د. حسن عبد المقصود
dr.maksoud@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 February 2010

كاتب واكاديمي من مصر
كلية التربية
جامعة عين شمس

 More articles 


Arab Times Blogs
التعليم في مصر والرقي

التعليم هو الطريق إلى كل تقدم، ودون إصلاح حال التعليم تكون كل الجهود المبذولة في محاولات التقدم والترقي غير مجدية؛ ولأن التعليم هو الطريق الصحيح للتقدم والرقي في أي بلد من بلدان العالم؛ فإن الأنظار تتجه دائما إلى عملية التعليم؛ ومن ثَمَّ فإن ميزانية التعليم- غالبا- تكون من أعلى الميزانيات التي تقررها الحكومات التي تريد النهوض بالتعليم.

إن إصلاح نظام التعليم في مصر يحتاج إلى إصلاح المعلم، والمدرسة، والإدارة، والوسائل التعليمية، والمقررات الدراسية. هذا الإصلاح يحتاج إلى تغيير الأهداف من التعليم. يحتاج إلى أن نجلس مع أنفسنا ونسأل أنفسنا عن هدفنا من التعليم. ثم نبحث عن الطريق التي نحقق بها هذا الهدف.

     هذا الكلام ينطبق على التعليم قبل الجامعي كما ينطبق على التعليم الجامعي. ولكن ما ميزانية التعليم عندنا في مصر؟ وما ميزانية التعليم في أي من الدول المتقدمة؛ ولتكن أمريكا مثلا؟

وما النظم المتبعة في الإنفاق على التعليم؟ وما طرق التعليم؟ وما مدى إيجابية هذه الطرق؟ وما مدى فاعلية التعليم في حياتنا المعاصرة؟ وقبل كل هذا: ما أنواع التعليم المنتشرة في بلدنا الحبيب مصر؟

لدينا في مصر على الأقل ثلاثة أنواع رسمية من التعليم المعترف به، فلدينا التعليم الأزهري، والتعليم المدني الحكومي المجاني، والتعليم المدني الخاص، وهو يخضع للوائح وزارة التربية من جهة، ويتبع نظما تعليمية غربية في بعض الأمور من جهة أخرى، وتتحمل الأسر نفقات باهظة في سبيل الحصول على هذا النوع من التعليم، وإن كان لا يختلف كثيرا عن التعليم الحكومي المجاني. هناك اختلاف، لكنه ليس كبيرا.

        يهتم تعليمنا بصفة عامة بعملية الحفظ والتلقين، وهي عملية مهمة جدا؛ لكنها لا ينبغي أن تشغل مساحة كبيرة في برامج التعليم وعمليات التقييم. لكن الذي يحدث – ويا للأسف- هو أن التعليم عندنا لا يهتم بغير هذه القيمة التعليمية، أعني قيمة الحفظ.

     ولأن التعليم عندنا لا يهتم بغير هذه القيمة فقد استعد الأساتذة المتخصصون في عمليات التلقين والحفظ بعملية التقييم، أعني الامتحانات، فقاموا بمراجعتها وعمل إجابات نموذجية، وقاموا في تدريسهم بالتركيز على الأسئلة المكرر ثبوتها في الامتحانات، والتي يمكن أن تكون مواضع للامتحان التالي.

    ولم تسلم الوزارة نفسها من الاهتمام بالامتحانات، فأعدت نماذج الامتحانات المتعددة من قبل خبراء في الوزارة، وأنفقت عليها مبالغ طائلة.

 والكتب الخارجية أيضا شاركت في العرس؛ فاهتمت بالامتحانات أيما اهتمام؛ بل وجدت كتب الامتحانات وإجاباتها النموذجية، وكثر هذا النوع من الكتب، وهو على كل حال يكشف عن اهتماماتنا الرسمية وغير الرسمية بعمليات الامتحانات، وتحول الأستاذ من معلم يبني شخصية التلميذ العلمية والفكرية، ويتبنى جوانب الإبداع لدى طلابه إلى فني الحصول على الدرجات، وتحولت العملية التعليمية كلها إلى فن الحصول على أعلى الدرجات، فانتشرت الدروس الخصوصية وتحولت مجانية التعليم إلى سراب، وأصبج التعليم المجاني تعليما مدفوع الأجر بصورة مضاعفة، وتسابقت الأسر إلى حجز الدروس الخصوصية عند الأساتذة المشهورين، وارتفعت فاتورة الدروس الخصوصة حتى أصبحت عبئا على جميع الأسر الفقيرة والمتوسطة وحتى الغنية صارت الفاتورة التعليمية عبئا عليها أيضا. وصارت الدروس الخصوصية مرضا من الأمراض المتوطنة في بلدنا، وعجزت كل الجهود عن أن تجد علاجا لهذا المرض العضال.

     إن عجز الوزارات المتتالية عن إيجاد حل لمرض الدروس الخصوصية يؤكد العجز في النظام التعليمي ذاته؛ ذلك أن كل الجهود والمحاولات لعلاج الدروس الخصوصية تتجه إلى محاربة الدروس الخصوصية مباشرة بمحاولة فرض عقوبات على القائمين بهذه العملية، ولم تفكر الوزارات المتوالية في السبب في انتشار هذه الظاهرة أو هذا المرض. فالسبب في هذا المرض هو عملية التعليم نفسها، فالتعليم في مصر مصاب بمرض المعرفة وليس لديه أفكار عن التطوير والابتكار، وهو في مجمله بعيد عن تنمية المهارات، ولا علاقة له بالجانب الوجداني إلا إذا كان المقصود بالجانب الوجداني ترسيخ كراهية الوطن واحتقار الآخرين، وتنمية الشعور بالاغتراب، ومحاولة اقتناص فرصة السفر إلى بلاد الله الأخرى غير الوطن الذي ننتمي إليه.

لعل كل ما يقال عن التطوير في التعليم يتمثل في المكاتب والمكافئات وتغيير المقررات الدراسية التي تركز على الحفظ في معظم أحوالها إلى مقررات دراسية أخرى تركز على الحفظ أيضا، فليس هناك جديد غير أن نحذف مثلا قصيدة لشاعر، ونأتي في مقابلها بقصيدة مختلفة لشاعر آخر. وعلى منوال القصائد تسير بقية الموضوعات. وعلى ذلك فقس كل المقررات الدراسية. ويبقى الأمر على ما هو عليه. ما الجديد؟ لا جديد!

هذا هو بعض ما يدمي القلوب على حال التعليم في مصر، وهو أمر يحتاج إلى تفصيل وتوضيح.

أرجو أن يوفقني الله تعالى في تفصيله على نحو مفيد.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز