Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
وراء كل سبب لبقاء الإنقاذ .. سبعة أسباب لرحيلها

لم أشك يوماً كما لم يساور الشك الكثيرين بأن حكومة الإنقاذ ستقبل فى نهاية الأمر بالقرار الأممي 1706 بحذافيره ، فقد أصبحت قاعدة لديها إذ أنه كلما يكثر ضجيجها بالتهديد والوعيد تكون أقرب للقبول منه إلى الرفض ولكنها فقط تنتظر الثمن المناسب لذلك ، وحقيقة الأمر إن الإنقاذ قد قبلت بالقرار الدولي فى نهاية العام الماضى فى أديس أبابا مع كوفى عنان نهاية العام الماضى ، إلا أنها خذلته عندما نكصت على عقبيها بعد فترة وجيزة ، إثر صراع بين الحمائم والصقور على ما يبدو ، مما أدى إلى تأجيل القبول ريثما يتم التفاهم على الثمن والصيغة التى تحفظ لها بقية من كرامة كانت تحتضر أمامها .

 الأمر الذى يدعو إلى الإستغراب هو أن الرئيس البشير وحتى قبل فترة وجيزة من الإنصياع للقرار الدولي كان يردد مقولاته المشهورة بأن لا يطأ جندى من القوات الدولية دارفور إذا كان هو رئيساً للبلاد ، والأفضل له أن يكون فى صفوف المقاومة من أن يكون رئيساً لدولة محتلة بقوات أممية وإلى ما هنالك من عنتريات شعرت أنه دُفع إليها دفعاً ، مما جعلنى أتوقف كثيراً أمام تصريحاته تلك ، لأنها غير موفقة ولا تتناغم أبداً بعد ذلك بتداعيات الأحداث على الساحة السودانية لثورة إنقلابية مكثت ثمانية عشر عاماً على سُدة الحكم ولا تزال مراهقة ، مما أثار عدة أسئلة من قبيل :

 هل حقاً لا يدرى البشير بما يدور خلف الكواليس ؟ هل تراه مجرد واجهة لأفاع ٍ وضباع ٍ وثعالب تستخدمه لما تريد ، وتجس به نبض المعارضة والمجتمع الدولي ؟ وهل هناك مؤامرة من الذين يلتفون حوله صباحاً ومساءً لتعريته أمام شعبه والعالم ثم الإطاحة به أو دفعه إلى الإستقالة لإفشال مشروع القوات الدولية ؟ من هو المستشار الذى يوسوس فى نفس البشير ويجعله يثور ويهدد ويتوعد فى وسائل الإعلام حتى جعل منه مضحكة ( لليسوى واللى مايسواش ) ؟

 أم أن البشير عندما يصرح ويقسم ويتوعد يكون فى حالة تنويم مغناطيسى ؟ لأنه من غير المنطقي أن يكون الرئيس على علم ودراية بكل ما حوله سواءً فى القصر أو المؤسسة العسكرية وأروقة المؤتمر الوطني ويعرف كل شاردة وواردة ثم يتمادى فى هذا النهج أو السلوك الغير سوى والغير مسؤول !

 يا ترى ما الذى يحدث فى دهاليز النظام بالضبط ؟ ها هي الصين التى كانت تعول عليها الإنقاذ لتقف فى وجه الولايات المتحدة أو الغرب عموماً بعد أن فتحت لها كل الأبواب والنوافذ للإستثمار فى السودان قد إنتهجت سياسة الحكمة التى عُرفت بها ، حتى لا تخسر إستثماراتها المليارية أو التى ستتضرر كثيراً فى حالة فرض حصار إقتصادى على السودان إذا لم تقبل حكومة الإنقاذ بالقوات الدولية ،

 ومن جهة ثانية الضغوط الغربية عليها فيما يختص بملف حقوق الإنسان الذى تلعب الولايات المتحدة ( تحديداً ) على أوتاره عندما تتعنت الأخيرة أو تقف فى وجهها مما يضعها فى موقع المساعد والمساند لإستمرار المأساة أمام المجتمع الدولي والوقوف خلف نظام ينتهك إنسانية مواطنيه والذى يجعله يتمادى أكثر فى ذلك جريان الأموال فى شرايينه وأوردته من عائدات النفط التى تنقصها الشفافية ، ولذلك آثرت الصين على تقديم شىء أقرب للنصح منه إلى الضغط .

 أما كان الأفضل لهذه الحكومة أن تتصالح مع شعبها منذ الوهلة الأولى لبروز المأساة والتعامل معها بجدية وإخلاص وتسابق الزمن من أجل ذلك ، من أن تتصالح مع مجلس الأمن وتنصاع لقراراته بعد شد وجذب ، دون حياء ؟ أما كان أفضل للبشير أن يذهب إلى معسكرات اللاجئين قبل عدة سنوات ويشرف بنفسه كما وعد مؤخراً على إعادتهم ، بل ويزيد عليها بتعويضهم والإعتذار لهم وتطييب خواطرهم وحفظ أرواحهم ، التى سيسأله الله عنها يوم لا ينفع ( نافع ) ولا يضر مستشار ، قبل أن يصبح الأمر خارج السيطرة أو قل تحت المساومات الإقليمية والدولية ؟

الرهان على الإنقاذ رهانٌ خاسر منذ مدة طويلة ، لأنه قد أصبح وراء كل سبب لبقاء الإنقاذ فى السلطة ، سبعة أسباب توجب رحيلها . لا أدرى ! ولكنى أحياناً أشعر أن هذه الحكومة مصابة بجنون فريد فى نوعه ، يمكن أن نطلق عليه ( جنون الإنقاذ الدورى الأعمى ) وهو نوع من الداء لا يصيب إلا الحكومات الديكتاتورية التى تتدثر بالدين وتستخدمه للوصول إلى غاياتها الدنيا ، مما يجعلها فى حالة ٍ من الإهتزاز الدائم ، الذى يسبب لها الدوار والغثيان ويجعلها تقسم وتتوعد والشرر يتطاير منها وحواليها ثم تمر بحالة لا إرادية تشبه كثيراً ( الوسواس القهرى ) فتصور لها تلك الحالة أنها نجحت فى مسعاها مما يدفعها بقبول كل ما رفضته من قبل وتبرر ذلك بأن خصمها قد نفـّـذ كل مطالبها ، وأنها أملت إرادتها وأجندتها وكل ما تريده ، والدليل على ذلك أنها جعلت من القوات القادمة ( قوات هجين ) وفى رواية أخرى ( عجين ) وأن القيادة ستكون فى يد الإتحاد الإفريقى مع أن الجميع يعلم أنها نفس العدد الذى رفضته ، ونفس قوات الشرطة التى تخوفت منها وقد يلحق بها القضاء أيضاً فى القريب العاجل .

 القوات الدولية أيها الإنقاذيون لن تقبل بأن تأتمر بأوامر الإتحاد الإفريقى وإن فعلت فلن تكون إلا لأشهر ٍ معدودة ٍ إن لم تكن أسابيع ريثما تثبّت أقدامها ، وذلك لأسباب كثيرة منها عدم كفاءة قوات الإتحاد الإفريقى والفساد المستشرى بين قيادته وقادته وجنوده وأيضاً لأنها ستدخل بمعدات وأجهزة لا يعرف كنهها الإتحاد الإفريقى ولا غيره ( مما يجعل أمر قيادة الإتحاد الإفريقى أشبه بالمهزلة ) وستقيم هذه القوات لنفسها منطقة عسكرية حديثة التجهيز بمعدات مراقبة متطورة جداً للمطاردة والإنتشار السريع والرد والردع المباشر لكل تحرك حكومى أو مليشي ، وبذلك يصبح كل شيء مكشوفاً لديها ، حتى غرف نوم الحكومة فى العاصمة والولايات المعنية ، ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يطلب منها الخروج حتى وإن إنتهت مشكلة دارفور وأصبح الناس يتبادلون القبل من شدة الإعجاب والأمن والأمان مع خصوم الأمس ، لأن القوى الدولية حين ذاك ستكون لها كلمة أخرى ، وستضع عدة عقبات أمام ذلك ، وأولها عقبة أن الخروج الآن سيعيد الوضع إلى أسوأ مما كان عليه بل وتزيد على ذلك أن بعض الدول فى المنطقة قد تتأثر بمجريات الأحداث هناك والأمثلة كثيرة حول العالم ، وبعدها يبدأ الحديث عن الحكم الذاتى وتقرير المصير وإلى ما هنالك من أسباب ، وبذلك تتحمل الإنقاذ لعنة تقسيم السودان وتجزئته إلى يوم الدين .

 لا أدرى أين ذهب جيش المستشارين الذين يمتدون خلف الرئيس ويوحون له بأن القوات الدولية لن تدخل إلى دارفور إذا هددها وثبت على كلمته وأراها جحافل جيشه ومليشياته والحشود الهادرة للمسيرات المدفوعة الأجر ( للهتافه ) والمكبرين والمهللين والمحللين أيضاً ، والذين سيساندونه ويشدون من أزره حتى إعتقد سعادته أن الشعب السودانى قاطبة فى صفه ، ثم يقدمونه ليخطب فيهم مقسماً ومتوعداً وهم يضحكون عليه سراً عندما يأوون إلى فراشهم . أين ذهب هؤلاء ؟ ولماذا لا ينصحون الرئيس ومجموعته بإجراء إنتخابات حرة ونزيهة بإشراف ومراقبة الأمم المتحدة ، قبل دخول القوات الدولية حتى لا يُقسّم السودان ؟

 لماذا ينظرون إلى الأمور المصيرية على أنها غالب ومغلوب ؟ وهل الإعتذار للشعب السودانى والتخلى عن الحكم يُعد هزيمة ؟ وهل الحفاظ على الأراضى السودانية من النهم الدولى بسبب رعونة الإنقاذ لا يستحق التضحية منها فى هذه اللحيظات العصيبة والمتعصبة ؟ الكرة فى إعتقادى لا زالت فى ملعب الإنقاذ الذى إنطفأت معظم الإضاءة فى جوانبه ، ولكنها إذا أرادت أن تـُـنقذ هذا الوطن من المستقبل المظلم الذى ينتظره بسبب سياساتها الخرقاء قد تستطيع ، فهل تتخذ القرار الصحيح فى الوقت الصحيح ( إن بقي هنالك وقت صحيح ) قبل فوات الأوان ؟

 أم أن هناك مساومة ما قد تمت مع هذه الحكومة لتقبل بالقوات الدولية مقابل عدم ملاحقتها وملاحقة المتورطين فى الجرائم اللا إنسانية بعد أن كشفوا لهم بقية الأسماء غير هارون وكوشيب ؟ وإذا كان هذا ما حدث وصدقت الحكومة هذه المساومة تكون قد أخطأت التقدير حتى فى آخر قرار لها ، لأنها بذلك تقر ضمنياً بجرائمها أولاً ، وبعدم مصداقيتها فى كل مزاعمها السابقة ثانياً ، ومن ثم تصبح عرضة للمطاردة دولياً ولو كان ذلك لمدة طويلة حتى يمثل كل من تلطخت يده بدماء أبناء دارفور أمام القضاء الجنائى الدولى كما حدث لغيرهم . الإنقاذ لم تترك لنفسها خياراً غير القبول التام بالقوات الدولية وهو ما نص عليه القرار الدولى 1706 الذى إدعت أنها قد أفرغته من محتواه ، ( ودون شروط كما أجبرت على قول ذلك مؤخراً ) والتأكيد عليه حتى لا تلعب بالوقت للإفلات من العقوبات التى تلوح أمام ناظريها ، أو بإنقلاب ٍ عسكري ٍ من جنرال ٍ آخر بتهمة أن البشير قد خان العهد وخذل الأمة وفرّط فى سيادتها ، لوقف العملية الأممية برمتها وإعادة الأوضاع إلى نقطة الصفر .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز