرؤوس. (لقد دمر البدو الغزاة كل شيء، كما دمروا قيم التعايش والمحبة والتصالح  بين الناس والأهم قيم الذوق والرقي والجمال، إذ يندر ألا ترى ما يسمى بدولة إسلامية ليست على شفير حرب أهلية أو هي في غمار حروب أهلية ضروس والخريطة أمنامكم انتقوا منها ما شئتم من طنجة لجاكرتا). وكل تلك الأوابد تدل على شعوب عريقة وحضارات رفيعة تركت الأثر المعماري الفني الطيب، كما الأخلاقي والإنساني، وراءها لتدل بها على عظمة وذوق رفيع لأولئك البشر وتعبر عن طبيعة اهتماماتهم ومستوى تفكيرهم الراقي الذي تجاوز بالطبع الحيض والنفاس ووطء الصغيرات وإرضاع الكبير وفوائد و"فضائل" بول البعير، حيث أنه لم يكن لدى عرب الجزيرة وقتذاك أي إلمام بالفن المعماري في بيئة رملية صحراوية مغلقة، ولا بأي من فنون النحت والرسم والموسيقى...إلخ وحين أتى الإسلام حرم كل أشكال التصوير والرسم باعتبارها من أعمال الشيطان والعياذ بالله، (هي محرمة وممنوعة حتى اليوم في جزيرة العرب التصوير والسينما). وأما القناطر الرومانية التي تزين ما يسمى بالعمارة الإسلامية، هي من أصل روماني وإغريقي كانت موجودة بوقت طويل قبل ظهور الغزاة البرابرة الأعراب على مشرح الحياة. وإلى اليوم فإن من بنى وعمـّر مشيخات الخليج الفارسي وحتى مساجده وأبراجه هم العمال الآسيويون غير المسلمين وبخبرات وعلوم هندسية غربية صرفة، فكل ما كان يعرفه العرب في الصحراء هو بيوت الشعر والخيام والبعير والتيوس وأصنام التمر التي كانوا يلتهمونها حين المجاعة كما عبر الشاعر عن ذلك بقوله:

أكلت جهينة ربـّها زمن التقحم والمجاعة، وفي رواية أخرى التقحط.

ولم تعرف جزيرة العرب أي تنظيم وأنماط ورموز حضارية وتنظيمية وإدارية كما كان موجوداً في حضارات مجاورة، أيضاً، كقصور وإيوان كسرى التي وردت كثيراً في الأدبيات العربية، ولذلك فقد استغرب، مثلاً، رسول كسرى كثيراً حين رأى الخليفة عمر بن الخطاب، رضوان الله تبارك وتعالى عليه، نائماً تحت شجرة، مع "الرعية" لأن القصور، بالطبع، وتنظيم الجنود والثكنات العسكرية، والقلاع، والمكاتب والإدارات والمقرات والسراي الحكومية، والهرمية السلطوية والإدارية باعتبارها شكلاً تنظيمياً متقدماً راقياً عما كان عليه بدو الصحراء، يقطع مع الشكل الرعوي والأبوي السائد وقتذاك في ما يسمى بالجزيرة ولا ينتمي إليه، فكل ذاك لم يكن معروفاً ومتداولاً في صحراء الغزو والسبي والقيم الغظة والمعاملة القاسية وانعدام الأخلاق وسيادة الانحطاط الخلقي حيث ورد في محكم آياته أن الأعراب كانت أشد كفراً ونفاقاً، وقتذاك، (سيقولون لك أن ذلك كله تغير بعد الإسلام فجأة هكذا، ونقول إذن لماذا ارتدت القبائل عن الإسلام بعد وفاة نبيه؟) وليس لأي سبب أسطوري آخر كما يحاول أن يوهم ويدلل الصحويون بهذا على تواضع خلفاء الإسلام وعظمتهم وعظمة مجتمعهم، فبكل بساطة لو كان لدى عمر قصراً مكيفاً على النمط الفارسي لسكن فيه. إذ لا يمكن قياس المستوى الحضاري المتقدم للحضارات المجاورة حبنذاك بالمجتمع الرعوي الأبوي القبلي الهرمي في الجزيرة. نعم لقد هال "صاحب كسرى" المنظر جداً، ولم يصدقه، وعلى نحو سلبي ، وليس إيجابي كما يحاول البعض الإيهام، والافتخار بذلك، إذ ليس من اللائق ومن منظور بروتوكولي حضاري راقي أن ينام "زعيم" دولة تحت نخلة، هذا إساءة للدولة برمتها ألا يكون هناك مقر لحاكمها،  لقد ارتعب صاحب كسرى، وهو القادم من بلاد ذات حضارة عريقة، متقدمة ومتطورة، وبنيان عظيم، فقيلت لذلك تلك القصيدة الشهيرة التي يرد فيها:

وراع صاحب كسرى أن رأى عمراُ بين الرعية عطلاً وهو راعيها

وعهده بملوك الفرس أن لها سورا من الجند والحراس يحميها

فقال أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت فيهم قرير العين هانيها

والصحويون والدعويون وأصحاب الخطاب الديني، يرون هذا دليلاً على تواضع وعظمة خلفاء الإسلام التي لا نقول فيها شيئاً، ولكننا نرى ذلك من منظور آخر، أيضاً، وبالتأكيد، وهو برهان ودليل على وجود تلك الهوة والفارق الحضاري الكبير بين الجانبين ليس إلاّ، ومن دون أي بعد أسطوري، وأن العرب لم يكونوا في جزيرتهم راهنذاك على نفس ذلك المستوى التنظيمي الدقيق الذي كانت عليه الحضارة الفارسية. أما أمر تدمير تلك الحضارة الفارسية والسيطرة عليها وغزوها عسكرياً مع غيرها، من قبل الغزاة العرب فهو قضية أخرى، وشأن مختلف، تماماً، فانتصارهم لا يعني بالضرورة أن القضية عادلة أو مقدسة، كما هو الحال، اليوم، بالنسبة لانتصار أمريكا وإسرائيل على العرب، وهزيمتهم شر هزيمة، فهل هذا الانتصار والإنجاز العسكري يحمل أية مضامين قدسية وأسطورية أخرى؟ والعالم عرف شعوباً همجية كثيرة سيطرت على أمم أخرى ودمرتها وأنسأت الإمبراطوريات العسكرية، تلك الشعوب التي لم تكن بذاك المستوى الحضاري الرفيع ولم تعط لنفسها أي بعد قدسي، غزت شعوباً حضارية أخرى ودمرتها عن بكرة أبيها، والأمر، بالتأكيد، ونكرر ليس له أي بعد أسطوري ولا يمكن ربطه بمقدس، على الإطلاق. وإلا لماذا لم تقد قائمة للبدو الغزاة بعد تلك الطفرة العسكرية التاريخية والأوضاع الجيواستراتيجية التي ميزها تحلل وضعف وتفكك "القوى الدولية" وقتذاك كالفرس والروم، وهذا أمر ليس من عند الله فكل الحضارات عبر التاريخ تشهد نشأة وصعوداً وهبوطاً، ومن ثم انقراض، كما حصل مع العرب بالذات. فانتصار البرابرة الصهاينة اليوم في فلسطين، وسيطرتهم على هذه البلاد وإذلال شعوبها، وارتكاب المجازر بحقهم، ليس دليلاً على أي بعد أسطوري، وقوة وقدسية كما يجلجل متطرفوهم، ولا يحمل أي بعد غيبي أو مقدس حتى ولو كان الحاخامات يقولون، ويعتقدون بغير ذلك. ونفس الأمر ينطبق على البرابرة الغزاة الأطلسيين في العراق، وأفغانستان وفييتنام وبنما وغيرها، فالأمر، كما نرى، ليس له أي طابع قدسي، حتى ولو قال لنا جورج بوش بأن الله قد كلفه بـ"فتح" العراق، وغزوها. كما ودمر البرابرة والقتلة الأمريكان في العصر الحديث مدينتي هيروشيما وناغازاكي وأبادوهما عن بكرة أمهما، وأبيهما، فمن هو البربري هنا الضحية أم الجلاد؟وهل اكتساح الجيش الأحمر لأوروبا الشرقية و"فتحه" لبرلين وتدمير الإمبراطورية الآرية يحمل أية دلالات ومضامين أسطورية وغربية وعقيدته الإيديولوجية قائمة على الإلحاد وإنكار وجود الله؟ رغم أن الشيوعيين كانوا كفاراً ولا يؤمنون بالله ولا يرفعون رايات التوحيد فقد هزموا الإمبراطورية الجرمانية المقدسة التي تلوذ بالله ودفعوا الفوهرر للانتحار. فما علاقة هذا بذاك؟ وهل هناك ثمة منطق في الربط بينهما؟

ولو كان لسيدنا عمر، رضوان الله تبارك وتعالى عليه، قصر لما نام، بالطبع، تحت "الدوح مشتملا ببردة كاد طول العهد يبليها" كما قال حافظ ابراهيم في قصيدته الشهيرة. لأنه، وحين قيض الله للمسلمين أن يترفهوا في دمشق إحدى أجمل حواضر العالم الشهيرة في حينه، فما قصروا بذلك، وكما فعل خليفتنا الأعظم معاوية ابن أبي سفيان رضوان الله تبارك وتعالى عليه الذي اشتهر بالبذخ والإسراف وحياة الترف حتى قال البعض أنه يحب أن يأكل على مائدة معاوية الأدسم، ويصلى وراء صلاة علي الأطيب. إن استغلال واستثمار والسطو على المعارف والخبرات التي كانت موجودة للتو، من قبل البدو، ونسبتها لأنفسهم، والتي شقي صانعوها في إبداعها، كما أن استخدام تلك المعارف والخبرات وإعادة توظيفها لا يعني أن هؤلاء الناس قد أصبحوا حضاريين، أو لمجرد أن أطلقوا على ذلك كله اسم العربي والإسلامي؟ فلا ندري، في الحقيقة، كيف لبدو محاصرين تاريخياً في صحرائهم ولم يكن لديهم حضارة، ولا خبرات معمارية أن ينقلوا ذلك للغير بين ليلة وضحاها، ويحق لنا أن نتساءل من أين هبطت عليهم تلك الحضارة فجأة، ولماذا لم يستثمروا إمكانياتهم الحضارية الفذة والنادرة والهائلة في إعمار بيدائهم قبل أن يذهبوا بها إلى الأندلس والشام وفارس فيما بقيت صحراؤهم، وحتى اليوم، ولقرون مديدة، "قفراء نفراء" ومن دون قيم وأخلاق حضارية وجمالية، وخاوية على عروشها تصفر فيها الرياح إلى أن أتي البريطانيون والأمريكان والبهود والبوذيون والهندوس واكتشفوا لهم البترول وبنوا ملح المدن كما نراها اليوم؟ أليس الأقربون أولى بالمعروف؟

 (إلى اليوم يتعامل البدو بوحشية ومن دون أية قيم واحترام مع سكان البلاد الأصليين والوافدين والقوانين العنصرية واحتكار الثروة والسلطة والإيغال في البدائية والتزمت والانغلاق سمة لتلك المجتمعات، فأين الحضارة وأينهم والأنكى أنهم يسمون ذلك قيماً عربية وإسلامية يحافظون عليها). ولماذا لم يعرفوا ويعمّروا القصور وينشؤوا الدواوين وينظموا شؤون الدولة في صحرائهم ذاتها، قبل التكرم والجود بها، مشكورين، على الغير؟ وحتى المآذن التي عملوا عليها "هيصة" من فترة قريبة هي فن معماري كان موجوداً للتو، ولم يعرفه العرب والمسلمون إلا في العام 52 هجري حين شيدت أول مئذنة هي عيسى في الجامع الأموي بدمشق أي أنها ليست من الجزيرة العربية كما هو مفترض ومطلوب، وتم الأمر فقط بعد الخروج من جزيرة العرب والاطلاع على مختلف الفنون المعمارية التي كانت سائدة في العالم. والجواب بكل بساطة لأنهم لم يكونوا متحضرين، وإنما نسبوا كل ذلك لأنفسهم، زوراً وبهتاناً، ومن غير وجه حق. ثم يدللون بالسطو على هذه الخبرات، ومعارف الشعوب كونها منجزات حضارية كانوا يتمتعون بها في الوقت الذي كانت فيه أوروبا غارقة بالجهل والعتم. هكذا. مع العلم بأن الأسماء الكبيرة التي برزت في أوج الفترة التي يطلقون عليها بالحضارة العربية لم تكن وبكل أسف من أصول عربية والأسماء أكثر من أنن تعد وتحصى، وحتى لغتهم صاغها وقوننها ووضع قواعدها الفرس كسيبويه والفراهيدي وابن مالك في ألفيته الشهيرة.

 وكما يفعلون اليوم عبر ما يسمى بعملية أسلمة الحداثة، فيكفي، مثلاً، وبكل بساطة أن يطلقوا على بنك اسم البنك "كذا الإسلامي" حتى يصبح البنك إسلاميا، أو الجامعة، والطائرة، والدراجة و"الكبريتة" والنكاشة والولاعة الإسلامية، حتى أصبحوا هم صانعيها ومنشئيها وواضعي أسسها وقوانينها وتشريعاتها ونظمها ونواتها العلمية، نعم هذا هو المنطق الذي يحاولون تسويقه. اليوم مجرد أن يكتبوا على بنك اسم البنك الإسلامي ليصبح إسلامياً رغم أن كل تجهيزاته من برامج السوفت وير التي تشغل منظومات البنك، وحتى الفراش الهندي والسكرتيرة الإنكليزية، هم وبكل أسف غير عرب وغير مسلمين، والمستشارين الغربيين اليهود والمسيحيين والملحدين الاقتصاديين والماليين هم "بالهبل"، أي بأعداد كبيرة، في هذه البنوك والمؤسسات التي يلقبونها بالإسلامية، ولو غادرها هؤلاء "الكفرة"، حسب الخطاب العنصري ما غيرو، لأفلست وأقفلت أبوابها على الفور(وهي بالمناسبة لم تنج من عاصفة الأسواق المالية، لأنها مرتبطة بها ارتباطاً عضوياً، وتعمل وفق آلياتها وأنظمتها وقوانينها، وحين انهارت تلك انهارت هذه إلى الحضيض وهوت إلى القيعان، وأفلست إمارة دبي رغم أن أحمد منصور كان يعمل بها مؤذنا دات يوم، ورغم أن القرضاوي يقول لأتباعه بأن البنوك الإسلامية الذي يملك أسهماً كثيرة فيها، معصومة ومميزة ومختلفة عن بنوك الكفرة والعياذ بالله).

إن السطو على خبرات ومعارف وعلوم الغير ونسبتها للنفس، ومحاولة فرض ذلك بالإرهاب الفكري والجسدي، والمباهاة بذلك، ليس حضارة، أو فعلاً حضارياً، وأخلاقياً، وعلى أي وجه، كان.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز