موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
محمد باقر الصدر: عندما تجتمع الطهارة بالعبقرية 1

في إحدى الليالي من عام 79 كان الظلام يلف بيروت, استيقظت بعد منتصف الليل على صوت  ترانسيزتر, تتبعت الصوت المتموّج فأوصلني الى الفرندا, كان أبي يحتسي القهوة ويدخن مصغيا بقلق شديد لما يبثه الراديو الصغير.

 

طلب مني أن أجلس فجلست على كرسي بجنبه. هل تعرف يا ولدي اذا مرّت هذه الليلة على خير, فستكون حياتكم ومستقبلكم بخير انشاءالله.

 

كلام ابي دفعني للإعتقاد أنه يعني شيئا ما له علاقة بالحرب الأهلية اللبنانية التي كانت قد أنهت للتو سنتها الرابعة  مراوحة بين رصاص القنص والوقف الهش لإطلاق النار.

 

ويبدو أن والدي أحس بما يجول في رأسي الصغير, فتابع بنبرة متوجسة:  في هذه اللحظات تقترب  طائرة الإمام الخميني في طريقها  من باريس للهبوط في  مطار طهران الدولي, أدعو الله يا بني أن يحفّها بالسلامة, إنها تحمل معها آلام  وانكسارات أحلام جيلنا وتحمل أيضا آمال وإنتصارات جيلكم.

 

إن تلك الطائرة يا بني تحمل بين أجنحتها تاريخ الأنبياء ومستقبل الشرق النائم منذ قرون, فإذا حطّت بسلام فوق مدرّجها الطويل, فسوف يرحل الليل الطويل  في جنح الظلام, وستشرق الشمس بنور ربها على شرق جديد.

 

كان صوت أبي يتهدج في الهزيع الأخير من الليل, بينما عيناه معلقتان  ترعيا نجوما متألقة في السماء البعيدة. 

في اليوم التالي كنا نوزع في المدرسة صورا كبيرة  للإمامين روح الله الخميني  وموسى الصدر إضافة الى صورة صغيرة للسيد محمد باقر الصدر وقد كتب تحتها:

 

" ذوبوا في الإمام الخميني, كما ذاب هو في الإسلام".

 

كان عرسا كبيرا متواصلا إلتحمت فيه فرحة الجماهير اللبنانية- الفلسطينية. أما عندما وصل نبأ رفع علم فلسطين فوق السفارة الإسرائيلية في طهران  فقد كدنا نصاب بمس من البهجة المجنونة.

 

ملأت الزينة كل الشوارع وغمرت الصور معظم السيارات.

 

ولكن العيون الخبيثة  لم تكن نائمة, فالبعث العراقي ينتشر في الجسم اللبناني مثل السرطان, فيما تهيمن منظماته على معظم المؤسسات.

 

كان صدام وقتذاك قد اسس في لبنان  مليشيا طلابية  سماها " كفاح الطلبة"  لتكون واحدة من أعتى العصابات المسلحة التي تضم في صفوفها طلابا بعثيين كانوا يأتون الى المدرسة بكامل أسلحتهم وقنابلهم.

 

فكانت "كفاح الطلبة" تقيل الأساتذة وتعيّن المعلمين. وتأمر وتنهي وتفعل ما طاب لها فعله دون حسيب أو رقيب.  وكان طلابها  في الإبتدائية والثانوية يحملون تحت ثيابهم مسدسات أمريكية " سميث أند ويسون" ويبحثون بداع أو دون داع عن أدنى سبب للمشاجرة مع خصومهم الطلاب من ميول سياسية مخالفة لإستلال تلك المسدسات وإطلاق بعض الرصاصات في الهواء إظهارا لغطرسة القوة والسطوة.

 

لم تمض إلا أيام قليلة على نجاح الثورة الإسلامية في إيران حتى بدأ البعثيون في المدارس بحملة كراهية منظمة يتخللها إستفزاز التلامذة وتمزيق الصور وطمس الشعارات الإسلامية..

 

لقد كان كل شيء يوحي بأن الحرب الباردة بيننا وبينا جلاوزة صدام لن تلبث إلا أن تصبح ساخنة..  ففتائل الأجواء قد تحضرت لكل تفاصيل الإنفجار بانتظار عود الثقاب الذي لابد وأن يقدح شرره في الآتي من الأيام.

                                         (يتبع)







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز