موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
محمد باقر الصدر: عندما تجتمع الطهارة بالعبقرية 2

كان لغياب الإمام موسى الصدر عن لبنان أثرا كبيرا على مريديه. فقد أحس الشيعة بنوع من اليتم الجديد وكأن مأساة الطف  أعيد رسمها ولكن هذه المرّة على يد المجرم المجدورالوجه معمر القذافي وبتواطؤ ومشاركة بعض الأحزاب اللبنانية و معظم الأنظمة العربية الدنيئة. 

 

إلا أن الصدر قبل غيابه كان قد وضع الدولاب على سكته الصحيحة. و لم تعد مسألة الصعود  الإسلامي  العالمي سوى مسألة وقت لاأكثر ولا أقل.  وجهد الإمام لتكريس ثقافة العدواة والرفض لإسرائيل على إعتبار أنها شر مطلق وأن التعامل معها حرام شرعا.

 

فكان يثابر على إطفاء نار الحرب الأهلية  عبر الإعتصام ضد الحرب وأدواتها ساعيا لتقريب القلوب وتوحيد اللبنانيين بمختلف مذاهبهم وأديانهم من جهة, ويعبئ الطاقات الغضة لإطلاق المقاومة العسكرية للدفاع عن الجنوب والإسهام بتحرير فلسطين من جهة أخرى. 

 

ومن المعجزات الخالدة التي سطرها التاريخ القريب ما جرى في عام 1976  في مهرجان الشهيد , عندما إعتلى الإمام  الصدرالمنبر ثم توجه بخطابه الى الرئيس ياسر عرفات الذي كان حاضرا في مقدمة الصفوف : خذ علما يا أبا عمار...شرف القدس يأبى أن تتحرر إلا على أيدي المؤمنين الشرفاء.

وبعد عشرين عاما من أوسلو وأخواتها ورحيل الرئيس عرفات ,  وتحرير التراب اللبناني بالروح الصدرية الثائرة, تنتصب فلسطين الحبيبة مثل صلاة خالصة لا يدركها إلا من صفا قلبه وخلصت نيّته,  وكأني بالإمام الصدر بعد 34 عاما  من صرخته تلك  رغم الأسر والغياب, مازال  يرتل من شرفات الغيوب على أسوار القدس ابيات الحلاج المتهجدة: ركعتا عشق لا يصحّ وضوؤهما إلا بالدم. 

 

ظل ألإمام موسى الصدر رئيسا للدبلوماسية الدولية للحركة الإسلامية حتى غيّب في سجون النظام الليبي قبيل انتصارثورتها في ايران عام 1978. وقد كان له دور كبير عبر جولاته العالمية لشرح القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني وتأمين الدعم لمشروع المقاومة على امتداد الوطنين العربي والإسلامي. ولم يفته أن يرصد مبكرا بنظرته الثاقبة الميول الإستسلامية وقد بدأت تتململ متلطية خلف  "مبررات واقعية"  لدى الأنظمة العربية العميلة فرفع صوته: علينا أن نسعى لكي نبقي إسرائيل عدوّة. وكأن كلامه تصريح صحفي أدلى به بالأمسى لأجلاف الحكام الذين صارت تربطهم باسرائيل مودة ومعاهدات  مكنت الصهاينة من الإستفراد والتنكيل بالشعب الفلسطيني الأعزل. والسادة الحكّام صم, بكم, عمي فهم لا يعقلون. 

 

عندما حوصر الإمام الخميني في قم من قبل رجال السافاك وبعض علماء الدين الرجعيين,  لم يتأخر السيد موسى عن رفده بحملة دولية شملت دولا عربية واسلامية ووصلت الى حاضرة الفاتيكان. وقد أدت تلك الحملة إلى  خضوع الشاه بخروج السيد الخميني  سالما من قبضته الى منفاه العراقي.

وأدت أيضا الى فضح الشاه وإظهار وجهه الديكتاتوري البغيض, فسارع الديكتاتور الى تجريد الصدر من  جنسيته الإيرانية. هنا تجلّت  معجزة السيد موسى التالية ذلك اليوم العصيب حين خرج الى الصحافيين مطلقا صرخة التحدي بعدما سأل عن ردة فعله إزاء نزع الشاه لجنسيّته قائلا وبثقة لا يعتريها الشك:

 

سننزع منه عرشه بإذن الله.

 

في هذه الأثناء كان الإمام محمد باقر الصدر في حوزة النجف  قد أتم أطروحته الكاملة للمشروع الإسلامي . فصار للمسلمين أسفارا كاملة في مقارعة الفلسفة الماركسية والرأسمالية العالمية  وصار لدولتهم  تصورا فقهيا وقانونيا جاهزا وواضحا عبر سلسلة الروائع البديعة:

فلسفتنا, إقتصادنا, "مجتمعنا", الأسس المنطقية للإستقراء, المدرسة القرآنية , البنك اللاربوي في الإسلام .

إلا أن النظام العراقي بالتعاون مع الشاه سارع الى التضييق على حوزة النجف الأشرف ومحاصرتها للحد من خطر حركتها السياسية. وأدت تلك السياسات البعثية التسلطية ضد الحوزة العلمية الى تقييد حركة الأمام باقر الصدر فيها وإخراج الإمام الخميني منها حيث غادرها نحو تركيا ومنها الى فرنسا. ومن هناك بدأت الثورة تأخذ شكلها المثلث الأضلاع. فكان الإمام الخميني رأسها وملهمها وكان الإمام محمد باقر الصدر فيلسوفها ومطبخها الفكري والسياسي في حين ظل الإمام موسى الصدر بلا منازع رئيسا لدبلوماسيتها  ومنسّقا لحركتها عبر العالم.   

برز المشروع الأمريكي وسعى  للتصدي  والقضاء على هذا النهوض الجديد للمشروع الإسلامي  طلبا لتصفية القضية الفلسطينية  وصونا لنظام الشاه المستكبر, الذي كان شرطيا مهابا يصون المصالح الأمريكية في المنطقة ويخضع رقاب حكام أنظمة العرب بلا استثناء. فكان لابد من كسر كل أوبعض اضلاع مثلث الثورة:

 

موسى الصدر- روح الله الخميني-  محمد باقر الصدر.

 

وأيقن الأميريكيون أنه لابد من البدء باسكات صوت ذلك المثلث  ومنبره الحر العالمي المتحرك عبر إخفاء الدينمو  موسى الصدر العقبة الكؤود في وجه المطامع الإسرائيلية   والسد المنيع أمام المشاريع المشبوهة وعلى رأسها  توطين اللاجئين الفلسطينين تمهيدا لوأد قضيتهم. فغياب  الصدرعن لبنان سيفتح  الساحة لكل الذئاب: ستمر علينا محن ونعيش في عالم تملأه الذئاب. وسيكون لغيابه أسوأ الأثار على حركة الأمام محمد باقر الصدر المحاصر من الخارج بالبعث المجرم ومن الداخل بالعقول المتحجرة والأنفس المريضة.

أما السيد الخميني فسيزداد ثكلا بعد استشهاد ابنه البكر مصطفى  بفقد "ابنه الروحي" موسى الصدر, يده ولسانه وسفيره الأنبه والأوفى على امتداد الدنيا.

(يتبع)







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز