رياض هاشم الأيوبي
riadhayyoob@gmail.com
Blog Contributor since:
11 January 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
إلى العراقيين ممّن لازالوا بالداخل - 2

....

..... و لا أنسى حافلات النقل لدينا، تلك الأخرى،التي يحشر سوّاقها الركاب فيها حشراً، دخان السكائر وأغاني ساجده عبيد وسارية السوّاس وموسيقى الردح ، رغماً عن أنف الركاب، فهذه هي ثقافة الفيترية والسكرچية  وسواق الكوسترات، غلبت كل ثقافات طبقات المجتمع ، لذلك تردت مفاصل الحياة وتهاوت!!  يستغلون حتى منطقة عصا التبديل لإجلاس أحدهم فوقها، ومن ثم ملء الفراغ الوسطي بما تيسّر من الواقفين ذوي الرقاب المحنيّة، وكله لماذا؟ من أجل ربع دينار أكثر!! هل تعقلون أنّ حافلات النقل في مدينتي ، حيث حرّ الصيف يقود المرء لحافة الهذيان، لا شبابيك فيها؟هل تعرفون معنى ذلك بوجود نقاط تفتيش متعاقبة تجعل المشوار الذي كان أمده نصف ساعة قبلاً، ساعة ونصف هذه السنين!! هل تتصورون مقاعداً ذات براغي ومسامير ناتئة منها، ومقاعد خشبية مبتدعة، ما أنزل هنري فورد بها من سلطان ولا أوصى بها، مقاعد بحجم نصف بطارية السيارة ، تم حشرها في فراغات لا تتسع لجلوس طفل ، فما بالك برجل طويل عريض شلولح ، يحمل أكياساً من المشتريات معه؟

متى تصبح لدينا شركات تتحرك وفق جدول حركة زمني وتوقيتات لا حيود عنها، حتى وإن عادت الحافلة براكب واحد ؟ متى يمكننا أن نستدرك حافلات السفر على الطريق، ونحظى بفرصة إيجاد مقعد محجوز لنا عبر الهاتف ، لا يتجاوز عليه أحد ؟ متى يمكننا أن نحظى بسفرات بريّة وجويّة لا تدخين فيها؟

 اللقطة التالية في حافظتي هي صورة محطة النقل (الأوتوكَار، كما هي تسميته لديهم وبتصميم موحّد ) في أنقره ،لقطة لمكاتب الحجز لمختلف الوجهات ، حيث يأخذك المترو إليها من داخل العاصمة كما لو كانت مطاراً، بأحزمته النقالة، أفقياً وعمودياً ،تلك التي قضينا عليها قضاءاً مبرماً وأفشلنا تجربتها كما أفشلنا تجربة العدّاد من قبلها! تذكرت الأزبال في كَراجات النقل لدينا، وروائحها التي تزكم النفوس قبل الأنوف، تذكرت برك التبول الإصبعية و رمَم القطط والدجاج في مرآب النقل لدينا،مع فضلات المطاعم التي تجعلك تحتقر كل وجبات الطعام بسببها، تذكرت دخان السيارات الأسود وسباب السوّاق الآثم وهم يثبتون لك إصابتهم بالسلاح البيولوجي ذاك، قمل العانة ، من خلال حركاتهم الساقطة كل لحظة ، تذكرت كل ذلك وإنكفأت على نفسي!

أحد أبرز الأمور التي تلاحظها عند زيارتك لإسطنبول، هي مزاوجة الآثار بالبناء الحديث ، أنت ترى أثناء تجوالك في الشوارع ، في كل مكان تقريباً ، ترى الأبنية الأثرية وبقايا صخور تلك الحضارات الرائعة، يوم كان العالم القديم يسكن هذه المنطقة . هناك كتلٍ آثارية تقابل جامع بايزيد على الطريق الرئيسي الذي يؤدي إلى جامع سلطان أحمد وكنيسة آيا صوفيا، كتل من أعمدة تاريخية تنتشر بنمط جميل على الرصيف ، وبوابات الإسالة القديمة التي كانت تورّد مياه السقي للمدينة قبلاً، هي الآن بوابات تتخللها مسارات السيارات، لو كان الأمر لدينا، لأسقطتها  من مبتدأها شاحنة يسوقها سائق سوداني غافي أو زيل يقوده جندي حافي،أو سيارة برازيلي يقودها مراهق في الثالثة عشرة من عمره بسرعة مائة وثلاثين كيلومتراً بالساعة!

كغيرها من بوابات المدينة التاريخية هذه ، تمر بك السيارة من بين هذه الفتحات في الطريق لجامع" أمينونو" عند الخليج البحري ، حيث تبدأ حدود سوق البهارات المصري وسوق الحيوانات الأليفة والأزاهير والنباتات الظليّة النادرة، ويقابل الجامع جسر "غلاطة" حيث يجتمع الصيادون بصناراتهم على الجانبين ، يصطادون السمك طيلة العام،لا أدري كيف لم يتنبه الأمن التركي لمخاطر هذه العادة على الأمن وإستقرار البلد (!!) وكيف لم يتبرع مدير الهيئة الوطنية لحماية الثروة السمكية لرفع دراسة مستفيضة تطالب الرئاسات الثلاثة في البلد بقمع هذه الظاهرة ومحاسبة المتجاوزين(!!) . وتحت الجسر ، مطاعم للسمك ومقاهٍ متنوعة ، عند كل دعامة من دعامات الجسر، هذه أول مرة أرى فيها هذا الإستخدام للفراغات المتاحة وبهذه الجمالية .

عندما تصل إلى "أمينونو" سيراً على الأقدام، من جهة المسجد الأزرق، مسجد سلطان أحمد، يداهمك منظر البحر  على حين غرة ، بيخوت وسفن تتراقص على وجه الماء،جنباً لجنب، سيصفع نسيم البحر وجهك بلطف، و نِعم الصفعات هي ! . أفواج من البشر تنزل للنفق وتسعى عند الميناء لسفرات بحرية ، طيلة اليوم ،النفوس التي تحظى بالراحة وبالترويح بين فترة وأخرى، تعود للعمل بنشاط وإندفاع كما أحسب ويحسب حتى فرويد نفسه،  آآآآآه يا ربّي ، فقط  لو كان لدينا بحر، فقط لو كان لدينا موظفين شرفاء ، يحبون أبناء وطنهم ويتفانون بخدمتهم، بدلاً من أن ينافقوا الله وينافقوا أنفسهم يوم يدّعون أنهم يحبون وطنهم ويقدسون علمهم الذي به من بعد الله يعتصمون(!!)، فوطن من دون أبناء هو مجرد وثن!!

"مَفيش فايده "، كذا ودّع سعد زغلول الحياة ، مشهراً إستسلامه، تمرّ على بالي أحياناً عبارات تحمل هذا المعنى، ولولا طبع العناد الذي أتميز به لكنت تركت هذه المواضيع وإعتبرت الموضوع قدراً مقدوراً لا فكاك منه، لكن هذه المرة،أحسّ  وكأنّي بالرجل يلوّح لي عن بُعد ويقول لي :" لا فائدة ممّا تحكي ، أنت أسير الزمن الذي وُلدتَ فيه، زمن المكان، زمن العراق ، فقد كان للعراق أزمان وسيكون له أزمان أخرى ، لكن أبداً لن يكون من بينها زمن تنعم أنت بالذات فيه بهذه الآمال العريضة الديكنزية ، تأمّل أن ينعم أحفاد أحفاد أحفادك، بمعشار هذه الأمور التي أصبحت من المسلمات بها ، في كل بلد من بلدان العالم ، وحاول أن ترى بلدك ،الذي هو  مكانك، من خلال زمانك، فالثاني يقيّد الأول، وكلاهما يقيّدانك.. سماء تظلك وأرض تقلك ،خذهما على أحد محملين ، فسحة من المكان تحتويك ، أو بداية زمن ولدت فيه، وزمن يؤشر أجلاً يرتجيك.. نصيحة ، من مجرّب، أفضل من ألف حكيم !!

هذه نسخة تحوي النص فقط، من دون الصور،وفق آلية النشر على موقع عرب تايمز، بخلاف المقالة الأصلية المنشورة على صفحتي بموقع سكربد ،الصور تعني شيئاً للعراقيين المقيمين بالوطن، فالبون شاسع،والمقارنة تبدو مستحيلة ، والموضوع ملزوم لحياة بعيدة وفق تقديري، فنحن لا زلنا لم نحفر النفق بعد، النفق الذي يحكي العالم كله عن تلمّس الضوء في نهايته!!! أحببت أن أبدأ بهذه المقالة جولة تبتعد عن السجالات السابقة بيننا، فقد أخذت السجالات تؤشر كراهية مفرطة  بدلاً من تثبيت الردود على الإستفسارات، وبدلاً من توصيل فكرتي الأصلية وهي ترك ما لا سبيل لتغييره ، وترك ما يثير المشاعر، وترك ما لم تفلح عمامات الفقهاء وسجلات التاريخ ومعارك الشعوب ، لم تفلح كلها بتغييره ، لو كان هناك منطق مُعجز يقرّب المتباعدين لسألت الله تعالى أن يلهمني إياه، لو كان هناك من سبيل للتغاضي عن بضعة حقوق ودعاوى، طمعاً بحياة أفضل لمستقبلنا ومستقبل أحفادنا، لطرحت ذلك ودعوت إليه، لكنها ساحة نقاش إفتراضية، لا أكثر، فلا عناويننا المعلنة هنا هي أسماؤنا، ولا دوافعنا للكتابة مكشوفة ،إنجازاتنا وما يؤهلنا للكتابة هكذا محكوم له أن يبقى مخفياً، فالتصفية هي مصير كل من يحكي الحقيقة ، لذا يبقى السؤال هو نفسه، ما الذي ستعود علينا به كل الشحناء والبغضاء هاتين؟ وإن كانت الأمور غير المنطقية بنظري هي مُسَلمات لا شك فيها لديك، فعلام الإلحاح بالنقاش إذن ؟ هبوها أذواقاً مختلفة في الطعام، أو في الموسيقى، أو في إختيار الأسماء، هل نتشابه في كل هذه الأمور مع أهالينا وإخواننا؟ فكيف بمن يعيش مئات الكيلومترات بعيداً عنا، له قصص حياة أخرى ووقائع لا تشابه وقائعنا؟ أكرر تحياتي لكل القراء الكرام، نحن لا زلنا لم نحكِ كلّ ما ببالنا بعد . 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز