د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
إصلاح التعليم في مصر ج2

 

تكلمت في المقال السابق عن إصلاح إعداد المعلم، وحاجة التعليم إلى أبنية تعليمية مناسبة، واليوم أكمل الحديث عن المقررات الدراسية. فالمقررات الموجودة حاليا لا تسهم بشكل فاعل في تكوين شخصية ناقدة، ولا سخصية مبتكرة؛ إذ كما ذكرت سابقا تعتمد على الحفظ وحده، ولا تفي بحق التفكير، وتنمية المهارات المتنوعة، وسأضرب مثالا بمقررات اللغة العربية، ونتائج طلابنا فيها، وقدرتهم على استخدام اللغة العربية في حديثهم وكتابتهم. (وذلك بحكم تخصصي) يدرس طلابنا اللغة العربية لسنوات طويلة، فيجيدون حفظ القواعد النحوية، ويحفظون النصوص المقررة، أو المحفوظات والأناشيد، ويدرسون الروايات المُعَدَّة للمستويات العُمُرُية المختلفة. والنتيجة أنهم لا يستطيعون كتابة عشر جمل سليمة لغويا، ولا يستطيعون استخدام ما درسوه من قواعد في كتاباتهم، ولا كلامهم؛ بل إنهم عندما يستمعون إلى من يستخدم العربية الفصحى في الحديث إليهم يشعرون بالغربة وعدم الفهم.

        المشكلة هنا هي أنهم درسوا اللغة على أنها علم تاريخي مثل أي علم، فقاموا بحفظ معاني المفردات الصعبة، وحفظوا بعض مظاهر الجمال أو التصوير في النصوص، وحفظوا القواعد النحوية والصرفية، وعرفوا من خلال توجيه الفني (المدرس) كيف يحصلون على الدرجة، فعرفوا أنه إذا جاءت أي كلمة بعد كذا... تعرب كذا. ومن ثم عندما جاءتهم أسئلة الامتحان وفيها هذه القاعدة طبقوها مباشرة. فالأمر معروف، والقضية محسومة.

        حتى الإنشاء (التعبير) لم يسلم من تدخل الفني الذي كتب المقدمة المناسبة لأي موضوع يُتَوقَّع أن يكون موضع السؤال في الامتحان، ومثل المقدمة كانت الخاتمة، فأعدها الفني، وقام الطلاب بحفظها، واستعدوا جيدا، وبقي عليهم أن يضيفوا جملتين أو أكثر من رأس الموضوع الذي يطلب إليهم الكتابة فيه. ومن ثم ماتت لديهم القدرة على التعبير، وفقدوا مهارة الإنشاء، ومع فقدانهم هذه المهارة حصلوا على درجات عالية. حصلوا على الدرجات نعم، لكنهم لم يتعلموا اللغة، ولم يعرفوها.

        إنها جريمة بكل المقاييس؛ بل هي من أشد الجرائم التي ترتكب في حق مستقبل بلدنا الحبيب، أن نقتل المهارات في مهدها. أصبح المصري الناطق الأصلي بالعربية لا يعرف كيف يتكلم العربية. يستخدم اللهجة المحلية نعم، لكنه لا يستخدم العربية الفصحى، وإن استخدمها عجز السامح عن إحصاء أخطائه. ولا أقصد طبعا الأخطاء الفنية الكبيرة، ولكنني أقصد الأخطاء اليسيرة التي درس التلاميذ قواعدها في المرحلة الابتدائية والإعدادية.

        لا أقول هذا من باب التهويل والمبالغة، ولكنه واقع ملموس مع أساتذة يدرسون في الجامعة. نعم هم غير متخصصين في اللغة العربية، لكنهم يدرسون العلوم الإسلامية باللغة العربية. وتلك لغتهم.

        لقد واجهتني هذه المشكلة مع طلابي في جامعة عين شمس، ثم وضحت الصورة أكثر عندما بدأت العمل مع غير العرب في جامعة بروني دار السلام، وكان عليَّ أن أبحث عن حل.

نعلم جميعا أن الأفلام والقصص تبقى في نفوس المشاهدين، وتؤثر تأثيرا كبيرا على سلوك الشباب والكبار والصغار معا، ولعل انتشار العنف عالميا نتيجة طبيعية لأفلام العنف المنتشرة في كل مكان.

من واقع إيماني بهذه القضية لجأت إلى الأعمال التمثيلية التي تعتمد الفصحى لغة لها، وقمت باستخدامها على أنها نوع من النشاط اللغوي لمدة ساعة أسبوعيا، وتركت الفرصة لمن يريد أن يزيد استخدامها في المنزل، وأثمرت الفكرة ثمرة جيدة، فكان الطلاب يستخدمون عبارات وجملا عربية صحيحة مما استمعوا إليه في الأفلام والمسلسلات. فقمت بتحويلها إلى محور الدرس التعليمي اللغوي، ونجحتْ نجاحا كبيرا.
        لقد ساعدني في هذا النجاح مُرونةُ تصميم المحتوى في الجامعة التي أعمل فيها، كما أن إسناد عملية الإصلاح اللغوي للطلاب إلي مكنني من أن أغير. فإذا كان المحتوى الدراسي غير مرن، أو لا يسمح للمعلم بالتدخل للتغيير والإضافة والتعديل في الوقت المناسب؛ فإن المعلم لا يمكنه أن يفعل غير ما في المحتوى. فالمعلم مرتبط بامتحان وعلى قدر نتيجة الطلاب تتحدد مكانة الأستاذ. وهذه هي الطامة الكبرى. أعني أن نفكر في الامتحان ونحن نُعَلِّم. فالأصل أننا نعلم، ثم يأتي الامتحان ليقَوِّم أسلوبنا في التعليم لا ليقيم عملنا. فالتقييم قياس، والتقويم إصلاح.

        وهنا تبرز المشكلة التالية، وهي كيف يكون نظام الامتحان؟ هل سيكون الامتحان قياسا لما تم تحصيله في المحتوى التعليمي؟ هل سيكون الامتحان قياسا للمهارات المكتسبة؟ هل سيقيس الامتحان القدرة على حل المشكلات؟

فبناء على نظام الامتحان تتحدد طريق الدرس والتعليم. وهذا هو موضوعنا التالي إن شاء الله تعالى.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز