د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
إصلاح التعليم في مصر (1)

 

إن عملية إصلاح التعليم في مصر تحتاج إلى جهود جبارة، وتحتاج عزيمة قوية، وفكرا واعيا، وقبل كل ذلك رغبة في الإصلاح وإخلاصا في سبيل تحقيق هذا الإصلاح. الأمر بهذا الشكل يبدو معقدا جدا، فالجهود كثيرة وهي تبذل من حين لآخر. والعزيمة موجودة، والصيحات التربوية الحديثة لافتات معلقة في كل مكان من المكاتب المختصة بعملية تطوير التعليم وغيرها، أما الفكر عندنا فحدِّث ولا حرج، فعندنا من العقول ما نفيض به على كل بلدان العالم تقريبا، ولكن تكمن المشكلة في قضيتين أساسيتين، أعني الرغبة في الإصلاح، والإخلاص في سبيل تحقيق هذا الإصلاح. فالرغبة مفقودة لأسباب كثيرة، والإخلاص نادرا ما نجده. وهذه هي قمة المشكلة وأساسها ووسطها. الإخلاص في سبيل تحقيق إصلاح تعليمي شامل.

        لأنني أعمل في مجال التعليم أستطيع أن ألمس المشكلات عن قرب؛ ومن ثم فقد فكرت في عملية إصلاح التعليم كثيرا عندما كنت في مصر، وعندما تركتها للعمل مؤقتا على سبيل الإعارة في جامعة بروني دار السلام، ثم في جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية، إن التفكير في إصلاح التعليم يصيب المرء بالصُّداع؛ ذلك أن الأمر مركَّب ومعقَّد للغاية، ولا ندري أين نبدأ، فهل نبدأ بالمقررات؟ هل نبدأ بالمعلم؟ هل نبدأ بالمباني والوسائل؟ هل نبدأ بالتثقيف الشامل للأسر، وتوجيه البرامج إليهم ليكونوا أدوات فاعلة في عملية التعليم؟ هل نبدأ بطرق التدريس؟ هل نبدأ بنظم الامتحانات؟ حيرة شديدة تنتاب المرء وهو يحاول التفكير في هذا الأمر. لكنني تساءلت: هل يمكن أن ينجح التعليم بتغيير البرامج والمقررات الدراسية من غير إعداد المعلم الذي يمكنه أن يقوم بدور حقيقي في تنفيذ هذه البرامج؟

        إذا كانت الإجابة – كما هي في رأسي- لا؛ فلا بد إذن أن نبدأ بالمعلم. فدور المعلم أساسي وجوهري في العملية التعليمية. وهنا أصاب بدُوار وصُداع أشد. المشكلات المالية التي يواجهها المعلم تحتاج إلى حل جذري ليس في مكافأة امتحانات تقدم له، وإن كانت تحل بعض المشكلة؛ لكن تبقى المشكلة قائمة؛ ولذلك سأترك عملية تدبير الموارد المالية لوزارة المالية التي ربما تفكر في ترشيد نفقاتها لصالح التعليم لا أن تفرض ضرائب جديدة على الشعب المسكين.

        تبدأ مشكلة المعلم في عملية إعداده بشكل صحيح، وهي عملية نادرا ما تحدث، فلا المُعلم يُعَدُّ إعدادا صحيحا ولا حتى يُعَدُّ إعدادا ناقصا، وذلك لمشكلة أخرى متعلقة بمن يقوم بإعداده، أعني أستاذ الجامعة، فأستاذ الجامعة يعاني هو الآخر من مشكلات متنوعة على رأسها الفساد في العمل الجامعي والذي انتشر بصور متعددة ومفزعة في آن. ولعلي أعود للحديث عن الفساد في العمل الجامعي في مقال آخر ليس هذا حينه.

        إذن عملية إعداد المعلم تحتاج إلى تخطيط جديد، وتحتاج أيضا إلى ميزانية كبيرة تخصص لذلك، فإعداد معلم ناجح يحتاج إلى أدوات ووسائل يستخدمها الدارس في هذا المجال، فيحتاح إلى أن يتدرب على استخدام الكمبيوتر، ويقوم بعمل مشروعات تدريبية لتوظيف هذا الجهاز فيما يخدم تخصصه التدريسي مستقبلا. وهذا يتطلب أن يستخدم المعمل الحاسوبي، أو معمل الكمبيوتر. وهذا في جامعاتنا قريب من الخيال. يحتاج أيضا إلى أن يقضي وقته بين البحث والتفكير والمناقشة الحرة مع أساتذته ومع زملائه، وهذا نادرا ما يحدث في جامعاتنا، يحتاج أيضا إلى أن تتغير البرامج والمقررات التي تؤهله للعمل المستقبلي، فبدلا من مقررات يقوم بعمل ملخصات لها وحفظها، ويحصل على أعلى الدرجات، يجب أن تكون هناك قضايا للبحث والتفكير، والذي يصل إلى حل أمثل هو الذي يحصل على أعلى الدرجات. (ولا أعني بالحل الأمثل ما يراه الأستاذ، فقد تكون رؤية الطالب أمثل من رؤية الأستاذ). يحتاج هذا الأمر إلى تعديل كلي في العمل الجامعي الذي يعده معلما. وتلك مشكلة كبرى. أليس كذلك؟

ورواتب المعلمين تحتاج إلى ميزانية كبيرة، ومتابعة الأداء التعليمي يحتاج إلى متخصصين تم إعدادهم بشكل مناسب؛ حتى يتمكنوا من القيام بهذه المَهَمة على أكمل وجه نراه.

إلى جانب ذلك نحتاج إلى أبنية تعليمية مناسبة وكافيه، فيها أماكن تسمح بالجلوس والتفكير، وفيها مناظر خلابة، وفراغات تكفي للتنفس الطبيعي، ودورات مياه تصلح للاستعمال الآدمي، ويقوم على العمل في هذه الأبنية أناس يحبون العمل، ويحبون النظافة والنظام، ويعلمون أن أيَّ نجاح يحققه هؤلاء التلاميذ مستقبلا ينسب إلى كل القائمين على العملية التعليمية، ولا ينسب للأفراد الذين حققوه فقط. نحتاج إلى إعادة تشكيل البيئة الثقافية التي تكتنف عملية التعليم.

أما الاهتمام بالأنشطة التعليمية فهو أمر لا نقاش فيه. فالطلاب يتعلمون من النشاط خيرا مما يتعلمون داخل الفصول. على أن يمارس النشاط بالفعل، فلا يكتفى بأن النشاط موجود ومسجل في جدول الحصص، ثم لسبب ما يتحول النشاط إلى حصص تعليمية تهتم بالحفظ والتلقين. لا أعني بالنشاط هنا حصص الرياضة والموسيقى والمجالات فحسب، ولكني أعني أنشطة في كل التخصصات بما فيها المجالات الرياضية والموسيقية والزراعية وغيرها.

ونكمل في اللقاء القادم إن شاء الله تعالى







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز