موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
محمد باقر الصدر: عندما تجتمع الطهارة بالعبقرية 3

عشية إندلاع الحرب العراقية- الإيرانية كانت المدرسة في بيروت قد أصبحت مثل خليّة النحل, البعثيون وأحزاب اليسار المتهافتة من جهة, ونحن مؤيدو المقاومة اللبنانية من جهة أخرى.

 

كانوا يأتون بأسلحتهم متغطرسين متكبّرين, جل همهم اصطياد الفتيات الجميلات وإقامة الحفلات الداعرة وحضورها والدعوة إليها, وكنا نأتي بصمت وسكينة نتبادل فيما بيننا محاضرات الإمام موسى الصدر  وكتب الأستاذ علي شريعتي والشيخ مرتضى مطهري وأسفار العبقري الخالد محمد باقر الصدر ولم يكن قد استشهد بعد.

 

كانت المحاضرات والكتب التي نقرأها تنعكس على وجوهنا نورا وأمنا ويقينا, وكانت وجوه البعثيين مرهقة عليها قترة وذلة فيما أيديهم وأعناقهم تتزين بالقلائد والأساور الذهبية وصور القائد الضرورة وقد كشف عن ضحكة ختلاء وأنياب ذئبية.

 

لقد كان إكتشافي للسيد باقر الصدر أعظم حدث فكري في حياتي. لم أكن أتصور ان يتمكن إنسان من أهل الأرض ببصيرته العظيمة وعبقريته الفذة من إمتطاء الكلمات والذهاب بالعقل الى عوالم بعيدة في أغوار ملكوت السماء.

 

لله دره يكاد الدمع يطفر من عيني حينما أتذكر كيف أن المدرسة  الماركسية  التي سخر الإتحاد السوفياتي  لها ملايين الأبواق وبحيرات الحبر وجبال من الورق.. كيف أصبحت تلك المدرسة بسطر من الشهيد الصدر عصفا مأكولا.

أذكر أني كنت في الحادية عشرة عندما بهت وأصبت بذهول شديد وأنا اقرأ تفنيدات السيد الصدر للفلسفة المادية. فقد كان الشيوعيون يقولون بمادية العقل ويحكمون بحقيقة الأشياء من خلال ماديّتها. فكل شيء له مادة ويمكن لمسه باليد فهو موجود. وكل شيء لا مادة له ولا يمكن لمسه فهو هراء وتخريف.

الصدر يقول: بالعقل نعقل الكرسي والطاولة وهما جسمان ماديان, فهل يعقل الكرسي الطاولة؟؟ او هل تدرك الطاولة الكرسي ؟؟؟ إن قدرة العقل على أن يعقل  المادة  وعجز المادة عن أن تدرك ذاتها أو سواها دليل سمو العقل عن المادة.  يضيف الصدر: سلمنا جدا مع الشيوعيين أن كل شيء محسوس  وملموس موجود وحقيقي وكل ما هو غير محسوس فهو هراء وخرافة, إن نفس هذه النظرية الشيوعية لا يمكن لمسها وتحسسها باليد, إذن هي مجرد هراء.

لقد فتح لي محمد باقر الصدر عالما كبيرا من العقل والعاطفة النبيلة, فلم تكن كتابته شكلا من أشكال المقارعة أو الثأر وإفحام الخصوم, بل كان قلبا حنونا نبيلا يرتجي الخير والعدل حتى لأشد أعداء فكره ومخالفيه.

 

إندلعت الحرب العالمية يقودها جرذ الحفرة على الجمهورية الإسلامية الوليدة. بدأ البعثيون بتصفية العلماء وكوادر العمل الإسلامي في العراق وخارجه.

إمتقع الجو في المدرسة, كان بعضنا قد عاد من دورة تدريب قتالية  من قرية جنتا البقاعية. لم يسمح لي بالمشاركة فيها بسبب صغر السن. بعد تلك الدورة صار بيننا مسؤول عسكري  هو صديقي وزميل الدراسة " علي" الذي كان يكبرني بسنوات عديدة تظهر في بنيته الجسمانية المتقدمة والشارب الخفيف الذي كان قد بدأ يخط وجهه. ومسؤول أمني ومسؤول ثقافي.

 

استنفر البعثيون في كل مراكزهم العسكرية. فكانوا يقيمون الحواجز ويسيرون الدوريات ويقومون بالإعتقال والتصفية الجسدية لأتفه الأسباب. وكان مركزهم الرئيس يقع على طريقي من البيت الى المدرسة, فكان مسؤولهم بهيئة مخيفة وشاربان كبيران كأنهما قرنا جاموس, وكان اسمه أبو خالد. حصن أبو خالد مقرّه بأعتى الأسلحة والمضادات الأرضية الرباعية ثم نشر رجاله  مثل الجراثيم حول المقر.

كنت أمر في الطريق الى المدرسة, فكان أبو خالد ينزل عن الرباعي ليسألني عن اسمي, وعندما أجيبه كان يتوترويأمرني أن أبدّل الطريق ولا أعود ثانية, فكنت مضطرا لسلوك طريق بديلة وبعيدة.

وفي يوم من الأيام ذهبت متأخرا الى المدرسة, فلم يكن بالإمكان سلوك الدرب البديل, وعندما أصبحت إزاء مكتب البعث, خرج أبو خالد كالثور الهائج ليصفعني على وجهي ويطرحني أرضا, فما كان مني إلا أن فررت راكضا بينما رصاصات أبي خالد تتعقبني من فوق رأسي وبين رجلي. وصلت الى المدرسة بحالة مزرية, رآني "علي" فغضب وتوعد وأسر لي أن المعركة قريبة وأنه سيقتل أبا خالد بيده لا بيد أحد آخر. ( يتبع)







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز