زياد السلوادي
ziadamal@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 February 2007

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 

See more from this author...

Arab Times Blogs
مفهـــــــوم الأمـّـــــــة

كتب الأخ الأستاذ مخلص الخطيب مقالة بمثل عنوان مقالتي هذه ، يشرح فيها معنى ومفهوم الأمة ، وقد دفعه انتماؤه المخلص الى العروبة – وأنا أشاركه هذا الانتماء وأقدره فيه – الى التجني دون قصد على الإسلام ، فوصف ما يربط المسلم بالمسلم بأنه يقتصر على العبادات المكتوبة والشعائر الدينية فقط ، ثم ربط لفظة الأم بلفظة الأمة ، ثم توصل بعد ذلك الى أن لفظة الأمة يجب أن تطلق على العرب دون المسلمين . وقد جانبت مقالته الصواب في مواقع عديدة وأرجو أن يتسع صدره وصدور الإخوة القراء لردي هذا .

ونبدأ باللغة فنقول إن أول من أطلق لفظة الأمة بمعناها المتداول في أيامنا هذه هو القرآن الكريم ، فقد وردت فيه هذه الكلمة لتحمل معاني ستة ليس بينها معنى الوطن ، كما يلي :

1 – معنى  المدة الزمنية في مثل قوله تعالى : ولئن أخرنا عنهم العذاب الى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه . 8 هود . وفي مثل قوله تعالى : وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله . 45 يوسف .

2 – معنى الرجل العظيم الذي يعتبر وحيد عصره ، في مثل قوله تعالى : إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين . 120 النحل .

3 – معنى الجمهرة من الناس الذين لا يتجاوز عددهم العشرات ، و ذلك في مثل قوله تعالى : ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون . 23 القصص .

4 – معنى المذهب العقدي المشترك أو العادة الموروثة المتبعة لدى جماعة من الناس ، وذلك في مثل قوله تعالى : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون 22 الزخرف .

5 – معنى الجماعة التي تشترك في صفات واحدة أو في أصل واحد ، وقد تكون من الحيوانات والطيور كما هي من البشر ، وذلك في مثل قوله تعالى : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم . 38 الأنعام .

6 – وأخيراً معنى الجماعة من الناس الذين يجمعهم فكر واحد وعقيدة  واحدة مشتركة تتغلغل في سلوكهم فتخلق لديهم عادات وتقاليد مشتركة نابعة من فكرهم العقدي المشترك ، بغض النظر عن أصولهم العرقية ، وذلك في مثل قوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر . 110 آل عمران .

هذه معان ستة للفظة الأمة لا نجد فيها معنى الوطن الذي ذهب إليه أستاذنا . بل إن المعنى السادس يشترط فكراً واحداً ونظرة واحدة الى الحياة وثقافة واحدة مشتركة ، وكل ذلك لا يشترط موقعاً جغرافياً أو وطناً واحداً ذا حدود طبيعية ولا عنصراً من الناس ذا أصل واحد مشترك . والآية التي ورد فيها هذا المعنى تمتدح أمة إسلامية فيها أخلاط كثيرة من أصول عرقية متعددة يجمعها الفكر الإيماني الواحد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وأي نظام سياسي واجتماعي وثقافي أعظم من نظام مبنيّ على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

أما تشبيه الأمة بالأم فقد وفق فيه الأخ مخلص أيما توفيق ولكن من الناحية اللغوية فقط ، ذلك أن العرب قد استخدموا الميم المشددة في التعبير عن تقريب شيئين أحدهما من الآخر أو في جمعهما معاً وذلك في مثل الأفعال :

أّمَّ : أي قصد أو ذهب الى مكان ما ( معنى الاقتراب ) ، والإمام هو القائد الذي يتبعه الناس فيظلون ( قريبين ) منه . والأمام هو الاتجاه الذي يسير فيه السائر فيظل ( يقترب ) منه .

جمّ : والجمّ هو العدد الكثير من أشياء متقارب بعضها من بعض ، ويتشابه معها في ذلك تعبير الجمهرة من الناس والجمهور من العلماء .

وهناك ألفاظ أخرى مثل الضمّ ، والغمّة ، والعامّة ، واللمّ ، والصديق الحميم .

غير أن إطلاق لفظة الأمة مقصورة على العرب دون المسلمين هو انحراف عن الحق مهما كان هدفه حسناً . ذلك أن العرب لم يكونوا أمة بالمعنى العصري للكلمة لا قبل الإسلام ولا بعده ، وأن الفضل الذي لحق بالعرب فنشر لغتهم في أصقاع الأرض لم يكن ليأتيهم لولا الإسلام ، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا جاهل بالتاريخ أو مكابر . لأننا لو نظرنا الى أرض العرب اليوم والتي تمتد من المحيط الى الخليج لوجدنا أنها لم تكن لهم قبل الإسلام ، فقد كانوا محصورين في الجزيرة العربية واليمن على شكل قبائل متناحرة ، وكانت قبيلة الغساسنة في الشام تحت حكم الرومان ، والمناذرة في العراق تحت حكم الفرس ، أما باقي البلاد فلم يدخلوها إلا فاتحين حاملين راية لا إله الا الله ، وقد دخلت معهم في الإسلام أمم كثيرة انصهرت معهم في بوتقته وشكلت معهم بالإسلام حضارة تفوقت على جميع حضارات الأرض . وظلت الدولة الإسلامية تتداول في بلاد المسلمين جيلا بعد جيل وما أكثر ما برز من قوادها وحكامها من هم من غير العرب كصلاح الدين الأيوبي المسلم الكردي وكسلاطين المماليك الذين صدوا الغزو المغولي والصليبي ، وما أكثر ما برز من علمائها من هم من غير العرب ولكن الإسلام والقرآن عربهم ، وعندما انحسر الإسلام في أواخر الدولة العثمانية واقتسم الغرب الاستعماري بلاد المسلمين وقسمها الى أقاليم تقطعت أوصالها ، وحين استقلت عن الاستعمار ظلت متقطعة الى يومنا هذا ولم تنجح العروبة في لم شملها مرة أخرى كما فعل الإسلام على مدى أكثر من ألف سنة .

لقد كان الإسلام بحق هو أم الرحم وأم الرضاع وأم التبني وليست العروبة ، لأن الأقليات الدينية والعرقية التي عاشت في كنف حكم الإسلام كانت مصونة الحقوق محفوظة الكرامة ، راضية بالعدالة الاجتماعية التي وفرها لها الإسلام ، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى ، أما العروبة فلأنها عرقية لا فكر مستقلاً خاصاً بها فقد نظر إليها كثير من الأقليات نظرة الندية فجاهدوا ما استطاعوا للانفصال عنها والأمثلة كثيرة كذلك .

وبعد ، فإنني لا أقلل من شأن العروبة بنزع لقب الأمة عنها ، ولكنني أحاول أن أضع الأمور في نصابها فأقول إن العروبة هي جزء عظيم من الأمة الإسلامية .






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز