المستشار محمد سعيد العشماوي
saidalashmawy@hotmail
Blog Contributor since:
10 December 2009


كاتب ومفكر وقانوني عربي من مصر عمل قاضيا ورئيسا لمحكمة استئناف القاهرة ورئيسا لمحكمة الجنايات ورئيسا لمحكمة امن الدولة ... نشر اكثر من ثلاثين كتابا بالعربية والانجليزية والفرنسية منها الاسلام السياسى – اصول الشريعة – الخلافة الاسلامية – ديوان الاخلاق – العقل فى الاسلام – الاصول المصرية لليهودية واهم كتاب له بالانجليزية طبع عدة مرات ويباع في الاسواق والمكتبات الامريكية كما تجده على موقع امازون للكتب وعنوانه

Against Islamic extremism

هذا فضلا عن عشرات المقالات التى نشرت في اشهر الصحف والمجلات العربية ومواقع الانترنيت

 More articles 


Arab Times Blogs
تطوير التراث ج1

أ- فى العصر المسمى بالجاهلى ، قبل الإسلام ، إستغرقت القصائد كل المعانى المعروفة لدى العرب الأوائل فى شبه الجزيرة العربية ، بل استهلكت هذه المعانى تماما ، حتى أدرك الشعراء أنهم لا يقدّمون جديدا ، ولا يأتون إبتكارا ، إنما يعيدون ما فات ، ويكررون ما سلف .
وفى ذلك يقول الشاعر عنترة بن شداد العبسى (المتوفى 615م) :
هل غادر الشعراء من متردم
    أم هل عرفت الدار بعد توهم ؟
أى إن الشعراء لم يغادروا موقفا معينا قط ، ولا معنى واحدا أبدا .
ويقول زهير بن أبى سلمى (المتوفى 615م) :
ما أرانا نقول إلا مُعارا
    أو مُعادا من قولنا مكرورا

وقد حدث إبتكار لبعض المعانى فى العصر العباسى ، إبان شدة الحضارة الإسلامية ، وفى الغالب نتيجة للإختلاط بالفرس والروم وغيرهم ، والإطلاع على آدابهم وأشعارهم ؛ غير أن الشعر العربى ظل على الدوام حبيس قالب واحد ، سجين أقوال مُعارة (أى كاذبة) أو معادة (أى قديمة) .
ب- كان الإسلام فى مكة دعوة ، وصار فى المدينة نظاما ، ثم أصبح فى بغداد حضارة . وهذه الحضارة قامت على جهود المسلمين ، من غير العرب غالبا ،وجهود غير المسلمين ؛ فقد إلتقى فى بغداد العربى والفارسى والتركى والصقلبى والرومى والهندى والبربرى والنبطى والتتارى وغيرهم ، ومنهم المسلم والمسيحى واليهودى والصابئى والمجوسى والبوذى والهندوسى وغيرهم . وانتقل هذا التعدد الجنسى والمعتقدى إلى البصرة والكوفة ، وكان من مقتضاه نشوء وإزدهار الحضارة الإسلامية .
ولثقة أهل الحضارة فى أنفسهم فقد مالوا إلى الإنشاء والتجديد ، ولم يقتصروا على الإتّباع والتقليد ، وإن حدث ذلك بقدر قليل وتحفظ ملحوظ .
فبعد أن كان القرآن يُرتل وفقا لما جاء فى الآية (ورتل القرآن ترتيلا) سورة المزمل ، فقد بدأت القراءة بالتجويد لا الترتيل وحده ، ثم نشأت القراءات السبع ، أصحابها معظمهم من الموالى ، وبعضهم بدأ فى العصر الأموى ، وتجاوز بعضهم هذا العصر (وهم عبد الله ابن كثير ، وعاصم ابن أبى النجود ، وعبد الله ابن عامر اليحصى ، وعلى ابن حمزة أبو الحسن الكسائى ، وحمزة ابن حبيب الزيات ،وأبو عمرو ابن العلاء ، ونافع ابن أبى نعيم) .
وحدث جمع للأحاديث ، بعد مرور أكثر من قرنين على وفاة النبى (صلعم) فى صِحَاح وسنن أهمها صحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن الترمذى .
ووُضع علم النحو بواسطة أبو الأسود الدؤلى (فى العصر الأموى) ثم نضج وصار علـْما فى البصرة والكوفة على يد مجموعة منهم سيبويه (أبو بشر عمرو ابن عثمان) والكسائى (على ابن حمزة) والفرّاء (أبو زكريا يحيى ابن زياد الفراء الديلمى) وابن السكيت (أبو يوسف يعقوب ابن اسحاق) ، والخليل بن أحمد (أبو عبد الرحمن البصرى الفراهيدى الأزدى) وغيرهم .
وفى الموسيقى حدث إقتباس لمقامات وألحان (أصوات) من الموسيقى الفارسية والرومية . (وحتى الآن فإن مقامات الموسيقى العربية والمصرية ذات أسماء فارسية مثل الراست ، والجهار كا ، والنهاوند) ، وزاد الإقتباس حتى وصل إلى الموسيقى الهندية والمصرية (الفرعونية) ، وأدى ذلك إلى إنشاء مقامات وألحان جديدة ، حتى إن شخصا يدعى يحيى ابن مرزوق المكى ألف كتابا فيه من الأصوات (الألحان) 12000 (أثنى عشر ألف) صوت ، شاع بين الناس .


وظهر الفقه الإسلامى مستقلا فى علم خاص به ، أئمته أبو حنيفة النعمان ، ومالك ابن أنس ، وأبو عبد الله ابن إدريس الشافعى ، وأحمد ابن حنبل .
وبدأت كتابة السيرة النبوية ، كتبها محمد ابن إسحاق وعنه كتب عبد الملك ابن هشام ثم كتب غيره .
وظهرت علوم الفلسفة ، ومن أعلامها الكندى (أبو يوسف يعقوب ابن إسحاق) والفارابى (محمد ابن طرخان) وابن سينا (أبو على الحسين ابن عبد الله) ورسائل إخوان الصفا ، إلى غير ذلك .

وقد دخلت إلى اللغة العربية ألفاظ مستحدثة مأخوذة من علوم منقولة عن غير المسلمين فمن الألفاظ الجراحية : الفسْخ الهتك والرص والخلع والفتق وغيره ، ومن الفاظ الأمراض : الصّداع والصّرع والتشنج والسرطان والذبحة والبواسير وغيرها . ومن الألفاظ العلمية الأعجمية : البقدونس والزيزفون والمصطكى ، والبنج والزرنيخ والأسفيداج والقولنج والترياق وملنخوليا ومارستان والصابون والبوتقة والإسطوانة ، ومن الألفاظ الفلسفية : الهيولى والفلسفة والطلسم والمغناطيس والقاموس والقانون وغيرها .
ودخلت على إستعمال اللغة العربية تراكيب جديدة ، تأثرا بمثلها فى اللغات الأجنبية ، منها إدخال الألف والنون قبل ياء الموصوف فى بعض المصنفات مثل روحانى ونفسانى وعقلانى ، وتركيب الألفاظ مع لا النافية وإدخال أداة التعريف عليها مثل اللانهائية واللاأدرية واللاضرورة ، وصوغ الإسم من الحروف أو الضمير مثل : الكيفية ، الكمية ، الهُوية ، الماهية ، ونقل الألفاظ الوصفية إلى الأسمية مثل المائية والمنضجة والخاصة .

هذا قليل من كثير مما نتج عن الحضارة الإسلامية ، فقد تأثرت بغيرها من الحضارات ، وأخذت عنها ونقلت منها واقتبست مما فيها ، دون أن ترى فى ذلك حرجا أو سوءا . وشارك فى صنع الحضارة مسلمون وغير مسلمين ، فصارت حضارة عالمية ، هى بكل المعايير فخر للمسلمين وكنز للإنسانية ، غير أن غير الدارسين ، وغير الباحثين من الجهلاء والأميين لا يعرفون طريقة بناء هذه الحضارة ولا أسلوب إنشائها ، ولا نهج أدائها ، ولا هُوية الذين أسهموا فيها ، ومن ثم فهم يظنونها جزءا طبيعيا من التاريخ الإسلامى ووضعا عاديا من تطور المسلمين ، كأنه حدث دون جهد وعلم وإبداع .

ج- بعد الصدمة التى أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر (1798 – 1801) وعندما تولى محمد على حكم مصر (1805) قدّر أنه لابد لحماية مصر ، وصيانة أى نهضة فيها ، وحياطة شعبها من أى غزو ، أن ينشىء جيشا قويا على نمط حديث . وربما كان للمستشارين الفرنسيين الذين أحاطوا بمحمد على أثر كبير فى ترسيخ هذه الفكرة لديه (وأغلب هؤلاء المستشارين كانوا من جماعة سان سيمون المعروفة باسم السيمونية ، ذات النزعة الحضارية والإنسانية ، شديدة الإعجاب بمصر وحضارتها ، حتى من قبل أن تفض أسرارها التى استنطقها فك شفرة اللغة الهيروغليفية ، بواسطة الفرنسى شمبليون ، الذى وصل إلى ذلك من إستقراء حجر رشيد) .

وكان لابد من أن يتعلم القادة والضباط علوما مدنية خاصة ، كالرياضات والهندسة والفيزياء والكيمياء وغيرها ، حتى يتأهلوا لدراسة العلوم العسكرية الحديثة . ونتج عن قيام نظام مدنى للتعليم ، وزيادة أعداد المتعلمين وفقا لهذا النظام ، وتواصل البعثات إلى البلاد الأوروبية ، وفرنسا بالذات ، أن بدأت تنتقل إلى مصر أساليب وإنشاءات حضارية جديدة ، كان الفرنسيون قد شرعوا فى نقلها إليها أثناء وجودهم فى مصر . بهذا أنشئت القناطر والجسور والمصانع (حتى ولو كانت لخدمة الجيش) .

وعلى مر السنين أُدخلت السكك الحديدية (فى عهد سعيد) ، وأعيد تخطيط القاهرة ، وتم تحديث الإدارة ، ثم مُدت مياه الشرب النقية فى أنابيب (مواسير) إلى المنازل وأدخلت الكهرباء ، وبنيت العمارات والبيوت على أسس ونظم جديدة . ودخلت الإذاعة والصحافة والطباعة والمواصلات العامة (الترام والمترو والحافلات) ، ثم التليفون والتليفزيون والفيديو والأطباق الفضائية وغير ذلك ، مما جعل مصر (وكل البلاد العربية) تعيش بنفس الأساليب والأجهزة المادية التى يعيش بها كل الناس ، فى كل المدن المتحضرة . وكان ولابد أن يؤثر كل جهاز ، وكل وسيلة ، على عقول الناس وسلوكياتهم . فإستخدام الطائرة والقطارات يختزل الوقت ويوفره ، فيصل الشخص فى ساعات إلى ما كان يصل إليه فى شهور أو فى أيام ، وبهذا توفر لديه وقت إن لم يقتله قتله . وإستعمال التليفزيون غيّر فى العلاقات العامة ، وبدّل فى الطباع الشخصية وعدّل نظام المقاهى والأندية ، وأعاد تشكيل الأوضاع الأسرية . وهكذا ، فإن تتبع الأجهزة التى شاع إستعمالها لدى الجميع ، يؤدى إلى تكشف آثارها القريبة والبعيدة ، على الفرد والمجتمع ، فى العلاقات وفى المعاملات .

عن هذا الغزو المادى للأجهزة التى يستهلكها المصريون (والعرب) أكثر من أى شعوب أخرى (وفقا للنسبة المحسوبة بين عدد الأجهزة وعدد السكان) لا يتكلم أحد ، ولا يعترض معترض ، بل إن الكل صار يقتنيها ، وأصبحت فى ذاتها ميزة إجتماعية (Social privilege) يتبارى الكل فى الحصول عليها بل وفى تراكمها لديه . فى صورة مجموعة من التراكم السلعى (Commodity accumulation) .
هذه الشراهة فى التراكم السلعى الفعال فى الوضعية الإجتماعية ، إيجابا أو سلبا ، أثرت تأثيرا بعيد المدى فى الشخصية المصرية (والعربية) وزلزلت بل وقوضت كثيرا من التقاليد وأصولا من التراث . ولو أن الذين يتباكون على الغزو الثقافى كانوا مخلصين فى التباكى ، مجردين من الهوى ، لتنبهوا إلى هذه المسألة بالذات ، وخلـّصوا أنفسهم منها ، ثم عمدوا إلى تعديل التراث وعملوا على تبديل التقاليد ، حتى يكون الأساس فى تقييم الفرد وتقديره ، كفايته الذاتية وقدراته العلمية ومُكناته الأدائية ، لا علاقاته العامة أو صلاته العائلية أو تزلفاته الفردية . ولو أن هذا حدث (مع أن أداة الشرط هنا : لو، ترتبط بأداة الشرط هناك : لو أيضا) لأدى إلى إنقلاب ، أو بالأحرى ، إعتدال فى كل أنشطة المجتمع ، حيث يقر كل فرد فى نفسه ، فيعمل على رفع كفايته الذاتية وزيادة قدراته العلمية والعناية بمكناته الأدائية ، مما كان ولابد أن يرفع من شأن المجتمع والفرد ، سواء بسواء ، ويؤدى إلى تغيير محسوب وتعديل مطلوب فى التراث والتقاليد .

هذا الإتجاه وحده كفيل بخلخلة الشمولية الإجتماعية التى تفرض على الفرد كل حركاته وسكناته ، وتشل فيه أى فردية أو ذاتية أو إبداعية أو إبتكارية . فالتراث الشمولى وضع قـَبلى ، يكون نتيجة لوجود أو إستمرار القبيلة بمفاهيمها التى تفرض أن يكون كل فرد فيها مطابقا للآخر ، وأن تكون الطاعة شاملة كاملة لشيخ القبيلة (تحت أى إسم أو وصف كان) ، وأن يحرص الفرد والجمع على تراث القبيلة وتقاليدها ، بحسبان أن ذاتيتها وكيانها تتأسس وتتمحور وتتبلور فى التراث والتقاليد فحسب ، بحيث يعد أى مساس بها زعزعة للقبيلة وقلقلة لوضعيتها ، وقد يعتبر خيانة لها يقلل من شأنها لحساب القبائل الأخرى .
ويرتبط بالأسلوب القبلى ويتأسس عليه أن يتلقن الفرد تاريخ القبيلة ونصوصها الإعتقادية بتقدير شديد وتقديس مطلق ، فلا يناقشه ولا يعارضه ولا يحاول نقد أى حدث فيه أو أى نص منه ، بل يعمل على تبرير وتهوين أى خطأ وتجسيم وتهويل أى صواب ، حتى تصبح الصورة العامة لديه أمجادا فى أمجاد ، وهو نهج لابد أن يزرع فى ذات الفرد والجماعة عزوفا عن الحق ، وإنكارا لأى صواب ، وجنوحا إلى الكذب والتزييف والتزوير .

إن قولبة الفرد فى الطابع القبلى يجعل منه نموذجا ماديا وليس إنسانا حيويا ، فضلا عن أنه يضر المجتمع لأنه يعطى بعض الأفراد دفعات بغير حق ، ويضعهم فى مواضع لا يستحقونها ، لمجرد مالهم من علاقات أسرية أو قبلية ، مع أنهم قد يكونوا عاطلين من المواهب الحقيقية والكفايات الذاتية ، أو لديهم منها ما هو أدنى بكثير مما لدى غيرهم .
تحرير الفرد من النظام القبلى والسلوك القبلى هو أول خطوة وأهم دَفعة لإيجاد اتجاه سليم داخل المجتمع لتطوير التراث ضمن التراث ، بغير إستئصال له ودون إنقلاب عليه . فما فى مصر ، والعالم العربى كله ، فى الوقت الحالى ، إنما هو إستسلام كامل للغزو المادى للسلع الحضارية ، وإستعداء شديد على الحضارة ذاتها ، مما أوجد خصاما حادا داخل الفرد وفى صميم المجتمع ، إذ صار هذا وذاك ، منقسما على ذاته منقلبا على نفسه ، فهو منفصم (Schizophrenic) له شخصية نهمة فى إستهلاك الحضارة ، وشخصية خـَصمة فى تقييم الحضارة . ونتيجة لهذه المناقضة الحادة ، وُجد أشخاص يرفضون التراث كله مع أنه يسرى فى عروقهم ، وأشخاص يلعنون الحضارة بأكملها رغم أنها تجرى فى دمائهم .

ولو اتبع المجتمع منهاجا سليما لإيجاد الفرد الحر المتوازن ، الذى لا يشله التراث ولا تغله الحضارة ، فيصير صاحب نزعة إنسانية ورغبة كونية ، فإن أول ما يصدر عنه سوف يكون الوعى بالتاريخ ، بما فيه من ماض وما به من حاضر وما له من مستقبل .
هذا الوعى التاريخى جوهرى وأساسى لكى يوجد لدى الإنسان اتجاه للوجود فى التاريخ الذى ينساب عبر الأحداث ويتشكل من كل الأفعال ، وهو إتجاه يتطرق إلى أن يوجد عقلية تركيبية ، ترابط بين الأحداث ، وتناسج بين الأفعال ، وتنزع نحو المستقبلية . بهذه العقلية التركيبية يُعرض الشخص عن الثقافة اللفظية والثقافة السمعية ، وينفض عنه أسلوب الجمل المتراصة ، جملة بعد جملة وراء جملة ، إلى ما لا نهاية ، بغير بناء ودون تركيب . وهذا وحده كاف لأن يظهر جيل كامل يعمل على تطوير التراث بصورة متوازنة سليمة .
إن الجهد الفردى فى تطوير التراث جهد مشكور ، ومؤثر لا محالة ، غير أن التأثير الفعال بسرعة ، وعلى أبعد مدى ، هو ذلك الذى يحدث بصورة جماعية ، بوعى عميق وفهم علمى وأداء متكامل .

لاشك أن الشمولية الإجتماعية والنمطية الفردية توطىء المفاهيم إلى الأيديولوجيا المعتقدية وتوطد الأنشطة إلى الدكتاتورية السياسية . ومن كان من أنصار هذا الإتجاه أو ذاك ، أو كان مستفيدا منه ، أو كان معاشه عليه ، فسوف يعمد إلى الصراخ والجلبة ضد حق الإنسان فى حرية البحث (Spirit of Inquiry) وحق المجتمع فى حكم نفسه ، ومن ثم فإنه يشغب عليها ، مدعيا أن حرية البحث تؤدى إلى زعزعة التقاليد وقلقلة التراث . وأن حكم المجتمع لنفسه – فيما يُعرف بالديموقراطية – يُفضى إلى معارضة للتقاليد ومناقضة للتراث . وهذا الشغب يتناسى أن الغزو المادى الذى يرزح تحته ويسبح فيه ، يفعل فى التقاليد والتراث ما لا يمكن أن يصل إليه البحث العقلى الحر ، وحكم المجتمع لنفسه . هذا بالإضافة إلى أن إنكار حرية البحث على الإنسان إعدام لوجوده ، كما أن إنكار حق المجتمع فى حكم نفسه إبادة للإنسانية ، ليحكمها بإسم المُطلق فرد أو جماعة ، يفرضون ما يحقق لهم مصالحهم ويستبقيهم فى السلطة إلى ما لا نهاية .
وقد يزعم زاعم أن تطوير التراث ينال من تقاليدنا ويؤثر فيها . ومع أن هذا القول مدحوض بما سلف بيانه عن أثر الإستهلاك والتراكم السلعى ؛ فإن على من يريد أن يعرف الحقيقة التاريخية عن تقاليدنا أن يقرأ كتاب المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار للمؤرخ المصرى المقريزى (تاج الدين أحمد ابن على 1364 – 1443) ، وكتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور للمؤرخ المصرى ابن إياس (محمد ابن أحمد 1448 – 1534) ، وكتاب المؤرخ المصرى الجبرتى عبد الرحمن حسن (1754 – 1825) عجائب الآثار فى التراجم والأخبار ؛ ليرى كيف أدى الإستعباد العثمانى والمملوكى إلى تحلل أخلاقيات الشعب . فلما ذهب الإستبعاد ، ترفعت أخلاقيات الناس وتهذبت سلوكياتهم ، نتيجة للتحرير والتنوير ، حتى صارت خلال القرن التاسع عشر وإلى منتصف القرن العشرين أخلاقيات مهذبة رصينة .
إن تطوير التراث ضرورة لا مهرب منها ولا معدى عنها ، وإلا ظل المجتمع والأفراد مزدوجى الشخصية مبلبلى الخواطر مضطربى الفهم مختلطى الفعل ، ولا يكون التطوير فعالا إلا إذا حدث من جيل حر واع . وعلى إمتداد كل المناشط من فكر وفهم وشعر وموسيقى وأدب وعلوم وسلوك . وما لم يحدث ذلك فسوف ننحدر إلى مقبرة التاريخ .

أبو القاسم   نعليق على آخر سطرين   April 13, 2010 10:54 AM
سوف ننحدر؟؟؟؟
الامر تم بالفعل، أم أن هناك انحدار اكثر مما نحن عليه.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز