حبيب محمد تقي
habibtaki@hotmail.com
Blog Contributor since:
03 April 2010



Arab Times Blogs
الثقافة : بين الواقع وبين البحث عن هوية تكافلية تكاملية مستقبلية

ولادة الثقافة :
الثقافة منتج أجتماعي متغير موغل في القدم ، لمعارف وسلوكيات أجتماعية وأنسانية خالصة . ولدت الثقافة من رحم الجماعات الآدمية الأولى ، والتي كانت تحيا حياة بيولوجية صرفة . تحكمها الغرائز والفطرة ليس ألا . فبتزامن مع تحول هذه الجماعات الآدمية ، الى مشاعات أجتماعية ، ظهرت الثقافة . فولادة الثقافة لم يقترن ، بمجرد ظهور التجمعات البدائية الأولى . إنما أقترن بفترة تحول تلك التجمعات ، من جماعات تحيا حياة بيولوجية غريزية ، الى مجتمعات مشاعية تحيا حياة أجتماعية واعية . بدليل أن الكائنات الأخرى من حيوانات وحشرات على مختلف سلالاتها وأنواعها . هي الأخرى تعيش في جماعات ومجتمعات . لاكنها لم تنتج لنفسها ثقافة . لأنها وببساطة ، عجزت عن التفوق والخروج من أطارها البيولوجي ، الغريزي والفطري المحكومة بها . إذاً : الثقافة هي أنتاج أنساني مئة بالمئة . ظهرت مع ظهور أول بشائر وطلائع الأنسانية . وهي تمثل خبرات و طرائق وأسلوب المجتمع الأنساني في الحياة . وبعبارة أخرى ، هي موروث معرفي ومسلكي أجتماعي لمجمل أنجازات البشر .


ماهي الثقافة ؟
الشائع بين البعض الغير قليل من العامة . أن سعة المعرفة والأطلاع والألمام بالمعلومات الموسوعية العامة ، هي الثقافة !
ومثل هذا الفهم والتصور القاصر والتسطيحي الفقير للثقافة . هو فهم أحادي ، يفسر جانب من الثقافة كمكنون شخصي ، ويغفل المفهوم الأعمق والأشمل والأكثر غنى للثقافة ، كتشكيل أجتماعي أعم .
الثقافة : مفهوم موغل في العمق وضارب في الجذور . من حيث المعاني والدلالات والتفاعلات والأنفعالات والتجليات والتأثيرات . وبسبب من الكثافة والأحاطة الغزيرة لهذا المفهوم بالمقارنة مع مفاهيم معرفية أخر ، كالدين والفلسفة والأيديولوجية والمدنية والحضارة . والتي بدورها تمثل ، أنصع الصور لتجليات الثقافة التي سبقت هذه المفاهيم . بل هي ذاتها التي أنتجتها و أفرزتها و صاغتها ، وهي الأطار المرجعي الفاعل والمؤثر لها ( أي الثقافة ) . ونتيجة عمق و تنوع وسعة وكثافة مفهوم الثقافة هذا ، فأنه من الطبيعي أن يحتمل أجتهادات مختلفة وعديدة في تفسيره وتحليله وتبسيطه . ووصولا الى صياغة تعريف مقتضب وموجز ومنصف . شامل وكامل في أطار مقال مقتضب كهذا . نقول : أن الثقافة هي موروث متنقل ، كمي ونوعي من المعرفة المتحركة وسلوكها التعليمي والتلقيني والتوجيهي المكتسب . ضمن أطار الجماعة وللفرد الواحد . فمنها وبها ، تتشكل وتتأثر وتؤثر على العقول وتتبلور وتبلور العواطف . ومعارفها ومسلكياتها تشمل وتحيط بجميع شؤون وتفاصيل الحياة ، المعنوية منها والمادية . ومع تقادم العمر للبشرية تقطع االثقافة أشواط من النضج والنمو .


أهم ما ميز ويمز الثقافة هي صفة التهذيب ، للمحرك البيولوجي الغريزي والفطري للأنسان والجماعة . أيضا تتميز بألتصاقها الحميم بالفرد ، لاتنفك عنه بسهولة حتى وأن تذمر منها ، فلن تصد عنه . أنها بأختصار آسرة ، فعلها فعل العشق . الذي يدفع العاشق أن لا يغني إلا لليللاه ! لا ينفك عنها عشقا إلا أذا أدرك عمى ودمار هذا العشق . وحتى لو قدر لهذا العاشق ، الأنفصال عن معشوقته والطلاق منها . فتبقى رغم الأنفصال رواسب عشقه فيه . تداعب فكره وتغازل عواطفه . ففعل الثقافة فينا كأفراد ، لايوازيه سلطان . على فكرنا و وجداننا وميولنا وتوجيه رغباتنا . فالثقافة هي التي تؤثر في تأسيس حاضرنا . ولها فعل نافذ في رسم معالم مستقبلنا .

القلق المؤرق يأتي من بعض الثقافات ، تلك العابرة للقارات . ثقافات الهرولة وراء هوس المكاسب المادية المبتذلة . ووراء الغرائز الوضيعة . على حساب المادي المتوازن والروحي المهذهب والمترفع . وأخطر ما في هذه الثقافات ، نزعتها التصادمية مع الثقافات الأخرى . وميولها للغزو الثقافي المسنود بقوة الفتك والدمار . لتكون هي ودون سواها المتسيدة والغالبة . إذ أن تلك الثقافة لاتكتفي بالقانون السوسيولوجي الذي توصلة اليه شيخ علم الأجتماع ( أبن خلدون ) في أن ( " المغلوب مولع بالأقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده " ) . ووفق هذا القانون الأجتماعي . والذي يضمن لها الأنتشار التلقائي والصمود لزمن أطول . إلا أنها تسعى الى الأمعان في فرضه بأستخدام أدوات القهر الهادفة الى أقتلاع جذور الثقافات المغلوبة ومسح أي رواسب و أثر لها . وهذه النزعة اللصيقة بثقافة الغالب العابر للقارات لن تدم طويلا لأن " دوام الحال من الحال " ولأن الحياة الأنسانية حافلة بالثقافات المقاومة للنزعة العدوانية والساعية لتلاقي الثقافات المضطهدة والأنفتاح على بعضها البعض والتصاهر الحر فيما بينها وصولاً الى هوية ثقافية تكافلية تكاملية مستقبلية تتوحد عليها الأمم عاجلاً أم أجلاَ







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز