صائب مراد
jadhardan@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 January 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
المسلمون والعالم .. مأساة شريعة اسلامية مزورة ج1

 

العلامة الفارقة بين من ينظر الى القرءان بعيونه ، وبين من ينظر الى القرءان بعيون الفقهاء ، هي ان من ينظر الى القرءان بعيون الفقهاء لن يرى القرءان بل سيرى كتابا آخر ، مختلفا تماما ليس بكلامه وانما بمعانيه عن القرءان الحقيقي ، فالقرءان الذي يؤمن به المسلمون اليوم قرءانا آخر لم يعرفه النبي محمد عليه السلام ،  انه قرءان الفقهاء ومعانيه الفاسدة ، فقد مرّت قرونا تعوّد المسلمون خلالها اغماض عيونهم ، وتعوّدوا ان يقرؤوا قرءانهم ، بعيون الفقهاء الأموات ، يقدّسون بضاعتهم الفاسدة ، ويقدّسوا الفقهاء انفسهم ، الذين سدّدوا ضربتهم القاضية لشريعة القرءان بطريقة سحرية خبيثة ، لا تمحي الكلمات بل تمنع معانيها من الوصول الى وعي الناس ، وتمت الضربة بالأسلحة القادرة على تدمير هذا الوعي من أساسه ، وهي سلاح اللغة وسلاح المقدسات . ورغم جهود الكثيرين في مقاومة هذه الكارثة الشاملة ، فإن استعادة مفاهيم ومعاني الكلمات التي استهدفتها الضربات الى وعي الناس ، واسقاط القدسيّة عن السابقين الذين روّجوا واعتمدوا معانيها المحرّفة ، ربما اصبح الآن هدفا غير قابل للتحقيق أبدا ، من دون مراجعة شاملة وتنقية دقيقة وموجعة ، للغتنا نفسها ، ومقدساتنا نفسها ، ومنطقنا نفسه . 

 

فحين تختلط المفاهيم وتضيع المعاني ويُغيّب مفهوم الشريعة ومعناها الحقيقي عن وعي الناس ، يصبح معنى تطبيق الشريعة الاسلاميه هو نفسه تطبيق الشعائر وفرضها بالقوّة على الناس ، ويصبح معنى تطبيق الشريعة مطاردة الذكور في الطرقات والاسواق وسوقهم مثل قطعان الماشية الى الرب النرجسي القابع في مسجد ، ويصبح معنى تطبيق الشريعة ان تختفي المرأة في خيمة سوداء وتمنع من حقها في الهواء والشمس . وحين تضيع المعاني يصبح معنى الشريعة تطبيق الحدود والوقوف على النصوص تحديدا ليستمتع المارّة في الطرقات والساحات العامّة بمشاهد حيّة لتطاير الرؤوس وقطع ايادي صغار اللصوص . وحين تضيع المعاني يصبح ولي الامر الذي يجب طاعته في في هذه الشريعة الخرقاء حاكما من فصيلة عبدالله بن عبد العزير وحسني مبارك والملّا عمر وبن لادن . مثل هذه الشريعة المزيّفة لا تصلح الا لشريعة  قطعان الوهابية في دولة ال سعود وشريعة الملالي في حسينيّات طهران وشريعة القرود في ادغال افريقيا ، وشريعة تصلح لحكم القرود لا ينبغي لها ان تكون شريعة السماء ، ولا ينبغي للناس ان يقبلوها ، ولا يمكن ان تكون هي ذات الشريعة التي جاء بها محمد عليه السلام ليخاطب بها الناس كافة { قل يا ايها الناس إتّي رسول الله اليكم جميعا } ، فالناس هم العربي الامريكي والبريطاني والهندي والصيني والياباني ، والناس يحتاجون الى خطاب عالمي ليفهوه ، والشريعة الاسلاميّة المزوّرة بين ايدينا لا تصلح كخطاب عالمي ، بل هي خطاب محلّي استبدادي ذكوري اخرق وفاشل ، والخروج بالشريعة الاسلامية من هذا الواقع المظلم الى العالميّة التي جاء من اجلها ، يبدأ باخراج القرءان من جزيرة العرب ليكون بعيدا عن احتكار هؤلاء العربان وتقليعاتهم ، فشريعتهم التي ينسبونها الى القرءان زورا ، شريعة تعادي الجسد الإنساني ، وتعادي سنة الله في خلقه ، وتعادي الحرّية ، وتعادي الشباب والجمال ، وتختفي وراء برقع خفيف من ادعاء الحياء ، بحجج خياليّة بحتة ، وتجد في ذلك عذرا كافيا ، لحشر ملايين المراهقين في الظلام ، باسم العفّة والطهارة ، لأن مهمّة شريعتهم المزيّفة ان تخفي وجه الواقع القبيح في دنياهم ، بالكلام الجميل عن واقع سواه في أُخراهم .

 

انّ الشريعة التي جاء بها محمد بن عبدالله للناس جميعا ، تروي قصة وواقعا مختلفا تماما عن القصة التي نعرفها ونشاهد مآسيها يوما بيوم  ، فالنبي الكريم لم يكن قائدا عقائديا ينادي بجمع الناس في دولة المدينة تحت شعائر دينيّة واحدة ، بل كان ينادي لجمع الناس تحت ادارة واحدة  تضمن لهم حريّة العقيدة وحرية التعبير وحرية المشاركة في ابداء الرأي وصياغة القوانين ، والأهم انها ادارة  اسّست لفصل الشعائرعن السلطات ، بمعنى ان النبي كحاكم لم يتدخّل بسلطاته لفرض الشعائر من صوم وصلاة على الناس ، فكانت الشعائر من الامور الخاصة للناس ، لا يتدخّل فيها احد ولا يفرضها عليهم احد .  مثل هذه الدولة مؤهلة فعلا لأن تكون دولة عالميّة تتلتقي فيها جميع الطوائف ومختلف الملل ...... وصدق الله العظيم { قل يا ايها الناس إتّي رسول الله اليكم جميعا } .  

والنبي الكريم لم يكن قائدا عقائديا ليعتبر أنّ شعائر الاسلام نفسها ــ الصوم والصلاة والحج ــ هي ضمانة الناس الى الجنة ، مثل دعاة العنصرية الدينيّة في كل العصور ، فهي فكرة بعيدة جدا عن تعاليم الاسلام .

والنبي الكريم لم يكن قائدا عقائديا ليهتم فقط  بما يحدث للناس بعد موتهم ويبيعهم وعودا في الأخرة ، بل كان جل اهتمامه  لما يحدث للناس في حياتهم ، مع انّ الفكرة بذاتها مغرية جدا وتتيح له مخرجا سحريا للخروج من اي واقع مؤلم قد يواجهه  ، لكنها فكرة بعيدة بدورها عن تعاليم الاسلام .

والنبي الكريم وهذا الأهم كان قائدا واقعيا ، فهو لم ينادي بتحريم الربا في واقع رأسمالي قائم على الربا اساسا ، ولم ينادي بالحجاب في عصر العري ، ولا بتحريم الخمر في عصر مصانع الخمور ، ولا بمنع القمار في عصر نوادي القمار ، وبعد ذلك لا يهمّه ان صوته كان مجرّد رأي ضائع في البريّة ، لأنه كلام سيبقى من دون ادارة فاعلة في تغيير واقع الناس ، ومثل هذا النموذج المريب لم يتبعه النبي الكريم عليه السلام  ، لأن صاحب هذا النموذج لا يجاهد لإنهاء الرذائل من واقع الناس ، بل يكسب رزقه من تقريع الناس على ارتكاب الرذائل ، وهي حرفة معترف بها منذ عصر انبياء اليهود ، لكنها ليست دعوة الى تطبيق الإسلام وشريعته.  والأهم في هذا كلّه ان الشريعة الاسلاميّة لم تقرر عقوبة للمرابي او لشارب الخمر واو بائعه او للمقامر ، واكتفت بتنبيه الناس الى المضار السيئة لهذه العادات .

 

  القرءان يقرر صراحة ان شريعته صالحة لكل الناس في كل زمان وكل مكان ، حين اعلن  { قل يا ايها الناس إنّي رسول الله اليكم جميعا } ، فهو لا يقول عن نفسه ما ليس فيه ، ولا يخدعنا ولا يكذب علينا . وهو لا يفرض نفسه على احد ولا ينبغي له ، هو فقط  يقول بكل بساطة انه شريعة وقوانين مضمونة النتائج لمن يريد ، مفتوح لكل الناس على اختلاف مواقعهم واختلاف ازمنتهم ، جاعلاً الكرة في ملعب الناس انفسهم فمن شاء فاليأخذه ومن شاء فليتركه ولكل حرّيته فيما يختار . وقد يستغرب البعض ويتهمنا بالهذيان وتضييع البوصلة ، حين نقول ان شريعة القرءان قائمة عند اهل الارض جميعا ، دون استثناء ودون ان يعلموا ذلك ودون ان نعلم  نحن انفسنا ذلك .

 الشريعة الاسلامية غير المزوره هي  منظومة الاخلاق التي تحكم الناس ، والاخلاق هي القاسم المشترك التي تحكم اهل الارض جميعا ، وليست حكرا على اتباع النبي محمّد دون غيرهم من النّاس ، لأنها قيم انسانيه وبالتالي لا يمكن لأي مجتمع ان يتجاوزها ، فالبوذي والمجوسي واليهودي والمسيحي يحسن لأبويه ، سواءاً قرأ النص القرءاني { وبالوالدين إحسانا }  او لم يقرأه ، وقتل النفس حرام قبل الف عام وحرام الآن وحرام بعد الف عام ، وهو حرام في مكه وحرام في هيوستن وحرام في طوكيو { ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله الا بالحق } ، والتقيّد بالمواصفات والمقاييس والبعد عن الغش او بتعبير القرءان ايفاء الكيل والميزان قيمه انسانيه من قيم المجتمع الصناعي المنتج ، والتلاعب فيها يعرض صاحبها للمساءله القانونيه والعقاب ، ويحدث هذا في شريعة القرءان وفي القانون الامريكي والقانون الياباني على السواء . ولو جاء رئيس دوله اوروبيّة واعلن ان الدولة  ستسمح بشهادة الزور ، متجاوزا قرار القرءان (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ ) لإتهمه الناس بالجنون ، وطالبوا بعزله كونه يهدم قيمه انسانيه لا يمكن مع اختراقها ان يستقيم المجتمع ، دون ان يعلم هؤلاء الناس انهم يدافعون عن ركن اساسي من اركان الشريعة الإسلاميّة ، والسرقة جريمة في شريعة القرءان وجريمة في قوانين اهل الأرض جميعا ، وهي جريمة يعاقب عليها القرءان بنص صريح { والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا ....... } والمفارقة المحزنة ان مثل هذا النص القرءاني الصريح وغيره من النصوص المشابهة ، هو ما جعل الكثيرون يهاجمون شريعة القرءان ويرفضوها ويتهموها بالقسوة والتخلف والهمجية وعدم ملائمتها للتطبيق وطبيعة الناس في عصر الحضارة وحقوق الانسان .

 

والمفارقة الأخرى المثيرة حقا ان القرءان وتحت هذه الضربات والإتهامات الموجعة ، ووصفهم له بالقسوة والتخلف والهمجيّة ،  لا يزال مصراً على الإعلان بصوت مرتفع انه رحمة للعالمين { وما ارسلناك الا رحمة للعالمين } ، فأين مصداقية هذا الإعلان على ارض الواقع ، وكيف هو فعلا رحمة للعالمين ، حتى يقول الناس فعلا ، صدق الله العظيم ........ يتبع ج2

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز