عبدالماجد عيسى
seysaban@yahoo.co.uk
Blog Contributor since:
16 April 2010

كاتب من السودان مقيم في لندن



Arab Times Blogs
الإنتخابات السودانية والعودة الى مربع المساومات

 

قبيل الإنتخابات بعدة ساعات خرجت علينا ما تُسمى بالمفوضية القومية للإنتخابات بما يُشبه بياناً عسكرياً وليس مؤتمراً صحفياً لطيفاً لتوضيح بعض النقاط فى كيفية إجراء عملية الإقتراع وزادت المفوضية من جرعات الثقة بالنفس على أنها جاهزة ومستعدة لأي طارئ بنسبة تفوق المائة بالمئة وذرت الرماد فى عيون الجميع وخاصة المنتقدين لها ولخروقاتها وعوراتها الكثيرة التى نبهت لها القوى السياسية المختلفة حتى قبل أن تبدأ عملية الإقتراع ولتضفي المفوضية مزيداً من المصداقية على هيكلها وأن كل شئ على ما يرام وأكثر قالت بالحرف الواحد أن أي ناخب يستطيع ليس فى ولاية الخرطوم فحسب بل فى كل أرجاء البلاد أن يتصل على رقم هاتف معين منذ هذه اللحظة أى ( لحظة المؤتمر الصحفي ) ويذكر إسمه وستخبره المفوضية عن دائرته الإنتخابية ومكان الإدلاء بالصوت ولشدة ثقة المفوضية فى نفسها وآليتها لم يتبق لها إلا أن تقول أنها تستطيع أن ترشد الناخب لأقرب الطرق المؤدية لمراكز الإقتراع تفادياً للزحام الكثيف وتخفيفاً للعبء الذى يكاد يكسر ظهره ولكن الأحداث بعد ذلك أثبتت بالطبع عكس ذلك فى حالات عديدة وليس فقط عن إخبار الناخب عن مكان الإقتراع الصحيح بل عن ضياع اسمه وبطاقته بل وحتى مرشحه فى بعض الأماكن لم يعثر له على أثر هذا ناهيك عن ضياع رموز المرشحين وأسمائهم وفى أفضل الأحوال تبديلها برموز أخرى ثم تأتى المفوضية بعد ذلك وتقول إنها أخطاء فنية وخروقات ( ما عارف إيه ) وأن الطباعة تمت فى الخارج للرموز وأن الدول العربية لا تعرف اللهجة السودانية ولذلك غيرت رمز ( الطبلة ) التى يطلقها السودانيون على القُفل الى ( الطبل ) الذى تتمايل على إيقاعه الراقصات لتبرر ما تعرض له الناخب ومرشحه من سطو على حقه الذى ضاع مع سبق الإصرار والترصد ، وإلا لماذا لم ترسل المفوضية مندوباً يشرف على عملية الطباعة والتأكد من صحة الرموز والأسماء والبطاقات وعددها والحبر ونوعيته وصلاحيته وكل ما يتعلق بذلك الإستحقاق الإنتخابي قبل الطباعة حتى تبرئ ذمتها أمام الشعب على أقل تقدير ؟

والمدهش فى الأمر ما أن ينتهى مؤتمر المفوضية وهرائه بالإصرار على أن لا شئ يدعو للقلق وأن كل شئ يسير وفق الخطة المرسومة حتى يخرج علينا المؤتمر الوطني عن طريق ما يسمى بالتلفزيون القومي وتتبعه القناة المشبوهة ( الشروق ) بالمحللين الدجالين ليقولوا أن المسألة تمت بغير قصد وأنها مجرد أخطاء فنية وخروقات شكلية لا تؤثر على سير الإنتخابات وأن مثل هذه الأشياء حدثت ولا تزال تحدث فى كل العالم ويضربون الأمثال بالولايات المتحدة وما حدث بين آل غور وبوش عام 2000م مع إعتقادي التام بأن هذه التبريرات مجرد تضليل وألاعيب لتكريس نمط معين لتسير عليه العملية الإنتخابية الحالية وكل عملية إنتخابية إن قدر لها الله أن تكون فى المستقبل ومن ثم ليس أمام الجميع إلا الطاعة والتسليم بالأمر الواقع .

ولكن على الرغم من ذلك أستغرب لماذا لم يسقط اسم المواطن عمر البشير مثلاً  أو أياً من أقطاب المؤتمر الوطني ؟

أو ماذا سيكون موقف البشير من الإنتخابات إذا ذهب ليصوت مثلاً وفوجئ بأن اسمه قد سقط من الكشوفات أو أن أحداً قد صوت نيابة عنه ؟

أو أن رمز الشجرة قد تحول بقدرة قادر الى سلحفاء مثلاً ؟

دعك من البشير فلنقل إن هذا حدث لصلاح قوش ، فيا ترى هل سيقبل المؤتمر الوطني أو البشير أو قوش ذلك الخطأ الفني وهم خارج السلطة ؟ بل هل سيقبلون بها وحتى هم فى السلطة ؟ بالتأكيد ستلغى الإنتخابات أو على الأقل سيحدد يوم آخر لها بعد أن يتم إصلاح الخلل بصورة مهنية وشفافة ، فلنقل إن ذلك السقوط فى الأسماء والرموز والحبر المغشوش قد حدث فى هذه الإنتخابات ( أى أن البشير وزمرته فى السلطة ) بالطبع سيوجه إتهامه مباشرة للمعارضة قبل المفوضية ويصمها بالتزوير والغش والكذب والخداع تماماً كما حدث من المالكي بعد الإنتخابات التى جرت مؤخراً فى العراق. 

حكومة الإنقاذ تريد أن تضفي على الإنتخابات التى انتهت بالأمس نوعاً من الشرعية الدولية ومنظماتها بعد كل صراخها من ذات المجتمع الدولي الجائر الذى يكيل لها بمكيالين واستهزائها بقوانينه فهاهي تطعم كارتر ومركزه بالكلام المعسول بعد أن لمست فى حديثه الأولي عن أن العملية تسير بشكل طبيعي وسلس وآمن بالرغم من أن هذا من الأولويات  سواءً عند مركز كارتر أو أي مركز مراقبة إقليمي أو دولي آخر ، مع أن الأمر قد يختلف تماماً عند نهاية العملية الإنتخابية وصدور التقرير النهائي عن إنتخابات السودان وعندها قد تجد الإنقاذ نفسها فى وضع هجومي مضاد لكارتر واليوم ( الإتولد فيه ) لذا على المؤتمر الوطني وصحافته وتلفزته ألا يتسرعوا باضفاء الإلقاب على كارتر من قبيل العم كارتر أو مركز كارتر النزيه فالأمور بخواتيمها بل حتى على الذين هاجموا كارتر ومركزه من المعارضة يجب أن يتريثوا فالرجل لم يقل أو يحكم إلا بالمقاييس أو المعايير الدولية لسير العمليات الإنتخابية وأولها الأمن وما إذا كانت هناك إنتهاكات صريحة وواضحة للتزوير ، قد لا يستطيع معظم المراقبون على القول بأن عملية الإقتراع التى جرت فى السودان مزورة بالمعنى الحرفي للكلمة ولكنهم يعلمون أو يلمسون بوضوح أن المؤتمر الوطني لم ولن يسمح لأي حزب على الإطلاق بأن ينافسه بصورة شريفة وعادلة وذلك بعدة طرق ووسائل منها التضييق على تلك الأحزاب فى شتى المنافذ الإعلامية المقروء منها والمسموع بالشتائم النابية والإهانات اللا أخلاقية التى سمعناها وشاهدناها من أقطاب المؤتمر الوطني فى حملاتهم الدفتردارية ضد الأحزاب المعارضة التى يتهمونها بأنها تريد أن تحكم بما يتعارض مع الدين فى محاولة بغيضة ورخيصة لكسب أصوات الناخبين ويتمادون أكثر وأكثر ويلصقون بهم الخمور والمرايس ثم يدحرجونهم من سلم الوطنية ليلقوا بهم فى وحل العمالة والإرتزاق وهم يعلمون قبل غيرهم إن هُمْ إلا مفترون ولا يملكون دليلاً واحداً لما يتفوهون به ، لذا على المؤتمر الوطني عندما يتحدث عن إنتخابات أمريكا أو بريطانيا أو غيرهما من الدول الغربية عموماً يجب أن يراعي تلك الإنحرافات اللا أخلاقية التى قام بها تجاه المعارضة قبل الإنتخابات لا أن يقفز إلى النتائج ليبرر إخفاقاته بأن هذه الخروقات أو تلك الأخطاء تحدث فى أعرق الديمقراطيات فى العالم ليحجب الصورة والصوت الحقيقي لكيفية ممارسة العمل الديمقراطي لأننا لم نسمع أن حزباً فى الغرب وصف حزباً آخر على أنه حزب ( عواجيز وسكرجيه ) ويتلقون دعمه من ستات المرايس والسفارات الأجنبية .

مفوضية الإنتخابات لن تستطيع أن تنكر أنها بريئة ( بالتلاته ) من المؤتمر الوطني وأنها تعمل فى حياد تام وبحرية مطلقة وأنها لا تتلقى أمراً من أحد ليس لأن أعضاء المفوضية ينتمون الى المؤتمر الوطني لا سمح الله بل لأن المنطق نفسه لا يستقيم وقس على ذلك الشرطة والجيش وقوى الأمن إذ لا تستطيع هذه الأجهزة أن تعمل بعيداً عن الحزب الحاكم وإلا لوضع الحزب العراقيل أمامها وأجبرها على السير فى الطريق المعد لها سلفاً هذا من جهة ومن جهةٍ أخرى إذا كانت المفوضية وغيرها من أجهزة الدول تعمل بحرية ومهنية لما سمعنا عن فساد ولا محاباة ولا كبت للحريات بل يمكن أن نقول أننا فى غنى عن الإنتخابات برمتها لأن الديمقراطية عندنا موجودة وممارسة بالفطرة .

كان على المفوضية أن تدرك منذ إنشائها أنها مقبلة على أمر تاريخي خطير وأن الخطأ أو الإخفاق أو سميه ماشئت بألف وعليها أن تعد العدة بصورة صحيحة وغير قابلة للطعن أو حتى مجرد الشك وأن تحرص على سد كل المداخل التى تأتى بالريح بدل أن تلقي باللائمة على طول المدة الزمنية التى تقارب ربع قرن  ولم يمارس فيها الناخب السوداني حقوقه بسبب جور الإنقاذ وجبروتها وأن تراعي مسألة التعقيد فى كيفية الإقتراع والزمن الذى يمكن أن يستغرقه الناخب والذى اتضح أنه زمن قياسي حتى بالنسبة للناخب الغربي الذى يعرف تماماً ما يريد وما لا يريد فما بالك بدولة تخلط فيها أوراق اللعبة السياسية مع الدين والقبلية والأحقاد لتجعل من العملية الإنتخابية مسخاً ليس إلا .

ولا أن تلقي باللوم على طول السودان وعرضه وكأن المفوضية إكتشفت فجأة أن البلاد هي أكبر دولة فى القارة الإفريقية بمساحة مليون ميل مربع .

أكثر ما حيرنى فى العملية الإنتخابية هذه هو حالة اللا موقف ولا إتجاه التى خلقتها الأحزاب المعارضة بما فيها الحركة الشعبية فلا هي أكملت استحمامها ولا هي خلت من القذارة فقد تلكأت كثيراً ومنها من قاطع قبل اسبوع من العملية ومنها من انتظر حتى رأى الإشارة الخضراء ومنها من انسحب ليلاً ثم عاد قبل بزوغ الفجر ومنها من انتظر حتى بلغت الروح الحلقوم وكأن هناك صفقات تُدار ليلاً ولكن الأكثر غرابة فى الأمر هو أن هذه الأحزاب المتساحبة لم تنور قواعدها وجماهيرها بألا تذهب الى صناديق الإقتراع فى المقام الأول أو أن تقترع لصالح معارض آخر على سبيل المثال بل تركت الأمر للناخب ليفعل ما يريد حتى إن أدلى بصوته لصالح المؤتمر الوطني مما يلقي بشكوك كثيرة حول الهدف الحقيقي من كل هذه ( الهرجله ) التى ترقى الى مستوى الوساوس القهرية  لدى الأحزاب .

بالرغم من محاولات أخونا المدعو بالتلفزيون القومي وأخته غير الشقيقة ( قناة الشروق ) من عكس صورة فيها الكثير من الغلو والمبالغة أثناء عملية الإقتراع من أن الإزدحام الشديد والتدافع بالمناكب هو السمة الغالبة فى كل ولايات السودان أمام صناديق الإقتراع حتى دون أن تدعم معظم تقاريرها المضحكة تلك بحركة الكاميرا لتنقل للمشاهد حقيقة ما يجري بل إن بعض التقارير من مراسليها المنتشرين فى معظم بقاع السودان جاءت ليلاً لتتحدث عن ذلك التدافع الذى حدث فى النهار مع أن الواقع يكذب الكثير مما تود تمريره كل من الفضائية السودانية والشروق ، إذ شهدنا منذ اليوم الأول للإنتخابات رغم حالة الإرتباك عزوفاً ملحوظاً من الناخبين تدرج حتى اليوم الأخير الذى كان عبارة عن مأتم ولم تنجح كل المحاولات التى سيقت لتبرير ذلك  العزوف من أنه كان بسبب زيادة يومين إضافيين ليصبح مجموع أيام الإقتراع خمسة أيم عوضاً عن ثلاث أى أن هناك متسعاً من الوقت أو بسبب حرارة الشمس أو لأن الناخبون يزاولون عملهم وسيدلون بأصواتهم فى المساء ولكن هيهات.

ظلت الأحزاب المعارضة تنادي حيناً وتتضرع أحياناً كثيرة ولمدة ليست بالقصيرة وخاصة حزب الأمة لتشكيل حكومة قومية حقيقية لإدارة البلاد وكان الرفض التام المختوم بالشمع الأحمر هو موقف الإنقاذ ومؤتمرها الوطني ولكننا الآن نراها تستبق الأحداث بتصريح غازي صلاح الدين عن مسألة إستيعاب الأحزاب فى حكومة وطنية قومية قبل فوزها المؤكد بمعظم الدوائر الإنتخابية وبالطبع رئاسة الدولة وتتسع هذه المكرمة الإنقاذية لتشمل حتى الأحزاب المنسحبة وبالطبع سيكون لخليل ابراهيم إن رضي نصيبٌ فيها وهذا الفوز الذى سيعلن عنه فى اليومين القادمين لصالح المؤتمر الوطني سيكون فاتراً إن لم يكن رائباً  ولن يغير من الواقع شيئاً لأن القواعد ستكون نفس القواعد السابقة والعقلية هي ذاتها والحسابات بالطبع ستكون من نفس الأشخاص بل حتى البشير نفسه الذى لم يعد الناخب السوداني بشئ وكل الذى قاله فى حملته التى استهلكها قبل بدء الحملات هو استكمال مسيرة التنمية المزعومة وهذا بالطبع كلام فضفاض يمكن التنصل منه بشتى الطرق ولكن الإنقاذ باستباقها هذا تريد أن ترسل رسالة للعالم كله بأنها حكومة ديمقراطية تجري خلف معارضيها والقوى السياسية الأخرى وتعرض عليها مناصب مختلفة فى الدولة لتشارك فى حكم السودان عن رضا وإيمان منها ولكن المعارضة ترفض ذلك حتى يتحدث العالم عن كرم الإنقاذ ومؤتمرها الوطني وزهدها فى كراسي الحكم مع أن النية المبيتة من مثل هكذا تصريح هو إحتواء هذه المعارضة والقوى السياسية تحت عباءة الإنقاذ تماماً كما حدث مع جبهة الشرق ومنى مناوي والأسود الحرة والكثير من الحركات المسلحة وغيرها فى كل من أبوجا وأسمرا وحتى القاهرة ، على الأحزاب ألا تكرر أخطائها السابقة حتى لا تخرج علينا مستقبلاً نائحة ومولولة ( وسافه التراب ) من أن المؤتمر الوطني ضيق عليها الخناق وقطع أنفاسها ، أما حكاية الفوز بالتزكية للمرشحين فى بعض الدوائر بعد إنتخابات حرة ونزيهه وبنسبة إقبال عالية أمرٌ يدعو للريبة.           







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز