رياض هاشم الأيوبي
riadhayyoob@gmail.com
Blog Contributor since:
11 January 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الى العراقيين في الداخل ... فقط

 في إهداء خاص للسيدة التي تنتظر مقالاتي، لغاية هذا التاريخ،لا زالت، ولكل القرّاء والقارئات ممّن أثقلت عليهم سوداويّتي وراديكاليتي المفرطة ، ولكل القراء الأكارم ممّن طالتهم تعليقاتي على عرب تايمز وهم أفضل إنتماءاً ممّا إفترضت فيهم، إنها ضريبة الإنتماء وآلام التعاطف وحب الوطن، إنها ضريبة الكتابة من خلف ستار، إنها نتيجة تجاوزات الغير، نضطر أحياناً لإستيفاء الحساب من أول شخص يصادفنا ، وهو يطلّ من نفس الكوّة، نحسبه فلاناً من الناس.. تحياتي وإعتذاراتي للأخ علي بهبهاني والأخ (ظاهر) وللأخ عماد الرز، ولكل من ينشد الحقيقة ولا ينفر من سماع ما هو جديد  ..

هذه السطور وما سيليها بالمقالات اللاحقة، موجهة للعراقيين ممّن هم مقيمون بالداخل لا زالوا، على وجه التخصيص، ومن ثم لبقية القرّاء ممّن سيجدون الكثير ممّا أبشّر به هنا، متوافراً في البيئة التي إستقروا فيها، بشكل أو بآخر، وهي خواطر مقارنة تفاعلية  ومتألمة، عن رؤيتي لبلد مجاور للعراق، إستحضاراً لرحلة أجراها رحّالة هندي قبل قرنين من الزمن، خواطري قد توازي خواطره، ومقامي في بلاد الترك قد يوازي مقام الرحّالة الهندي أبو طالب خان ( هذا إذا إستثنينا تأخيراته بالسفر البرّي على ظهور الدواب آنذاك)،  تلك الرحلة التي زار فيها جنوب أفريقيا وإنكَلترا وأيرلندا، وفرنسا وإيطاليا ومن ثمّ تركيا ، وقت الإمبراطور سليم ، وتفصّل ببعض مما لاحظه وسجّله من عادات وطبائع وأحوال الدوائر والبريد وتفاصيل باب الهمايون( السلطاني)، في القسطنطينية و في بقية مدن تركيا التي مرّ بها ، في طريق عودته من القسطنطينية إلى ديار بكر ونصيبين ومن ثم الموصل وبغداد وكربلاء وصولاً إلى النجف وسوق الشيوخ والقرنة . كانت رحلة غنيّة بالمشاهدات و ووثق الرجل فيها الكثير من الأمور التي شاهدها آنذاك. في مقابل ذلك، فقد تيسر لي  خلال السنين الماضية، زيارة القليل من المدن التركية، لكن الملاحظات التي تولدت لديّ تختلف عن ملاحظات "أبو طالب" فيما يخص تركيا بالذات، الزمن مختلف كلياً، وما كان يثير إهتمام أبي طالب ليس له علاقة بما يهمني، أنا لا شأن لي بالملوك والأمراء، ولا السفراء ولا طرق تقديم الطعام،  أنا يهمني أن أسجل نقاط الإختلاف بيننا وبينهم بدون تحيّز ، يهمنّي أيّ شيء له علاقة بالعراق ويمكن الإستنارة به لتحسين أمورنا، ولو بالخيال فحسب.

.. كم أتمنّى لو أننا نعي الدروس جيداً، ونسعى بصدق لتدارك ما فاتنا،لأجل أجيالنا المقبلة ، ليس لأجلنا، فنحن حفنة أجيال هالكة عاشت سنين "النكبة" ، ومن ثم إستبدل أحدهم الباء بالسين ، بعد النكبة بأقل من عشرين سنة، فلم نعد نقوى على رفع رءوسنا. كتلك البيادق كنا، على رقعة شطرنج خاوية ، محكومة بالسير للأمام ، بلا خيار لتغيير الإتجاه، لكن كلّ شيء كان يسبقنا، لذا كنا نعود للوراء بحقيقة الأمر، الموضوع نسبيّ بحت ، قطع خشبية طافية، فلوتسام وجيتسام ، تتقاذفنا الأقدار والتسييرات، لكننا تلقينا اللوم والملامة بدلاً من ذاك الذي أبدل الباء بالسين!! .. عريضة دوماً كانت آمالنا ، وإرادة الحياة كانت تصطرع بدواخلنا مع الرغبة بالموت دفاعاً عن القيم الشريفة التي أجهد أهالينا أنفسهم لزرعها فينا، لكن في النهاية، لم نحقق أيّاً من تلك الآمال، ولم نفلح إلا بالموت في سبيل الوطن، لكن سيل الملامة لا زال كما هو، سيلٌ لا يعرف أن ينقطع ! 

 أنا لا أحسب أنني بحاجة هنا لنقل ستاتستيكيات كثيرة لإثبات وجهات نظري ، ليس بعد إفتتاح القناة التركية الرائعة مؤخراً (TRT )، فهي تحكي كل شيء عن الحياة التركية، وتوفّر مدخلاً لرؤية تركيا من خلال الشاشة، مجاناً، لكن تبقى هناك بضعة أمور سجلتها ذاكرتي وأحبّ أن أوضحها هنا.

 للوصول إلى أنقره، قدوماً من الحدود العراقية ، عند نقطة (إبراهيم الخليل-الخابور) الحدوديّة ، تحتاج للمرور بماردين وديار بكر ، وعندها ستسمع اللغة العربية التي يحكيها أهالي هذه المنطقة ، كانت ملاحظاتي مستقاة بالتحديد ، من الأخ عبد الله أكَار، في مطعم دنيا الكباب ، في بداية شارع "إستقلال"، هو وزملائه الماردينيين الذين أمطروني بالأسئلة عن مصيبة العراق ودور فلان وفلان عشية دخولي لمطعمهم المتميّز ، في الواحدة ليلاً أول وصولي لإسطنبول، أنا في الموصل لم أتمتع بأيّ مشوار ليلي منذ العام 2005 ، الحياة الليلية هي مواجهة التلفزيون بالبيت، لا أكثر، لا زيارات ولا مطاعم ولا نزهات، فتلك نسيناها منذ أمد طويل  .

أنت لا تجد العرب الأتراك من أهالي  ماردين وميرسين وأورفا وغازي عنتاب وبقية المدن الجنوبية من تركيا، لا تجدهم إلا مندمجين ببنية البلاد ، من دون أية مشاعر بالإنفصال أو الشعور بالظلم ، تركيا هي القيمة الأعلى ومصدر الشعور بالفخر لجميع المكوّنات، وهو درس ينبغي لنا أن نتعلم منه الكثير . أتذكر يوم وصلت إسطنبول بالطائرة ، قادماً من أنقره ، كان الوقت ليلاً قبيل هبوط الطائرة ، وعندما تمايلت الطائرة لليمين وهي تستدير تمهيداً للهبوط في مطار كمال أتاتورك ، نهض العديد من الركاب الأتراك ، ليتحفوا نواظرهم بمناظر المدينة الرائعة التي هي قبلة أنظار الأتراك جميعاً وطموحهم للزيارة ، أو السكن والعمل فيها ، كانوا كالأطفال الذين يلمحون أنوار مدينة الألعاب لأول مرة، رغم كبر سنهم ، إبتساماتهم وعيونهم المبحلقة للبعيد حكت الصورة ، فإسطنبول بالنسبة للأتراك ، هي طموح الطموح ، وقمة تحقيق الأحلام.  يقول صديقي "بديع" ، من ميرسين، بلهجته العربية المميزة ،يقول لي أن البلغار واليونانيين عندما يحكون عن إسطنبول ، فهم يقصدون بلداً ، كياناً ، وحضارة ، كما لو كان مجمل تركيا شيئاً ، وإسطنبول وحدها شيئاً آخر.. يقول "بديع" أنّ البلغار وبقية الأوروپيين الذين يفدون على إسطنبول لا يكترثون ب" أدرنه" ولا بأية حاضرة على الطريق بين حدود بلدانهم وإسطنبول، فكل ما يهمهم هو بلوغ ساحرة المدن هذه. المدينة تضم خمسة وعشرين مليوناً من البشر الساعين في مناكب المدينة وهم يعبرون من جانبها الآسيوي يومياً ، للعمل في الجانب الأوروبي ، من الصباح الباكر حتى نهاية النهار، يكاد أن يختنق بهم جسرا المدينة المعلقان، ببنيتهما المذهلة وهما يظللان مياه البوسفور ، جيئة وذهاباً ، وعدادات تحصيل تعريفة العبور تعمل دوماً،  مع الحافلات السياحية الكبيرة ، بدون توقف، لتجنب التأخير . ولا يقتصر عبور الجانبين على النقل البري عبر الجسور المعلقة بل يتعداه لليخوت البحرية كذلك، فهناك مواعيد ملزوم الإيفاء بها، جامعات ومدارس ومصانع ومختلف أشكال المصالح .إحدى الشركات والتي هي بقصد الخصخصة حالياً، تنقل مائة وواحد مليون راكب سنوياً، وسبعة ملايين سيارة كذلك.

يعرف كل من له دراية بجو تركيا ومناخها، كم هو تنوّع الفصول في عموم تركيا ، والرحّالة أبو طالب لم يتعارف مع المقولة التركية الشهيرة عن إسطنبول (ثلاثة لا يمكنك أن تثق  بها، نساؤهم ،عملتهم  و جوّهم )، فأنت تشهد تقلبات طقس عجيبة أثناء تواجدك في إسطنبول ، البحر يجلب أموراً كثيرة، وعندما تسافر من إسطنبول إلى ديار بكر بالحافلات ، تمر بمناطق تسبق "ملاطيا" و"قيساري" ، تتباطأ فيها حركة الحافلة بشكل مخيف، لفرط ميل الطريق الجبلي صعوداً، ولفرط البرودة وتراكم الثلوج ، ثم تعقبها مناطق يصعب عليك الإحتفاظ بالمعطف دون أن تتعرق ملابسك ، و تحتاج لمعطف مطري كي تترجّل من الحافلة عند الإستراحة، في مناطق أخرى! . يقول لي زميل رحلتي الأخيرة، "بديع المرسيني" أنهم يزرعون الطماطة إثني عشر شهراً بالسنة، فمدينة ميرسين لا تعرف البرد ولا شغل لها بأجهزة التدفئة ، بخلاف " أماسيا" ، مدينة التفاح شمالاً، أو "ملاطيا" ، مدينة المشمش واللوز . برأيي الشخصي ، فإن طول طرق السفر لديهم وتباعد مدنهم ، قد ساهم (من ضمن مسببات أخرى طبعاً) بإلجاء الأتراك إلى تنظيم أمورهم هكذا وعدم ترك الأمور على علاتها لحثالة البشر من سوّاق الپاصات الذين نعرفهم هنا ، يديرون النقل البري وفق ذوق- سزيتهم التي نعرفها ، لقد فعل الأتراك كما يفعل الغرب الأوربي الذي يطمحون لإكتساب هويته... هذه مسافات لا ينفع معها التحمّل وحبس البطون ،لا ينفع معها التثويل وعبارة( مشّيهه) أو (شكّل)، تلك المفردات التي (طيّحت حظنه) كما نقول. الحافلات عندما تعطل، تقصد محطات صيانة على الطريق وداخل المدن ، لا مجال لقطر السيارة أو تركها معلقة على الطريق ، ولا ترك المسافرين يتدبرون حالهم بأنفسهم، إنه عمل شركات عريقة، هناك بطاقة تحوي مسارات وتوقيتات وتمثل حقوقاً ينبغي الإيفاء بها،البطاقة هي عقد تخادم، له شروطه وله حقوقه وإلتزاماته، وقد حكيتُ بعض ذلك قبلاً بمقالات( غسل العار التركي) و (شكَد خطيّه إحنه العراقيين ....Poor Poor Iraq)،و(سهوليت)، ومنها ما حكيته عن نشاطات طواقم الحافلات هذه وخدماتهم .

البلد موحّد بثقافة عامة مشتركة ،ليست أنظمة النقل والمواصلات هذه فحسب، اللغة تعمل في كل مناطقها، الكل يتفاهمون مع بعضهم سواء أكانت المحافظة عربية بالأكثرية كماردين ، أو كردية كشيرناق، أو تركية بحتة كأزمير وأنقره ، وأبسط تعبير عن وحدة ثقافة البلد هذه هي ما أسميها ب " ثقافة القرميد الأحمر"، أنت تجد القرميد الأحمر في المدينة وفي الريف، على الأكواخ المنفردة وسط الحقول، وفوق سطوح أرقى الفيلات والقصور ، ليس لأغراض التباهي والتعبير عن الغنى والرخاء، بل لملائمته الوظيفية لجوهم الذي يستنزل الثلوج على سقوف الأبنية ولأشهر طويلة،نحن نستخدمه لأغراض مخالفة، كما حكيت هنا. ومثل ذلك هي طريقة تغليف قباب ومآذن المساجد برقائق الألمنيوم ، الوظيفة تأتي أولاً، ومن ثم الجمالية التي لا غنى عنها. قد يجد البعض أن مناراتهم موحّدة أكثر مما ينبغي، وأنّ التنوّع بالهندسة المعمارية أفضل، لكن أنا وجدت العكس هو الصحيح، هناك تنوّع وتباين في الجزئيات، لكن ضمن قالب عام يمثل هوية مميّزة . لقد إكتسبت تركيا مهاراتها في تشييد الجوامع وفق هندسة إشتهر بها المعمار سنان ومن أعقبه من عباقرة الهندسة المعمارية منهم.

، ومثل ذلك، نمطية وتكرار أنموذج رصف الشوارع الداخلية والفرعية بالحجر ، بدلاً من التبليط بالإسفلت ، فأنا أحكي عن بلد يفتقر للثروة النفطية، بخلاف حالنا نحن! نحن الذين كنا نبلط الأرصفة بالإسفلت، ونترك الحفر التي تحتاج لبضعة كمشات من الإسفلت،لا أكثر،تنمو وتنمو، لتبتلع السيارات بالنهاية، كما كان يتندر الفنان الكوميدي محمد حسين عبد الرحيم في "إستراحة الظهيرة" ، ولازالت هذه النذالات الإدارية مستمرة لغاية اليوم وبنجاح ساحق ماحق!! هذا حالنا نحن، أهل النفط واللفط ، هم ليس لديهم نفط ولا محكَان ، لكن لديهم مترو، ولديهم ترام وَي !!، ما نحلم به نحن منذ قرون!! لديهم ترام وَي مع أرضيات بهذه البساطة .

 ومثلها أيضاً، نمطية المطاعم على الطرق الخارجية ،إستراحات على الجهتين ، تحوي مطعماً وأسواقاً موسّعة ومحطة وقود ومسجد ، ودورة مياه صحية مسيطر عليها وبتعريفة متواضعة لكن مع نظافة مميزة، الشيء الذي لم نفلح بتحصيله مطلقاً !!، هذا بلد نجح بالتوصل للتفاهم المشترك والتأسيس لأنماط موحدة فيما يخص مرافق الحياة وتفاصيلها ، وهو نجاح كبير بنظري، بالنسبة لتعدد الأعراق فيه. لديهم ميل موحّد لوجبات الشاورمة( يسمونها " دونر")، وترى الرز بالحمص المسلوق يباع بعربات نقالة ، داخل قفص زجاجي ، طبق شعبي ، له شعبية "السميت" ، تلك المعجنات الدائرية المكسوة بالسمسم ، وشعبية الكستناء المشوية في شوارع تركيا ، تلك التي لا يتنازلون عن بيع الكيس الصغير منها بأقل من خمسة ليرات ، مهما ساومت وعلى البائع ألححت!

....  ومن تلك الأكلات الشائعة لديهم، حبيبات الذرة المسلوقة ، يسمونها "مِسِر" نسبة لمصر ، فهي الذرة المصرية لديهم ، يضيفون لها الزبد والملح والصلصات المنوّعة.نحن لم نستفد من الذرة إلا بالشاميّة، الپوپ كورن، بينما ترى السوريين والأردنيين والأتراك يشيعونها موسماً يجعل ذكرى الشتاء محببة وأثيرة .

في حافظتي صورة لبائع السمك المقلي ، سمك بحجم السردين ، كالذي يصطادونه من على الجسور في إسطنبول، لكنها مهنة تعيل عوائلاً  تركية وغير تركية في هذا البلد الذي لا تجد أهله قاعدين بإنتظار الرزق !

 لاحظت وقتها نظافة مفرطة في موجودات العربة وإستخدام العامل للقفازات الصحية ، أنا أحكي عن  ساحة بيرم باشا في منطقة "أولوس" ،مركز العاصمة ، شيء أشبه بالعلاوي أو النهضة في بغداد ، محطة إنطلاق الحافلات المركزية ، والتي تنقل الناس لمختلف مناطق العاصمة، وهذه اللقطة ذكرتني بمحل قلي الأسماك في منطقة الميدان لدينا، وكل محلٍ آخر ،زيت لا يشبه الزيت، فعمره يعود للحقبة الدقناووزيّة الثانية، وكثافته أثقل من الماء الثقيل، والرائحة،!! يا لها من رائحة!!لقد كنت أحسب أنني أعرف طعم السمك المقلي إلى أن تناولته في تركيا، وأدركت أنني لم أتذوق طعم السمك المقلي طيلة حياتي على حقيقته ، مطلقا، ومثله الدجاج المشوي في المحلاتً  .

 يوم تزورون مدن تركيا، ستلاحظون صفاً من العوارض الحديدية المسبوكة ، تنتشر بأعداد مهولة على أرصفة الزقاق ، منفذة وفق پروفايل ( مرتسم) هندسي مناسب جداً للغرض المرجو منها ،على أرصفة كل المدن التركيّة ، قارنتها من فوري بأعمدة هزيلة  تزخر بها منطقة الجامعة بالموصل، أعمدة مبالغ بطولها ، مصنوعة من أنابيب معدنية تشكو من هزال مثير للسخرية، قطر لا يتعدى الإنج الواحد و طول يقارب المتر، بنية يبدو عليها سوء تغذية وإنعدام تقسية ، تم لحامها ببضعة قطرات من مادة اللحام ، مع قاعدة مربعة أشد هزالاً من الأنابيب، إصطلحت على الإثنين تسمية الثنائي (سعيد ومبارك) تأسيّاً بالمثل المصلاوي الشهير ذاك !!... لم تستغرق إبتكارات ما بعد الحرب هذه ممّا يتم إزهاق ميزانية المحافظة لسنين متعاقبة ، هي وأعمدة الإنارة بالطاقة الشمسية تلك الأخرى ، لم تستغرق أياماً لتستشهد و( تاخذ كرونه أم التكييف)، مجرد بضعة رفسات عابثة من الصبيان، ومداعبات من مقدمات السيارات، أسقطتها أرضاً وخلعت لوالبها من الأرض، بينما لم أجد طيلة تجوالي في مدن تركيا إلا واحدة فقط، من أصل ملايين ربما، فقدت بعض لوالبها !! هل تعلمون أن إمتلاك ذاكرة قوية وپانوراميّة القدرات هو أمر مؤلم بقدر ما هو ممتع ومفيد؟ إنه يجعلك تتذكر آلام الجراح المبكرة والأحزان البعيدة، فتصرخ من أعماقك، ويتلفت الآخرون إليك، يحسبوك معتوهاً أو ممسوساً أو مصاباً بالصرع!! لقد تذكرت فور رؤيتي لهذه الموانع المسبوكة ، إعلاناً صادراً من أمانة بغداد، وتم نشره في الجرائد الرسمية مطلع التسعينات إن لم أخطئ التاريخ، كان بعنوان( على من عثر على)، يخص كذا مائة ألف فتحة منهول من الحديد الصب(!!؟؟) ، سدادات دائرية خاصة بقنوات الماء والكهرباء والهاتف، فقدت هكذا، ولا أحد يعرف كيف، لكن من المؤكد أنّ أهل الأفران التي تصهر المعادن في أطراف المناطق الصناعية كان لديهم الخبر اليقين عن مصيرها ؟؟!! ومثل ذلك أسيجة الطريق السريع من المشبك والعوارض الفولاذية التي تكلفت ثروات من الذهب لتوريدها وتأسيسها، لكن الأرضة البشرية قضمتها قضماً!! هذا بعض ممّا أحكي عنه، يوم يكون أخوك المواطن هو عدوّك، قبل السلطة وقبل غيره ، يوم تنتشر ممارسات تسيء لحياتك ولبلدك ، من أناس لا شغل لهم بالسياسة ، لكنهم أسوأ من أعتى أولئك الساسة .

ما الذي يحصل لدينا؟ ما هي هذه اللعنة التي نزلت برءوسنا؟

أعتقد أنّ السبب هو نفاق الإدارات وعدم صدقيّتها، أعتقد أنه يمت بصلة إلى (إحتقار) بعض العلوم والتركيز على غيرها لأسباب ماديّة أو كشخويّة ، هناك ميل واسع وعميق لإحتقار الفن وعلم النفس والإجتماع مثلاً، والإستهانة بدروس الدين كذلك، هذه مواد دراسية وتخصصات جامعية لا تنالان حقهما من التركيز والإحترام ومردود العطاء الحكومي كرواتب وتقدير وثقل معنوي، مقارنة بالرياضيات مثلاً، والفيزياء والكيمياء ، لم نمرّ في حياتنا بمدرس للرسم يعطي اللون والشكل حقهما ولم نلمس جديّة تجاه هذه المواد رغم حاجتنا الماسّة لعصارة هذه المواد وأنتم تعرفون عمّ أحكي هنا ، وستعرفون الفرق يوم ترون ما أرى هنا، لقد بقيت تصاميمنا الخاصة بدوائر الدولة والمدارس والمستشفيات غبية وعنيدة، تكرر نفسها بدون أيّ تطوّر ،بفعل إفتقادنا لجمالية المنحنيات وتناسق الألوان وتأثيراتها، بقينا لا نجيد سوى إنشاء مدارس ودوائر حكومية ذات أشكال صندوقية، تدين بإعجاب طفولي بالكنتور ، وبالتابوت، وبالحصالة، وبغسالة الملابس والطباخ!! وبقينا مدمنين على ألوان تمت للحمامة والحمار والكلاب والقطط ، لم نستسغ الألوان الفرايحيّة تلك، مطلقاً. يوم طرحت فكرة ألوان ديكور كالبنفسجي مع الأسود والبرتقالي مع الزيتوني، على مهندس معماري منهم ، ضحك بشكل هستيري ، أعتقد أنه حسبني من مثليي الجنس !! فالرجولة بنظره هي اللون البني ، أو الأزرق ،أو الرمادي ، ولا مجال للتفاهم في ذلك !!أنا أحكي عن ألوان وديكورات معرض ، ليس عن لون بدلة أو بلوزة رجالية!!

بقيت شوارعنا هي الأخرى، ضيقة جداً ،ومحلات البعض من الباعة هي مجرد فراغ تحت الدرج ، أو مجرد مساحة مسروقة من ربع واجهة محل !!، المساحات الضيقة لا تعني سوى ضيق النفس والنفسية واللؤم والإستئثار ، وضيق الجيب وضيق اليد ، اليد التي يفترض بها سعة العطاء ، الألوان الفرايحيّة والمنحنيات في خطوط البناء، كلها تجعل الوجه مبتسماً والنفسية مستبشرة، تجعل التعامل حضارياً. هذه بالذات، لم يفهمها المهندسون والمسئولون عن تخطيط المدن والأحياء السكنية والأسواق، سوق البهارات المصري في إسطنبول إستغرق بناؤه أربعة سنين ، ويحار المرء كيف يقارن بينه وبين أسواقنا المناظرة، فالمقارنة تبدو مستحيلة ،  السوق المسمى بالسوق المسقف، قاپالي چارشي ..( يعني قبغلي)، هذا السوق هو نتاج جهد وثمرة تفكير معماريين شهيرين ، يحتاج الزائر أشهراً متتالية ليكمله مع الإستيعاب الكامل لموجوداته ، ونظافة ممراته مذهلة، وهدوء الناس والباعة فيه أشد إذهالاً، و تحريم تجهيز الماء للمحلات وعدم  توفير سواقي له وسط ممرات السوق ، كما هي المصيبة لدينا ، هو أفضل ما فعلوه ..وتبقى تلك الأقوى، عدم وجود وحوش الترانسفورمرز  تلك، (العرباين) هي الأروع فيه، فهي مصدر عبارة (بالك بالك) البغيضة تلك !..............  يتبع







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز