انور مالك
anouarmalek@hotmail.fr
Blog Contributor since:
14 June 2007

كاتب وصحافي جزائري مقيم في فرنسا
موقع الكاتب على الانترنيت
www.anouarmalek.com

 More articles 


Arab Times Blogs
من تداعيات الحرب الأهلية الجزائرية:عسكريون في ذمة المجهول

      كان ميثاق السلم والمصالحة الجزائرية الذي صادق عليه الشعب الجزائري بأغلبية ساحقة في إنتخابات 29 سبتمبر 2005، قد إتخذ بعض التدابير والإجراءات المحدودة ـ طبعا ـ لصالح الجماعات المسلحة، وخاصة بالنسبة لعائلاتهم حيث أعطاهم تعويضات مالية كل حسب كيفية  فصلت فيها القوانين التطبيقية الصادرة في 04 مارس 2006، وقد أعطى أيضا بعض التعويضات المادية لعائلات المفقودين والتي رٍأى النظام أنها الحل الوحيد لطي هذا الملف الحساس الذي أرهق الرئيس بوتفليقة وممن كان لهم الدور البارز في إشعال نيران الفتنة الجزائرية، ونحن لسنا بصدد التفصيل في محتويات هذا الميثاق والذي يعرف القاصي والداني البعض منه، لكن نود أن نؤكد على أن النظام حاول إحتواء بعض فصول الحرب الأهلية من خلال رؤية فوقية أحادية الجانب، أملتها عقلية الغالب الذي يخاطب المغلوب على أمره... ولكن غابت أشياء أخرى عن أذهان المشرعين للميثاق أو ربما تم تغييبها حتى لا تفتح الصداع الآخر الذي لا يريده أشباح السرايا الجزائرية، حتى أن ذويهم لم يتحركوا ولا طالبوا بدم أبنائهم الذين ذهبوا ضحية أطماع أو بهتان أو تصفية حسابات... ربما يخافون على أنفسهم لأن الأمر تقف وراءه المؤسسة العسكرية وجنرالاتها، وربما يوجد من لا يعرف الحقيقة فقد زفت له بشرى موت ابنه بطلا في مكافحة ما يسمى بالإرهاب، والحقيقة غير ذلك... ربما القارئ الكريم يريد معرفة هذه الفئة التي طواها النسيان، في زمن أنظمة البؤس والشقاء وألوية الموت التي تغفر كل شيء إلا أن يهدد أحدهم لقمة عيشهم من آبار البترول ومليارات في البنوك السويسرية... إنهم العسكريون الذين تمت تصفيتهم من طرف المخابرات وعملائها، لأنهم يعدونهم من الإسلاميين العسكريين الذين يخشى جانبهم على حد زعم التقارير السرية التي يحررها ضباط الأمن على مستوى الثكنات العسكرية...

ثكنات أم جامعات

     لقد كانت الثكنات الجزائرية عبر كامل تراب البلد، وخاصة الثكنات الكبرى كالمدارس العليا  أو النواحي العسكرية أو حتى الألوية في كثير من القطاعات الجهوية، مركزا مهما للنشاط الدعوي الذي تقوم به الحركة الإسلامية الجزائرية، فمثلا نجد الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال (80 كم غرب العاصمة)، والمدرسة العليا للمهندسين والتقنيين ببرج البحري (العاصمة الجزائرية)، المدرسة العليا للإدارة بوهران (الغرب الجزائري)، المدرسة العليا للدفاع الجوي للإقليم بالرغاية (30 كم شرق العاصمة)، المدرسة العليا للطيران بطفراوي (الغرب الجزائري)... الخ، تجد مساجدا بها يؤمها العسكريون، وخاصة إن وجد بها أئمة ودعاة ممن يؤدون الخدمة العسكرية الإجبارية، يقدمون الدروس والحلقات الدورية في العقيدة والفقه وحتى السياسة أحيانا وبرامجا لحفظ القرآن والحديث النبوي، وجدران المساجد والمصليات علقت بها مجلات حائطية تهتم بشؤون الدين وحتى قضايا العالم الإسلامي كفلسطين وكشمير والشيشان والبلقان وأفغانستان، وتجد مكتبة ثرية بكتب علمية فقهية أو عقدية أو حتى حركية وطالما أحضر لنا شباب الخدمة العسكرية كتبا لسيد قطب ومجلات جهادية أفغانية عليها أختام مساجد الثكنات، حتى خيل لنا بأنهم في مخيمات إخوانية بأحد شواطئ الجزائر كما علق لنا أحدهم، فقد عاد الكثيرون لآهاليهم ملتزمين وأطلقوا لحاهم عند نهاية الخدمة، وكأنهم عادوا من جامعة إسلامية وليس من ثكنة عسكرية زاد آخر في تعليقه على ظاهرة الإلتزام في المؤسسة العسكرية الجزائرية، بل يوجد أيضا من تم إستغلاله مباشرة بعد نهاية الخدمة وتم تجنيده مع المقاتلين المتوجهين لأفغانستان، وكان الوزير بوقرة سلطاني (رئيس حركة حمس حاليا) الذي أدار مكتبا للتجنيد في قسنطينة (شرق الجزائر) يحرص على هؤلاء حرصا شديدا، لأنهم لا يزالون حديثي العهد مع السلاح والبعد والحياة التي يقتضيها العمل القتالي...

الإنفتاح السياسي وبداية التعددية السياسية زاد الأمر أكثر نشاطا ومنهجية، وإمتدت الدروس السياسية إلى مساجد الثكنات، وتوزعت اشرطة علي بن حاج وقيادات جبهة الإنقاذ إلى آيادي العسكريين، ومما يذكره لنا النقيب مساعدية – س (13 GMAA)  أنه في إنتخابات 26 ديسمبر 1991 وهو طالب بالمدرسة العليا للدفاع الجوي للإقليم بالرغاية، أدى الكثيرون حملة إنتخابية لصالح جبهة الإنقاذ، بل أنه بعد إعلان النتائج وفازت فيها الجبهة فوزا ساحقا، خرج البعض من الضباط وصف الضباط والجنود إلى ساحة العلم (وهي ساحة مقدسة في القانون العسكري للثكنات الجزائرية) وهم يكبرون ويهللون للإنتصار البارع... وقد سبق ذلك حلقات في مسجد المدرسة تحدث فيه الأئمة عن الحكم الإسلامي ودولة الإسلام ووصل الحديث عن الخلافة والبيعة المرتقبة في الجزائر...

أحداث ومنعطفات

      لكن لما تم الإنقلاب العسكري بقيادة الجنرال خالد نزار على الخيار الشعبي، بحجة أنه إختيار يهدد مستقبل البلاد، عرفت مواجهات دامية بين مناضلي الفيس وقوات الأمن، وزادت الحرب دموية لما إلتحق الجيش بركب الحرب على الإنقاذيين ومن والاهم... غير أنه خلال هذه الفترة عرفت الثكنات إختراقات كثيرة وفر عسكريون وهم يحملون أسلحتهم إلى الجبال، بل تم إختراق الثكنات بعناصر تنتمي للجماعات المسلحة كأفراد خدمة عسكرية، ومنها قادوا عمليات إستهدفت ثكناتهم ومنها ما حدث مثلا بثكنة بوقزول (ولاية المدية) وما حدث في البطارية النارية الأولى بالرغاية، حيث قام عسكري برتبة عريف عمل في تلك الليلة من عام 1993 كعريف للتبديل بتغيير عناصر الحراسة بأفراد من الجماعة الإسلامية المسلحة حينها، وبعدها تم القضاء على مساعد أول بمركز المراقبة وإعتقال الضابط وبقية عناصر الخفارة في ساعة متأخرة من الليل، العريف حمل معه بطيخة ذات حجم كبير إلى خفير السلاح الذي يبيت داخل مخزن الأسلحة، وأغراه بأنه أحضرها له، ليقوم بفتح الباب لأنه لم يستطع إدخالها من ثقب أعد خصيصا لتسليح الأفراد، وحينها تم مداهمة المخزن ومصادرة آلاف من قطع السلاح، ويذكر لي خنافيف – أ الذي كان أحد العناصر التي شاركت في العملية وأفرج عنها من سجن الحراش في مارس 2006 بعد 14 سنة سجن، أنه قد قادها علي زوابري شقيق أمير الجيا (الجماعة الإسلامية المسلحة) عنتر زوابري الذي تم القضاء عليه وتنسب له الكثير من المجازر كبن طلحة والرايس وبني مسوس وغيرها، ويروي لنا أيضا النقيب مساعدية – س أنه في عام 1993 أقدم عسكري برتبة مرشح (رتبة ضابط يؤدي الخدمة العسكرية) على عملية إستهدفت اللواء 18 للقوات البرية مرابط بثكنة GIC بالرغاية، حيث نسق مع عناصر مسلحة وفي منطقة هراوة (26 كم شرق العاصمة) راح يرسل عناصره إثنين بطرق مختلفة نحو مخبزة إحتلها مسلحون في تللك الليلة، حتى تم القبض على عناصر الفصيلة المتكونة من 13 فردا، جردوا من أسلحتهم وألبستهم العسكرية وتركوا عراة في الشارع، أما المرشح فقد فر مع المسلحين نحو وجهة مجهولة، بعد ذلك قامت قوات عسكرية بمداهمة بيت الضابط المرشح ولكن تفاجأت بشخص آخر يحمل الهوية نفسها يقدم لهم نفسه على أنه المعني، وقد أدى الخدمة العسكرية من قبل، أعتقل وعذب ببشاعة وتمت تصفيته بحجة تورطه، بالرغم من أنه لا علاقة له أبدا بالقضية والأمر أنه تم إنتحال إسمه فقط ... ونذكر أيضا ما قام به نقيب في القوات الجوية عام 1994 بثكنة الطائرات العمودية بعين أرنات في ولاية سطيف (شرق الجزائر)، حيث أقدم على تدمير طائرات عمودية وحربية ثم فر إلى جبال الزبربر بالأخضرية (75 كم شرق العاصمة)، وعثر على حطام الطائرة فيما بعد بأحد أودية الأخضرية الخطيرة... ونجد أيضا ما قام به حميدان – ع وهو رقيب بالمدرسة التقنية للطيران بالبليدة، حيث إغتال عمه في مدينة الشريعة (ولاية تبسة) وقتل عناصرا من الأمن في مواجهة مسلحة وهو يقضي إجازة بين أهله وبسلاحه الذي جلبه معه كعسكري... قبل هذا نجد عسكريين قادوا وأسسوا تنظيمات مسلحة كما حدث مع سعيد مخلوفي وهو نقيب سابق في المحافظة السياسية العسكرية، شغل منصب رئيس تحرير صحيفة (المنقذ) الناطقة بإسم جبهة الإنقاذ الإسلامية، وألف أول كتاب يدعو إلى التمرد وسماه (العصيان المدني) في 1990، فيما بعد أسس الحركة من أجل الدولة الإسلامية (MEI)  عام 1991... وكذلك قمر الدين خربان أحد الأفغان الجزائريين وهو نقيب في الجيش الجزائري وطيار عسكري، له علاقة وثيقة بالقاعدة حيث إلتقى من قبل في السودان بأسامة بن لادن، كان مسؤول تدريب المقاتلين العرب بأفغانستان، وفي الجزائر عين مسؤول العلاقات الخارجية للحركة الإسلامية المسلحة (MIA) والتي كان أميرها الوطني عبد القادر شبوطي المدعو الشيخ عثمان ويطلق عليه في تنظيمه لقب الجنرال، شارك خربان أيضا في تأسيس تنظيم الباقون على العهد عام 1991 بمبادرة مع صديقه أسامة عباسي (نجل زعيم جبهة الإنقاذ عباسي مدني)، وقد إستفادت ولعبت الدور البارز في عملية الفرار الشهيرة من سجن لامبيز في جانفي 1994، وقد تحدث عنه العقيد محمد سمراوي في كتابه (وائع سنين الدم) الذي فضح المؤسسة العسكرية، وإتهمه بالعمالة والدور المخابراتي في الكثير من القضايا والمهمات، وللتذكير أن قمر الدين خربان ترأس مركز الكفاح للاجئين وأعتبر في إسبانيا من بين 10 منظمات تابعة للقاعدة، هو الآن يقيم في لندن ويحمل الجنسية البريطانية، وكذلك عبدالرزاق البارا الذي صار أحد أقطاب الجماعة السلفية للدعوة والقتال، والذي كان حارسا شخصيا لوزير الدفاع خالد نزار...

غيض من فيض

      على إثر هذه الأحداث والعمليات التي أوجعت الجيش الجزائري ونشرت بين صفوفه التشرذم والخوف من الداخل أكثر من الخارج، قررت القيادة العسكرية على غربلة الصف، وقامت بالدور المخابرات، حيث كل من يتم التبليغ عنه يؤدي الفروض الدينية تتم تصفيته إما بالسجن أو الإغتيال الغامض أو الطرد وهذا لا يحدث إلا في حالات نادرة، ويتعلق الأمر بالأفراد الذين لهم سطورة قيادية كأن يكون له قريب يحمل رتبة سامية مثلا... نروي على سبيل المثال لا الحصر ما حدث للنقيب بسة مسعود وهو من منطقة بني عمران (ولاية بومرداس) وقد روى لنا النقيب مساعدية – س قصته كاملة قائلا: (كان بسة مسعود من الضباط الذين تخرجوا من المدرسة الحربية بسورية، وهو رجل متدين ومعروف ببساطته وتواضعه وطيبته، بالرغم من أنه شارك في الحرب على الإرهاب ببدايته وكان قد قتل في حاجز عسكري مسلحين بالطريق الرابط بين هراوة والرويبة، يسكن في بني عمران وكانت منطقة ساخنة في أحد المرات تم العثور على كازمات (وهي مغارات للمسلحين) قريبة من بيت أسرته، فإعتقلته المخابرات برفقة أبناء مدينته وهم: النقيب كنود محمد والملازم الأول بوسحاقي عمر والنقيب العمراني محمد، وتم تعذيبه أشد التعذيب في ثكنة البليدة التابعة للمخبرات CPM وأتهم على أنه كان يحضر لعملية تستهدف المدرسة العليا للدفاع الجوي للإقليم التي كان يدرس بها العلوم العسكرية، قدم للمحاكمة العسكرية وحكم عليه بسبع سنوات نافذة، أما بوسحاقي فطرد من الجيش ويعمل الآن ساعاتي بالجزائر العاصمة، كنود عاد لعمله ويحمل الآن رتبة مقدم، أما النقيب العمراني عاد إلى الثكنة وتم إغتياله في اليوم الموالي وهو عائد لبيته...)، وقد أكد لنا الملازم الأول عبداللطيف - ع المتزوج من عائلة مقراني ببني عمران أن عائلة بسة تعاني الأمرين من الفقر  والفاقة، وهو أيضا شبه مخبول يعاني من أمراض نفسية بعدما قضى سبع سنوات كاملة في سجن البليدة العسكري...

وفي المدرسة نفسها نلمس قصة النقيب العيداوي محمد وهو مهندس دولة متخرج من روسيا في إختصاص الصواريخ، ففي ربيع عام 1994 توفي عسكري بالمدرسة وهو من الغرب الجزائري، ومن تقاليد الجيش أنه يتم نقل جثامين العسكريين بصفة رسمية، فأشرف النقيب على المهمة بنفسه بعدما أوكلت له من طرف العقيد عوار محند إيدير الذي كان يشغل قائد المدرسة، فإختفى في تلك المهمة وعاد الرقيب الأول الذي رافقه وهو ممرض لينقل قصة "إختفائه"، زاعما بأنه طلب منه العيداوي بصفته قائده أن يترك معه سلاحه بعدما أراد الرقيب الأول زيارة بيت أسرته غير البعيد من حيث يتواجدان، ففعل ذلك من دون أدنى شك أو ريب، وضرب له موعدا في اليوم الموالي، ولكن النقيب لم يحضر إنتظره ليومين مما إضطره لتبليغ مصالح الأمن بولاية سيدي بلعباس (الغرب الجزائري)، عاد الرقيب الأول للمدرسة وقدم تقاريره عن القضية لدى مصالح المخابرات، بعد حوالي شهر تقريبا من الحادثة يمنع العسكريون من النزول لشاطئ الثكنة، من دون سابقة تذكر ولا أحد عرف السبب الحقيقي سوى أن النقيب بزيش محمد بررها بعقوبة تستهدف العسكريين لعدم إنضباطهم وتسيبهم في عملهم وهروبهم من مكاتبهم من أجل الإستجمام، في مساء ذلك اليوم نقل خبر غرق الرقيب الأول في البحر بعدما خالف الآوامر ونزل للشاطئ وحيدا، ولا أحد ليومنا هذا يعرف حقيقة "إختفاء" العيداوي محمد سوى ما يعرفه كل زملائه أنه رجل متدين أيضا، قضى 5 سنوات بروسيا ولم يرتشف قطرة فوتكا على غرار الآخرين الذين أحيوا الشيوعية المدفونة من قبل أهلها...

النقيب إبراهيمي كان قائدا للبطارية النارية الثالثة ببوزريعة (أعالي العاصمة)، يذكر لنا الرائد بن سنوسي مصطفى أنه في عام 1993 جاءت سيارات تابعة للمخابرات العسكرية DRS إلى البطارية وأخذت النقيب من دون أن يعرف أحد ما دار بينهم في مكتبه، بعد أيام خلفه النقيب وردان محمد بلا توضيح لأسباب "الغياب" المفاجئ لسلفه، بعد أسبوعين من الحادثة حضرت عائلته إلى مركز المراقبة للثكنة وراحوا يترجون ضابط الخفارة الملازم الأول مهداوي السعيد أن يدلهم أو يخبرهم عما جرى لإبنهم، فقام الضابط الخفير بتبليغ قيادة المجموعة 14 للوسائل المضادة للطيران بالرغاية، التي تعتبر البطارية هذه أحد ثكناتها الفرعية، إلا ان القيادة طلبت منه أن يبلغهم بأنه خرج ولم يعد ولا أحد يعرف مصيره... بعد هذا الحدث علم من مصادر عائلية مؤكدة بأنه تم العثور عليه قتيلا في ضواحي العاصمة الجزائرية، ومما علمناه من مصادرنا الخاصة أنه أتهم بالتورط في عدم التبليغ عن الطيب الأفغاني الذي كان يرابط غير بعيد من الثكنة، وتم القضاء عليه من طرف مصالح الأمن المشتركة في عملية إستعراضية دكت فيها الطائرات حيا شعبيا في واد بولوغين ولكن لحسن الحظ أن البيوت تبتعد عن بعضها البعض مما ساعد الآهالي من النجاة، والمعروف عن النقيب في فترة إدارته للثكنة أنه متدين وحسن السلوك وطيب لحد بعيد وهو الوحيد الذي يشتري وجباته من ماله الخاص على غير عادة الآخرين الذين يحملون الأطنان معهم إلى بيوتهم...

قصة ليفيفن بن يوسف

      في شهر رمضان من عام 1994 كانت كتيبة متكونة من طلبة ضباط تابعين للمدرسة العليا للدفاع الجوي للإقليم بالرغاية، تقوم بحراسة المؤسسة الوطنية للصناعات الغذائية بقورصو (ولاية بومرداس)، ومع آذان الإفطار كان ليفيفن بن يوسف وهو طالب في السنة الثالثة مع زميله الطالب بن أحمد الشريف (وهو الآن يحمل رتبة رائد) في مكان خصص لهما للحراسة، قام بن أحمد وأدى صلاة المغرب تاركا سلاحه من نوع كلاشينكوف مع بن يوسف، ولما أنهى صلاته تحت شجرة مبتعدا بعض الأمتار عن زميله، عاد وتسلم سلاحه ليستأذن أيضا بن يوسف للصلاة، إختار مكانا وراء جدار يبتعد بعض الشيء عن موقع حراسته، وفي هذه اللحظة بالذات ينادي النقيب عكوش الذي كان قائدا للكتيبة على بن أحمد وغير مكان حراسته في الجهة المعاكسة تماما لموقعه الأول، ومن دون أن يسأله عن بن يوسف وهذا الذي آثار الكثير من الشكوك، بعد حوالي ساعة تم الإعلان عن "إختفاء" الطالب ليفيفن بن يوسف، ليتم بعده مباشرة ومن دون تحقيق الإعلان عن إلتحاقه بمعاقل الجماعات المسلحة، لأنه تم العثور على آثار سيارة وراء حائط المصنع، غير أن التساؤل الذي بقي مطروحا: لو كان بالفعل قد عزم على الفرار لأخذ معه أيضا سلاح بن أحمد؟ وأيضا السور عالي ولا يمكن تسلقه أبدا... ليؤكد لنا النقيب مساعدية – س الذي كان في ذلك اليوم ضمن الكتيبة، ان الطالب ليفيفن بن يوسف "إختفى" في مكاتب المصنع ويستحيل أنه فر من الكتيبة، لأنه لو أراد ذلك لأستطاع أن يبيد جميع عناصر الكتيبة بسهولة، في وضع سم مثلا في الأكل الذي اشرف على تحضيره بنفسه قبل موعد حراسته، أما الطالب قرين لمين الذي كان ضابطا وتم فصله من الجيش لمواقف أتهم على أنه مصاب بداء نفسي، انه في لحظة "إختفاء" بن يوسف خرجت سيارة من الموقف الواقع في الجهة الخلفية والذي كان هو حارسا فيه وبسرعة مثيرة للشبهة من دون أن يرى من فيها لأن الظلام أرخى بعض الشيء سدوله... المعروف عن بن يوسف أنه يتحدر من منطقة خميس مليانة (الغرب الجزائري) أحد بؤر الحرب الأهلية الجزائرية، وكان شابا متدينا ويتردد كثيرا على مسجد الثكنة  وعرف عنه أيضا إنضباطه في الدراسة والعمل العسكري، والغريب أيضا في القضية أنه في شهر جوان 1994 أي قبل تخرج الدفعة 16 للطلبة الضباط والذي كان من المفروض أن بن يوسف معهم، تم جمع أفراد المدرسة العليا في قاعة السينما من طرف النقيب نعاسة السعيد مسؤول الإيصال والإعلام والتوجيه، وألقى النقيب منعة رئيس مصلحة الإستخبارات بالمدرسة محاضرة تحدث فيها عن عملية القضاء على "الإرهابي" بن يوسف في عملية عسكرية وتم إسترجاع سلاحه الكلاشينكوف "وقد سلم لمخزن الأسلحة بفضل الله" على حد لفظ النقيب منعة محمد... أغلق ملف بن يوسف بهذه المسرحية التي تبدو بالفعل هزيلة ويلفها الغموض، ويبقى سر "إختفاء" بن يوسف لغزا لم تجرؤ عائلته الفقيرة جدا على التحدث في الموضوع، لأنهم قد عانوا الأمرين من التحقيق والإعتقال والتعذيب بسبب القضية...

تصفيات وشبهات...

تصفيات عسكريين تتهمهم مصالح المخابرات بالولاء للإسلاميين إمتدت كالنار في الهشيم، وأرعبت الكثيرين الذين صاروا يعيشون كابوسا لا نظير له، فقد قدر لنا مصدر عسكري رسمي رفض أن نكشف عن هويته، أنه تمت تصفية أكثر من 4000 عسكري بين ضابط وضابط صف وحتى جنود الخدمة الإجبارية، بل أنه هناك من تتم تصفيته وهو يؤدي عمله العسكري في مكافحة الجماعات المسلحة وفي أدغال الجبال، وهذا ما حدث مثلا مع الملازم الأول قصار الليل صالح في اللواء 12 للقوات المدرعة التي كانت ترابط بجبال الأوراس (باتنة)، حيث تم نقل جثمانه إلى أهله بمنطقة الكويف (ولاية تبسة) مسجى بعلم وطني على أساس أنه قتل في عملية مضادة "للإرهاب"، وقد أكد لنا أقاربه بأن الرصاصة القاتلة ضربت رأسه من الخلف وليس من الأمام كما إدعت التقارير العسكرية، وقد حاولنا أن نعرف الحقيقة من الطبيب الذي كان أول من عاين جثته وهو الدكتور إبراهيم عبدالمالك (رئيس نقابة أطباء تبسة الآن) الذي كان يؤدي الخدمة الإجبارية في الوحدة نفسها، إلا أنه رفض رفضا قاطعا أن يكشف لنا ما يعرفه عنه لأن الأمر يتعلق بحرمة ميت، وإن كانت إشاراته توحي بان في الأمر سر...

هناك الكثير من الإغتيالات التي تتفادى المؤسسة العسكرية الجزائرية تحمل شبهاتها لذلك يتم التخلص من الشخص وتقديمه على أنه ضحية إرهاب لغلق ملفه، وتحويله لدى أهله لبطل يجعل التنقيب في ملفه أمر لا يمكن أن يقدم عليه أي كان ولا يفكر فيه أي أحد، لأن القضية حسم فيها والضحية تلقى وسام إستحقاق وشهادة شرفية موقعة أحيانا من طرف رئيس البلاد، كما حدث مع الرقيب عبدالحكيم عبدالمالك بثكنة سيدي بلعباس، وقد أكد لنا الملازم الأول عبداللطيف – ع وهو أحد أقربائه بأنه تم قتله على مقربة من جدار الثكنة، عكس ما إدعت المصالح الرسمية بأنه قتل خطأ من طرف زميل له، والمعروف عن عبدالحكيم أنه ينتمي لعائلة وشقيقه من الإسلاميين البارزين وأحد قدماء الأفغان العرب... ثم قصة إبن عمه عادل عبدالمالك الذي عثر عليه قتيلا في محل حراسته بالمدرسة العسكرية بقالمة، وفي التحقيق زعمت قيادة المدرسة بأنه إنتحر بسبب قصة غرام، وفي هذا الصدد حدثنا الضابط عبداللطيف الذي هو إبن عمه وتكفل بنفسه في البحث عن الأسباب الحقيقية، أن عادل قتل لأسباب غامضة لا أحد يعلمها، وتعهد بأن يصل للحقيقة مهما كلفه الثمن... وفي هذا السياق وما يروج له غالبا بدعوى الإنتحار فقد إدعت السلطات القضائية العسكرية من قبل إنتحار النقيب بن ضو محمد وهو قاضي تحقيق في المحكمة العسكرية بالبليدة، كان مكلفا بالتحقيق في قضايا الإرهاب، حتى أن زميله القاضي حلايمية عبدالقدوس الذي يعمل بالمحكمة العسكرية بوهران أراد فتح تحقيق جنائي في القضية إلا أن السلطات العسكرية رفضت ذلك، وكان يشغل منصب وكيل الجمهورية العسكري لدى المحكمة ليتم تغيير عمله إلى قاضي تحقيق مكلف بقضايا الفرار من الثكنات وبقرار صدر في الجريدة الرسمية موقع من طرف الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، والأمر نفسه أكده لنا الرائد طويل فريد (قاضي تحقيق بالمحكمة العسكرية بالبليدة) والذي صرح لنا بأن وفاة القاضي بن ضو محمد غير بريئة، الضحية ينتمي لعائلة عريقة بسوق أهراس (الشرق الجزائري) وله شقيق يحمل رتبة سامية في الجيش وأحيل على التقاعد بعد الحادثة بأشهر قليلة لم يكشف الأسباب الحقيقة للإجراء المتخذ حياله...

أما فيما يتعلق بالسجن فقد سجن الكثيرون بسبب تدينهم أو ما يروج عنهم بأنهم إسلاميين عسكريين، فمثلا نذكر النقيب الدكتور مردود علي يتحدر من منطقة الأسنام (ولاية البويرة) وهي أحد بؤر التوتر حينها، تخرج من جامعة فرنسية متحصلا على شهادة الدكتوراه في الروبوتيزم، أتهم بالفرار إلى الخارج بالرغم من أنه كان في بعثة علمية تابعة لوزارة الدفاع الجزائرية، وتأخر في عودته للجزائر بسبب مناقشة مذكرة التخرج بالجامعة، وقد أعلم رسميا وفق الإجراءات المعمول بها المصالح العسكرية بالسفارة الجزائرية بباريس، ولما عاد إلى الجزائر قبض عليه في الميناء وهو برفقة زوجته وإبنتيه وأودع السجن العسكري بالبليدة في صيف 1994، حكم عليه بثلاث سنوات نافذة، والغريب في القضية أن وثائق مراسلته وموافقة مصالح السفارة على تمديد إقامته قد "إختفت" من ملف القضية، المعروف عن الدكتور أنه كان متدينا ويحفظ القرآن كاملا وله نشاط على مستوى مسجد المدرسة العليا للمهندسين والتقنيين بالجزائر... وكذلك أيضا النقيب فرج إبراهيم الذي سجن 5 سنوات وهو مصاب بداء الصرع، وأتهم بالفرار من العدو حيث كان قائد لكتيبة الدرك الوطني في منطقة الشريعة (آعالي البليدة)، والملازم الأول كحيلة ميلود والمتخرج من كلية عسكرية ببريطانيا متخصصا في الرادار أتهم أيضا بالفرار من العدو، والرائد بوروبة الساسي الذي أتهم بتبذير الأموال في مهمة إصلاح الغواصات بروسيا، وقد تورط جنرالات في القضية، وتحدث عنها حبيب سوايدية في كتابه (الحرب القذرة) الصادر عن لاديكافارت بباريس في فيفري 2001... وروى لنا أيضا النقيب مساعدية – س قضية "إختفاء" الجندي زروقي من البطارية النارية الثالثة ببوزريعة في آواخر 1994، وتم العثور على ملابسه العسكرية عليها بقع دماء في الغابة المحاذية للثكنة، وإدعت السلطات أنه فر إلى معاقل الجماعات المسلحة، والدماء كانت على سبيل التمويه... وقصة المجزرة في حق 5 عسكريين (أحدهم يحمل رتبة رقيب أول وأربعة برتبة عريف) في مفترق الطرق الرابط بين الرغاية وعين طاية وبودواو البحري، والمصادفة أن الضحايا معروفين بتدينهم وتم إختيارهم بعناية لمهمة حماية تنقل عسكريين روس يشتغلون كمدرسين في الكلية العسكرية، على غير العادة فغالبا ما يتم إختيار صف ضابط مع جنود فقط، وروى مواطن في محضر شهادات المعاينة بأن منفذوا العملية إمتطوا سيارة من نوع "دايو" جديدة الصنع، والمعروف حينها أن هذا النوع من السيارات يستخدم من طرف مصالح الأمن، والغريب أن الأجهزة الأمنية ومصالح الحماية المدنية لم يتدخلوا إلا بعد حوالي ساعة وصادفت الحادثة في الأيام نفسها التي "إختفى" فيها ليفيفن بن يوسف الذي تحدثنا عنه سابقا...

أخيرا وليس آخرا

  ما قدمناه هو مجرد أمثلة وعينات فقط، فالأحداث أكبر من أن نحتويها في مقال، وتحتاج إلى مجلدات وبحث مضني ومغامرات مع أجهزة ليس من السهل أن تفتح أوراقها للإعلام، فالعسكريون الذين تمت تصفيتهم الجسدية أو سجنهم أو حتى إختفائهم أو طردهم، يمرون على مراكز الإستنطاق التابعة للمخابرات، والتي تستعمل وسائل تعذيب تتقزز مشاعرنا من الحديث فيها، وقد حدثني النقيب بوسحاقي نفسه عما تعرض له النقيب بسة مسعود لدى المخابرات، حيث لما واجهه في التحقيق وجده مقيدا في كرسي وعاريا وينزف دما من كل جسده وأنفه وفمه وأذنيه... العدد لا يمكن إحصاءه فما حدث داخل الثكنات ليس بالهين، وقد فاق في بعض الأحيان ما حدث خارجها مع المدنيين والمواطنين العزل، وهذا ما يفرض على المنظمات الإنسانية العالمية أن تفتح مثل هذه الطابوهات التي جعلها النظام من أسرار الجيش التي يحرم البوح بها، وأيضا يفرض على السلطات والنظام الجزائري الذي يريد تحقيق مصالحة وطنية على حد زعمه طبعا، فتح مثل هذه الملفات السوداء التي ستظل عالقة وملغومة وستنفجر حتما يوما ما، لأن الضحية له أهله وله من سيطالب يوما ما بدمه البريء، أو قد ينشر الغسيل حتما من طرف عسكريين فارين كما حدث من قبل، أو عائلات تلجأ إلى المحاكم الدولية للمطالبة بحقهم في معرفة أسرار إختفاء أو موت أو طرد أو عاهة مست ذويهم، والذين ذهبوا ضحايا تقارير مزيفة من طرف قائد ثكنة أو ضابط مخابرات، لجأوا إلى التقارير السرية محشوة بأباطيل من أجل تصفية حسابات، حتى إن سلمنا جدلا بأن هؤلاء العسكريين كانوا إلتحقوا بمعاقل التنظيمات المسلحة مما يؤكد مدى الإختراق المتبادل بين الطرفين، ويوثق بالفعل التهم التي لحقت المؤسسة العسكرية الجزائرية من طرف ضباط فارين، كشفوا الكثير من الحقائق التي ستظل في عنق النظام الجزائري أبد الدهر... لنزيد ونقول أن ملف هؤلاء العسكريين يعتبر من الملفات الخطيرة والشائكة، التي تورط فيها جنرالات الجزائر، ولم يقتصر الأمر على ضباط بسطاء بل وصلت الإغتيالات إلى رتب سامية كما حدث مع قائد القطاع العسكري للجزائر العاصمة والذي كان يحمل رتبة عقيد، وكذلك قائد الناحية العسكرية الثانية الذي كان يحمل رتبة جنرال... إن قانون ميثاق السلم والمصالحة الذي جاء به الرئيس بوتفليقة ماهو إلا تكريس لسياسة اللاعقاب التي تحمي أولا وقبل كل شيء الجنرالات والعسكريين المتورطين في الكثير من القضايا التي تدخل في إطار جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي، لقد دفع الثمن غاليا الشعب الجزائري من مدنيين طالتهم مجازر تبادل الأدوار في إقترافها أطراف النزاع والحرب، وعسكريين دفعهم الفقر ولقمة العيش لإرتداء البزة العسكرية... فأين الحقيقة إذا أريد تحقيق مصالحة ناجحة وليست عرجاء صبت النار على رماد لا زال به جمر يلتهب؟ .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز