د.يحيى أبوزكريا
abouzakaria10@gmail.com
Blog Contributor since:
08 March 2010

كاتب عربي من الجزائر

 More articles 


Arab Times Blogs
مالك بن نبي ذلك الفيلسوف الجزائري العملاق

يعتبر المفكر الجزائري مالك بن نبي من أبرز المفكرين المسلمين الجزائريين الذين إستطاعوا أن يشخصّوا مشكلات راهن العالم  الإسلامي و مشكلات الحضارة الإنسانية .

 و قد تمكنّ من تشخيص العلل التي تسببّت في إنتاج حالة القابلية للإستعمار و التخلف بمنطق رياضي والذي كثيرا ما أستخدمه في منحنيات فكره الذي إتسم بكثير من الواقعية .

لم يكن مالك بن نبي ينظر إلى الواقع الإسلامي و ما عاجي ألمّ بالمسلمين من برج فهو كان ضدّ الترف في التنظير و ضدّ إستعمال المخيلة في تشخيص أدواء تسببّت في نكبة العالم الإسلامي , كان يدعو على الدوام إلى الإحتكاك بالواقع المعيش و إنتاج معرفة من وحي هذا الواقع .

 ومثلما وقف ضد ما أسماه بالتكديس الفكري و إستخدام المنتوج الحضاري الذي أنتجه الآخر فقد وقف أيضا ضد الحلول التي لا تؤدي إلى تغيير الواقع من جذوره خصوصا في ظل معركة حضارية قوامها نكون أو لا تكون , و كان على الدوام يرددّ إماّ أن نغيرّ أو نتغيرّ .

لم يربط مالك بن نبي فكره بموقع جغرافي معين فهو رغم إنتمائه إلى الجزائر فقد كان فكره على إمتداد خطّ طنجة – جاكرتا , و حاول أن تكون طروحاته الفكرية يحجم التحديّات المحدقة بالعالم الإسلامي , و نجح إلى أبعد الحدود في إنتاج نظريات معرفية إسلامية يستفيد منها المسلمون في باكستان و الجزائر ومصر و الهند و لبنان و إيران وغيرها من الدول الإسلامية .

و كان يعتبر أنّ المعضلة أي معضلة في العالم الإسلامي هي متشابهة من حيث ظروف التكوّن و النتائج و حلها يتطلبّ تظافر جهود المجموع الإسلامي الذي كان يطالبه مالك بن نبي بضرورة النهوض ومواجهة التحديات الحضارية الكبيرة .

صحيح أن المفكر الجزائري مالك بن نبي كان مفكرا و منتجا للأفكار محسوبا على القرن الماضي غير أنّ قدرة بن نبي الإستشرافية أهلت أفكاره و طروحاته أن تكون حاضرة وبقوة في راهننا لأنّ القضايا التي عالجها ما زالت هي هي , وما زالت قراءته للواقع الإسلامي و آفاق النهضة الإسلامية وآلياتها تتمتع بصيرورة يمكن الإستفادة منها اليوم .

و لم يكن مالك بن نبي مقلدا لغيره ولا مستوردا لرؤى من وراء البحار بل كان صاحب منهج فكري يتسم بالكثير من الحيوية و الديناميكية الحضارية التي رسمت الخطوط العريضة لنهضة العالم الإسلامي المتكررة .

و من هذا المنطلق كانت مدرسة مالك بن نبي ضرورية لفهم مشكلات الحضارة و الأسباب التي أفضت إلى تراجع المسلمين عن صناعة الدور الحضاري الذي أضطلعوا به في يوم من الإيام ثمّ لم فقدوا أسباب الإستمرارية تلاشوا في زحمة بداية تكوّن حضارات جديدة  و الحضارة عند مالك بن نبي لا تباع و لا تشترى و هي إبداع و ليست تقليدا أو إستسلاما وتبعية كما جاء في كتابه شروط النهضة .

لقد أصيب المسلمون بمرض تكديس الأفكار كما كان يقول مالك بن نبي و لم تتحول هذه الأفكار إلى معادلات نهضوية واقعية , كما أنّ العالم الإسلامي لم يحسن إستخدام الموروث الفكري الثري و راح يبحث في أعراض المشكلات وليس في العلل الحقيقية لهذه المشكلة الحضارية و تلك , كما أنّ أمة إقرأ تخلّت عن دورها في إستكشاف قوانين التاريخ و مقومات بروز الحضارة و إنتاج النهضة , لقد خرج المسلمون عن سياق الحضارة كلية و أبتلوا بمرض القابلية للإستعمار و الهزيمة و الجهل و إنعدام الفعاليّة الحضارية , و الأمة الإسلامية عندما بدأت تستورد القوالب الحضارية الجاهزة دخلت في مرحلة الغيبوبة و التي جعلت جغرافيا خط طنجة – جاكرتا مهييئة للحركة الإستعمارية الغربية التي واصلت عملية الهدم من الداخل و في نظر مالك بن نبي فإنّ الأمة التي لا تصنع أفكارها الرئيسية و مشروعها النهضوي محكوم عليها بالموت .

و المنهج التغييري و النهضوي الذي وضعه مالك بن نبي ليس منهجا أحاديّا بل هو منهج معرفي متعدد يقوم على الإستدلال الرياضي و الإستقصاء المنطقي , و يختلف في هذا النهج عن المفكر سيدد قطبي الذي رسم آلية واحدة للإنتقال من المجتمع الجاهلي و إلى المجتمع الإسلامي عبر آلية الجهاد والتغيير المسلّح , فيما مالك بن نبي يعتبر التغيير التدريجي للأفكار و المسلكيات كفيل بتهيئة شروط النهضة و عبر الآليات الفكرية و الإجتهادية و بالتالي فهو يطرح مشروعا سلميّا للتغيير و الخروج بالمجتمعات الإسلامية من دائرة التأثّر إلى دائرة التأثير ومن دائرة الإنفعال إلى دائرة الفعل .

وعلى عكس سيد قطب الذي يرى المجتمعات الإسلامية جاهلية فإنّ مالك بن نبي يعتبر المجتمعات متخلفة إستسلمت بسهولة لقدر السقوط , ويذهب مالك بن نبي إلى القول أنّ الأمة الإسلامية ليست مصابة في عقيدتها التي ما زالت غنية بل مصابة بحالة العقم الفكري الذي جعل عقلها الجماعي معطلا لأسباب كثيرة غاص في تفاصيلها .

 و كثيرا ما يولي العوامل الداخلية إهتماما كبيرا وخاصا , فالحركة الإستعمارية الغربية لم تفرض نفسها على العالم العربي و الإسلامي لأنها تتمتّع بالمكنة العسكرية و القدرة على الفتك بالآخر من خلال الوسائل العسكرية الحديثة بل إنّ العيب في الإنسان المسلم الذي بدى مستسلما للحرك ة الإستعمارية غير قادر على إنتاج وسائل المقاومة المعرفية و الجهادية على السواء .

لقد أقرّ مالك بن نبي بوجود مشكلات حضارية في العالم الإسلامي , لكنّه نأى بنفسه عن فلسفة هذه المشكلات و الحوم حولها وإستنفاذ الطاقة الفكرية و الجهد العقلي لوصف هذه المعضلات , فسعى لإنتاج ما أسماه الشروط الموضوعية للنهضة على طريقة المعادلة الرياضية بمعنى آخر أنّه إذا أراد العالم الإسلامي أن يبني نهضة فهذه هي شروط النهضة  فعكف على وضع هذه الشروط , و قد حاول أن يصيغ هذه الشروط بقالب المعادلة الرياضية من قبيل الحضارة هي مجموع الإنسان و التراب و الوقت .

و كثيرا ما كان مالك بن نبي يطالب بالرجوع إلى الجذور الفكرية لأي مشكلة لأنّه وبدون الفهم الطبيعي للسياق الفكري لهذه المشكلة وتلك ومناخاتها الثقافية لا يمكن فهمها كما لا يمكن معالجتها , و بناءا عليه لم يكن مشروع النهضة عند مالك بن نبي سهلا يسيرا  فطريقها طويل و متعب وشاق ولا بدّ من إجتماع كافة شروطها و مقدماتها لتتحققّ و يكتب لها البروز في مسرح الحضارات .

وكثيرا ما كان مالك بن نبي يردّ على الذين كانوا يطالبون بإقامة نهضة في العالم الإسلامي بعيدا عن الموروث الإسلامي و الذين كانوا يرون أن النهضة في الواقع العربي والإسلامي لن تبصر النور إلاّ إذا جرى تقليد النموذج الغربي حذو القدّة بالقدة , و تعرف هذه النخبة الفكرية اليوم بالليبراليين الجدد أو النيوليبيراليين الذين فنّد مالك بن نبي منطلقاتهم الفكرية , و في كتابه الصراع الفكري في البلاد المستعمرة كثيرا ما تحدث عن النخب المنهزمة التي مكنّت للإستعمار بل كانت إمتدادا له ولفلسفته ومن خلالها تغلغل إلى واقعنا و نفذّ الكثير من مشاريعه . عندما ذهب بعض النقّاد إلى القول بأنّ مالك بن نبي تجاوز المفكر الإجتماعي إبن خلدون لم يبتعدوا عن جادة الصواب , فمالك بن نبي وضع مجموعة من النظريات و الرؤى التي تصلح أن تكون مشروعا للنهضة المرتقبة , و قد  ترك إرثا كبيرا من الأفكار و الرؤى والنظريات و التي فصلّها تفصيلا في كل كتبه .

في البداية تجب الإشارة إلى أنّ مالك بن نبي قدم تعريفا مميزا للحضارة و نبهّ المسلمين إلى ضرورة العمل على إنتاج الحضارة لأنّها الإطار الذي ستحلّ في خضمها كل المشكلات والمعضلات في العالم الإسلامي , و قد كان يعيب على المفكرين الذين طرحوا مشاريع جزئية و غاصوا في البحث عن الأمراض دون الغوص في العلل الحقيقية لهذه الأمراض , وقد إعترض حتى على جمال الدين الأفغاني و محمد عبده اللذين أعجبا مالك بن نبي بطرحها كونهما كانا حريصين على تعليم المسلمين العقيدة و وهم في الواقع في غغنى عن التعليم لأنّ العقيدة متجذرة في الواقع الإسلامي .

و يأخذ مالك بن نبي على المسلمين إدمان الكلام على الفعل الحضاري الحقيقي و يسرد في كتابه مذكرات  شاهد على القرن قصّة رجل جزائري طلب ان يتكلم في جمع وأخذ يصيح ويصرخ إلى أن سمح له بإعتلاء المنبر وكان في بده مكنسة فقال : أريد أن أكنس الإستعمار من الجزائر كما أكنس التراب بهذه المكنسة و نزل من المنبر وكله رضا بإنّه أدّى دوره , لقد قام بدوره في مقاومة الإستعمار بهذا المشهد , و حولّ الشحنة الإيمانية إلى شحنة كلامية ضاعت في الهواء , و لم يبق شيئ نقدمه للأوطان في المعارك الحقيقية .

و كان بن نبي يطالب بالتروي في تصميم أي مشروع نهضوي و أن لا نستعجل الخطى , و لذلك ظلّ على مدار سنوات يصممّ مروعه النهضوي وقد بدأه بتعريفه للحضارة و ضرورة أن تصبح هدفا لكل المسلمين .

وفكرة الحضارة عند مالك بن نبي بمثابة الأصل الذي تفرعّت عنه مجموعة كبيرة من الأفكار و الرؤى والطروحات , و إذا أردنا أن نفصلّ منهجية مالم بن نبي الفكرية فهي كالتالي :

الحضارة : ما هيتها , آليات صناعتها , هويتها , دور الفكرة الدينية في إطلاق الحضارة , الإسلام و الحضارة , الحضارة ليس حالة أبدية فهي خاضعة لحركة التاريخ و  الحضارة ذاتية وليست منتجا مستوردا ..

النهضة : شروط النهضة , و كيفية النهضة , نهضة الفرد أم المجموع , آليات النهضة , الفكرة التي تحرك النهضة .

الإنسان : الإنسان بإعتباره محركا لحركة الترايخ وصانعا للنهضة والحضارة .

مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي : الإنصراف إلى المشاكل الفكرية الوهمية و الإبتعاد عن الأفكار الجوهرية التي تصنع النهضة .

الفعالية و المصداقية : عدم إرتقاء المسلم إلى مستوى الفعالية الحضارية أنتج التخلف .

الإنقباض والإسترخاء في الدورة الحضارية و مراحل التطور الحضاري .

المنهج التغييري :ضرورة أن يبدأ المسلمون من تغيير أنفسهم كمقدمة لأي تغيير إجتماعي.

القابلية للإستعمار وهو ما فصله مالك بن نبي في مجمل كتبه .

الدورة الحضارية : إنّ الذي ينعم النظر في حركة التاريخ يتجلّى له بوضوح أنّ أقصى ما تعمرّه أيّ قوة حضاريّة هو خمس قرون , لتنتقل الدورة الحضاريّة إلى بقعة أخرى تكون قد إستجمعت شروط الإنطلاق النهضوي والحضاري . وهذا ما تجسدّ بالفعل في التاريخ البشري إذ أنّ المدرسة المسيحية سيطرت على الساحة الدولية في ذلك الوقت لمدّة خمس قرون وبعد ظهور الإسلام إنقرضت حضارة روما التي قامت على أساس الديّانة المسيحيّة فاسحة المجال أمام المدّ الإسلامي الذي يخضع هو الآخر لقوانين التاريخ وسنن الله في الكون , وقد تقلصّ هذا المدّ بفعل ظروف تاريخيّة معروفة للباحثين فعاودت التوجهّات الرومانيّة النهوض من جديد , لتتعثرّ مسيرتها بعد فتح الأندلس , ثمّ أنّ التوجهات ذات الموروث الروماني إستعادت أنفاسها لتسقط إلى حين أمام المدّ العثماني الإسلامي . وبعد أن أستكمل هذا المدّ دورته – يجب الإشارة إلى أنّ الخلافة العثمانية بدأت تبسط سيطرتها على الأقاليم إسلامية في القرن الخامس عشر الميلادي – تساقط لتنبعث من جديد القوة الغربية مشبعة بتراث المسلمين الفكري والسياسي ومشبعة بتجارب مستقاة من واقع التجربة الإنسانية الملئ بالأحداث . و مذ ذلك التاريخ و الحضارة الغربيّة هي المتحكمّة في مجريات الأمور الثقافية والصناعية والسياسية والعسكرية والتقنيّة و الأمنيّة .

وبعد هذه الدورة التامة التي ساد فيها الغرب فستميل هذه الدورة إلى جهة أخرى , خصوصا إذا علمنا أنّ شروط إنتقال هذه الدورة قد بدأت تتوفّر في الجهة التي تنتظر دورها في توجيه الحضارة الإنسانيّة المعاصرة . وقد تمكنّ العديد من المفكرين الغربيين من الوصول إلى هذه النتيجة كروبنسون وبرتراند رسل وروني دوبو و روجي غارودي .

لقد كان مالك بن نبي يدعو إلى الإهتمام بالمستقبل بدل الماضي , بل كان يعتبر الإهتمام والتركيز على الماضي واحدة من أهم الأسباب التي قصمت ظهر العالم الإسلامي .

و يعيش العالم العربي والإسلامي اليوم مرحلة من أعقد مراحله حيث التراجع سيّد الموقف في كل التفاصيل , وقد أصبحت النكسة بل النكسات ملازمة لحياتنا السياسية و الإقتصادية و الثقافية و الإجتماعية ناهيك عن الأمنيّة والعسكريّة , وكلما أوغلنا في قطاع معين نكتشف حجم التراجع فيه , و حجم التخلف أيضا , فقطاع السياسة لا يحتاج إلى تقديم أدلّة و مبررات لكشف حجم التراجع فيه , فالوجوه هي الوجوه , والبرامج هي البرامج , و المناورات هي المناورات , وعندما تطالب الشعوب العربية بالتغيير يقوم رسميونا بإضافة عبارات جديدة إلى مسمياتهم الإيديولوجية التي يحكموننا بها , فيصبح الحزب الدستوري الإشتراكي الحزب الدستوري الديموقراطي والحزب الوطني الإشتراكي الحزب الوطني الديموقراطي , و جبهة التحرير الوطني حزب جبهة التحرير الوطني , و تصبح المملكة الوراثية مملكة دستورية , و المملكة العائلية مملكة وطنية و ما إلى ذلك من التغييرات التي تطاول الظاهر دون المضمون , و الشكل دون الجوهر , و إذا إستماتت جماهيرنا في المطالبة بالتغيير , يقوم رئيس الجمهورية بإقالة رئيس الحكومة في الساعة الواحدة ظهرا ويعينه رئيسا للحكومة بمرسوم جديد في الساعة الثانية ظهرا في نفس اليوم  – ساعة واحدة للضحك على الذقون و تخدير الجماهير – ويقوم رئيس الحكومة بجلب نفس الأشخاص ويعين من كان وزيرا للزراعة وزيرا للثقافة فيخلط بين أبي الطيب المتنبي و البطاطا , و يصبح وزير الإقتصاد السابق وزيرا للموارد المائيّة و هلمّ جرّا و يبقى الرئيس هو الرئيس , و النهج هو النهج , و السياسة هي السياسة , وفي الوقت الذي تعلن فيه الحكومات عن إلغاء محاكم أمن الدولة ترفع ميزانية الأجهزة الأمنية لرفع عدد المخبرين الذين سكنوا في كل الزوايا والشوارع و حتى حركة القططة والكلاب الشاردة باتت مرصودة .

 ولم يكتف القيمّون على هذه السياسات على القفز على ضرورات التغيير ومواكبة العصر , بل خلقوا تيارات فكرية و إعلامية وثقافية لا تناقش إلا  قضايا الماضي الذي هو في حكم العدم كما يقول الفلاسفة , فعلى الصعيد السياسي فإنّ الغالب على نقاشاتنا هو الماضي و العهود البائدة و الحق مع من كان مع علي أو أبي بكر , وصممت برامج إعلامية للحديث عن الماضي و الغوص في تفاصيله , فهذا شاهد على العصر وذاك شاهد على القرن , و ذلك شاهد على المرحلة , ولم أشاهد أي برنامج يتحدث عن المستقبل و يستشرف لنا المرحلة المقبلة في كل تفاصيلها , وفي الغرب وحده يوجد أزيد من ثلاثة آلاف مركز إستشرافي يعنى بالدراسات المستقبلية بما في ذلك مستقبل العالم العربي والإسلامي , أمّا في العالم العربي فلا يوجد أي مركز يتولى قراءة المستقبل لا قريبه ولا متوسطه ولا بعيده .

في خطابنا السياسي مازال حاكمنا يحدثنا عن بداياته , وكيف قام بإنقلابه مع زملائه الذين إنقلب عليهم وقتلهم عن بكرة أبيهم , وما زال رؤساء الحكومات يحدثوننا عن إنجازاتهم السابقة في عهد الحرب الباردة وسياسة القطبين , و مازال مثقفونا يحدثوننا عن إزدهار الثقافة في عهد الأندلس , ومازال خطباؤنا في المساجد يحدثوننا عن صراعات الصحابة و دور البيضاء والصفراء في إثارة الفتن بين المسلمين .

 لقد أصبح الماضي مرجعيتنا وثقافتنا وزاويتنا وركننا الركين , وحتى حكامنا يذكروننّا بالماضي لأنّهم منذ الماضي وهم يحكموننا , ومنذ نعومة أظفاري وأنا أشاهد الكثير من الرؤساء الذين يحكموننا حتى أنّ الكثير منهم لم تتغيّر ملامحه بحكم طلاء الشعر الممتاز الذي يستخدمونه ويستورد لهم خصيصا وكان الأولى بهم أن يستخدموا الحنّاء لأنّها من الماضي .

أما في الغرب فهاجسهم المستقبل , الفضاء , القرية الكونية , القرية الفضائية , دراسات بالجملة والمفرّق عن الزراعة في هذا الإقليم الغربي سنة 2030 , الصناعة في ذاك الإقليم في سنة 2040 , كيفية إستثمار الطاقة الشمسية في المجالات كافة , والأكثر من ذلك دراسات عن آفاق العالم العربي والإسلامي برؤى غربية قحّة .

بسبب كل ما جئنا على ذكره وغيره كثير فقدنا دورنا راهنا ومستقبلا , فنحن خارجون من كل الخرائط الثقافية و السياسية والإقتصادية و الأمنية والإستراتيجية , ثمّ إذا أردنا بداية الإصلاح في عالمنا العربي والإسلامي فمن أين نبدأ فالعفونة في كل مكان !

 المنظومة السياسيّة متهرئة من أساسها وقوامها التملق والمحسوبية و القمع والديكتاتورية بالإضافة إلى أنّ الأجهزة الأمنية المتواطئة مع السيد الرئيس هي التي تسيّر ما يعرف بالدول تسامحا في بلادنا , والإقتصاد قوامه عصابات من رجال مخابرات وسياسة وضباط عسكريون يمسكون بإقتصاد أمّة بكاملها , والثقافة هي أكثر العناصر مظلومية في واقعنا العربي ويكفي النظر إلى مصاديق الثقافة و أحوال المثقفين الذين لا يجدون قوت يومهم لندرك مأسويّة الثقافة في بلدنا , أمّا أمننا فهو مخروم من أساسه وتكفي دبابة أمريكية واحدة لتطيح بأي رئيس عربي يخشوشن على شعبه فقط و يحني الرقبة أمّام الأمريكي صانع القضاء و القدر العربيين والإسلاميين .

كنّا نأمل أن نبدأ مسارنا مع بداية الألفية الثالثة بشكل صحيح في ضوء التجارب والأخطاء السابقة , لكن لو يبعث أجدادنا من القرن العاشر وقبله وبعده لوجدوا الحال هي الحال ,  والظرف هو الظرف ,  والفكر هو الفكر ,  و الطرح هو الطرح , والمرض هو المرض ,  والإستبداد هو الإستبداد , وما زلنا نختلف بين يجوز ولا يجوز حتى أصبحت أمة محمد كالعجوز .  الفرد يرث والأمة ترث , الفرد يرث المال والعقارات وقد لا يرث شيئا إذا كان والداه معدمين , و الأمة ترث الخصائص الإجتماعية و الثقافية والنهضوية و الإقتصادية و الحضاريّة من الأمة التي سبقتها , ولأننّا أمةّ كتب لها أن تعيش على مفرق قرنين قرن مضى وقرن راهن جديد , وجب علينا أن نفكّر بإمعان ماذا حققنا في القرن الماضي وماذا سترك لأبنائنا في القرن الراهن والمقبل .
لا شكّ في أنّ مجرّد التفكير فيما سنتركه كأمّة للأجيال اللاحقة مزعج وجالب للهمّ والغمّ على إعتبار أنّ الواحد منّا يعمل من الصباح إلى المساء مقابل أن يسدّ ديونه ويفكّر دوما في كيفية توفير لقمة العيش لأبنائه , فإذا الفرد لا يفكّر في أن يترك شيئا لبنيه فكيف يضطلّع بهمّ التفكير فيما سوف يتركه للأجيال المقبلة !

في الغرب حيث كل شيئ جاهز فالأجيال المقبلة سوف تستلم الراية من الأجيال الحالية والبنى التحتيّة النهضوية والتقنية قائمة والتواصل قائم بين الجامعات ومستقبل التقنيّة التي ستنتج من هنا وإلى أربعين سنة المقبلة , أضف إلى ذلك فإنّ العقل الغربي تمّت برمجته على النظر البعيد و التوجه إلى الأمام و إستشراف القادم من الأيام , والقضايا التاريخية و الخلافات الدينية لا تناقش إلا في الجامعات المتخصصّة والمعاهد العليّا المتخصصة في قضايا التاريخ واللاهوت وعلوم الأديان .

غير أنّه يجب التذكير أنّ الذي يخططّ وينفّذ في الغرب هي المؤسسّات الرسمية الحكومية المنسجمة مع توجهات الرأي العام والتي تولي البحث العلمي والتخطيط المستقبلي أهميّة قصوى وهذا غير متوفّر البتّة في عالمنا العربي .

 

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز