موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
محمد باقر الصدر: عندما تجتمع الطهارة بالعبقرية 5

وصلت أخبار من العراق تفيد بأن النظام العفلقي قد كتم أنفاس الحوزة العلمية  بعدما هجّر العلماء  والطلاب وأنه وضع السيد الصدر في الإقامة الجبرية. كنا قد أنهينا للتو معاونة الأخوة في فرز وتحديد المراكز البعثية المعادية وتصنيف أهميتها وعدد مقاتليها وعديد  حامياتها من حرس ومقاتلين وحتى آخر طباخ وعاملة نظافة.

وكان للمعلومات التي تصلنا عبر "مجيد" أثرا مهما وخصوصا أن عمه كان مسؤولا رفيعا وعضوا في القيادة القطرية لحزب البعث العراقي .

 

وُضعت لوائح بأسماء المطلوبين بالأخص عتاة أشرارهم وأكابر مجرميهم ممن تلوثت أيديهم بالدماء. نُقحت  أسماء المناصرين والمستفيدين والمؤيدين  خوفا وطمعا. لم يعرف أحد من عائلتي أني  انخرطت في العمل السياسي  وصرت جزء من مشهدها الخطير. 

 

إلا ان الشكوك بدأت تساور أبي. فقبل مدة غبت عن المنزل ثلاثة أيام  تذرعت أني سأزور خلالها  أقاربي في البقاع وهناك التحقت مع ابن عمي  بدورة عسكرية مكثفة على استعمال الأسلحة الخفيفة. بعدها عدت الى بيروت لأجد الوضع قد شارف على الإنفجار.

 

كان البعثيون في لبنان قد قتلوا كثيرا من العلماء والشخصيات ومن بينهم السيد حسن مهدي الشيرازي. وقد أدى استشهاده إلى إقفال حوزة علمية كان يديرها تدعى  " حوزة الإمام المهدي الدينية".

 

جاء صديقي " علي"  لزياتي في المساء بحجة مراجعة بعض الدروس, فلما إختلينا في الغرفة أخبرني بصوت تشوبه السعادة:

 

الليلة ليلتهم, قبل فجر الغد ستكون شوارب ابي خالد قد حلقت عن بكرة أبيها.

 

تألمت لأني لن أستطيع تدبير عذر لكي أخرج من البيت وأحظى بشرف المشاركة. وأخيرا خطرت لي فكرة: ما لا يدرك كلّه, لا يترك جلّه. لماذا لا أخرج الآن وأرى الإستعدادات القتالية على الأقل سيكون لي معرفة مسبقة بخارطة العمليات وسأتمكن لاحقا من تصور المعركة بشكل أفضل.

 

اتفقت مع "علي" فاستأذن أمي بالسماح لي  في الخروج معه  لكي نراجع بعض الدروس في بيتهم وتذرّع لها أنه نسي كرّساته هناك. وافقت أمي بشروط صارمة أحدها أن اعود الى البيت قبل عودة أبي فوافقت وقلبي يكاد يطير فرحا.  

 

خرجنا  الى الشارع فإذا ببعض   الأخوة المقاتلين ينتظرون "علي" , ناولوه رشاشه وجعبته ثم ركبنا جميعا وانطلقنا في سيارة تويوتا سيليكا. في الطريق وصلت برقية باللاسلكي تفيد أن البعثيين قد بدأوا يمارسون القنص من مأذنة مسجد محاذ  لقاعدة ابي خالد البعثية العسكرية.

 

وصلنا الى آخر نقطة آمنة فأصر الأخوة على ان نتوقف بسبب خوفهم عليّ.

قال لي أحدهم  ممازحا: عندما يصبح عمرك 12 سنة سندعك تشارك في المعركة المقبلة فما زال عندنا الكثير من الأعداء. نزلنا من السيارة الى منزل مجاور لخط التماس.

 

كان المنزل مركزا عسكريا مموها وقد احتشد فيه المجاهدون بين قائم يصلي وممدد على الأرض يأخذ قسطا من الراحة استعدادا للجولة الفاصلة.

 

نظر الجميع بدهشة الى الولد الصغير. ونظرت إليهم بدهشة أكبر. كنت أعرف مقدار قوّتنا وعزم إخواننا, ولكني لم أكن أتخيل في أجمل أحلامي  أن أحظى بشرف مشاهدة  بعض كوادر " فوج الإمام الحسين"  من قوات النخبة.

 

ذلك الفوج الذي سينتقل جزء كبير من صناديده بعد ذلك بشهور قليلة للإلتحاق بالشهيد الدكتور مصطفى شمران رحمه الله  والمشاركة بالدفاع عن الجمهورية الإسلامية العزيزة.

 

مقاتلون أشداء  نورهم يسعى بين أيديهم وصناديد أبطال  زادهم الله بسطة في الحلم والجسم , أقصرهم  يزيد طوله عن 190 سنتم. وجوههم عامرة بالخير والبشر.  رهبان الليل أسود النهار.

 

تهاوت في رأسي صورة أبي خالد المرعبة. صرت أحسبه كالصوص الضئيل إزاء واحد من عماليق المجاهدين.

 

وفجأة انهمرت قنابل البعثيين تتساقط على البيوت والشوارع مثل ماء المطر. أرجعني  "علي " على وجه السرعة بالسيارة الى البيت. لم أنزل منها إلا وقد أخذت  منه عهدا بأن يأتي في الصباح  لإصطحابي في جولة تفقدية بعد انتهاء المعركة.

 

الله اكبر ولله الحمد ففي تلك الليلة اندحرت فلول صدام المأفونة الغادرة بين أسير وقتيل وجريح وتهاوت مراكزه وأوكاره ونواديه  ولم يبزغ الفجر إلا قد غدت مثل هشيم المحتظر.  توقف إطلاق القنابل والرصاص وساد صمت مثل صمت القبور. خسر البعث في ذلك اليوم 60 بالمئة من مقرّاته الأمنية والسياسية والعسكرية.

  

في صباح اليوم التالي دق "علي" الباب بعد أن ترك سلاحه وجعبته مع بعض الأخوة في اسفل العمارة. فتحت أمي : خير يا علي, ألله يعطينا من بركاتكم , ما هذا الإجتهاد في الدرس. أسمحيلي يا خالتي سآخذ السيد موسى لكي نفطر في دارنا معا وسنرجع بعد ساعتين  على ألأكثر.  خرجنا بنفس السيارة السيليكا مع نفس الأخوة وإذا بنا نتوقف بعد قليل أمام منزل "علي"  فاستنكرت ذلك, وقبل أن أضيف شرح لي انه والأخوة مرهقون , واننا سنفطر ثم ننطلق لمعاينة  أشلاء ما تبقى من مراكز بعثية.

 

لم أصدّق ما رأته عيناي. كان القتلى أمام مركز أبي خالد مثل الذباب المتساقط يملأون الطرقات والأحياء المحيطة به. نظرت الى المأذنة القريبة فرأيت القناص البعثي وقد تدلى منها قتيلا.

 

كنت أمشي بين الجثث بشعور غريب بين فرحة النصر وألم إزهاق النفوس. فمعظم هؤلاء كانوا من المضللين الموهومين بالقائد الضروة وقادسيّته المجيدة.

 

وصلت الى جثة ممدة على ظهرها. كان الشاربان مازالا ينتصبان الى أعلى كقرني جاموس لقي حتفه.

 

مات أبو خالد وانطوت صفحته الى الأبد.

 

لن يزهو بمضاداته الأرضية ومقاتليه بعد اليوم ولن يعترض المارين والعابرين بشتائمه السوقية وكلماته البذيئة فقد أضحى شيئا من  الماضي البعيد وصار قبل أن يجف دمه وتتحلل جثّته نسيا منسيا.

 

أقسم بالله اني لم أشعر بأي نوع من الشماتة الشخصية. لا بل أني تألمت لأن هؤلاء ضيّعوا أنفسهم  ولم  ينالوا كرامة الشهادة في وجه العدو الإسرائيلي الغاشم  الذي كان في تلك الأيام  يلهب ظهر الجنوب الجريح بسياط من نار ودمار.

(يتبع)







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز