د.يحيى أبوزكريا
abouzakaria10@gmail.com
Blog Contributor since:
08 March 2010

كاتب عربي من الجزائر

 More articles 


Arab Times Blogs
رؤيتي للمصالحة الوطنية الشاملة في الجزائر ج 2

 نجح الشريف الأمير عبد القادر الجزائري إبن الشريف محي الدين شيخ الطريقة القادرية في  إطلاق ثورة عارمة في مدن الغرب الجزائري حيث كان مقر إمارته , ثم سعى لنشر ثورته في عموم القطر الجزائري على أمل أن يحاصر جنوده الفرنسيين في الوسط ومن تمّ رميهم إلى البحر من حيث جاؤوا .

وحتى لما تمكنّ الفرنسيون من تطويق مقاومة الأمير عبد القادر و سجنه في سجن فرنسي و بعد ذلك نفيه إلى بلاد الشام , لم تهدأ المقاومات الجزائرية ولم يهادن الشعب الجزائري لحظة الإستعمار الفرنسي . وظلّت الثورات تتعاقب في الجزائر إلى تاريخ إندلاع ثورة المليون ونصف المليون شهيد في غرّة نوفمبر 1954 .

و الجدير بالذكر أنّ جميع الثورات التي عرفتها الجزائر قام بها العلماء وشيوخ الزوايا والطرق لأنّ الزعامة آنذاك كانت بأيدي رجال الدين الذين كانوا أنفذ أثرا في الجماهير .

وقد أدرك الإستعمار الفرنسي سر هذه المعادلة أي العلاقة الطردية بين الثورات و رجال الدين فراحت قوات الإحتلال الفرنسي تحوّل المساجد ودور العبادة التي كانت معاهد تعليمية أيضا إلى إصطبلات و كنائس , و ألغت التعليم العربي الإسلامي و أصدرت مراسيم لمعاقبة كل شخص يدرّس اللغة العربية في محاولة مكشوفة وواضحة لتجفيف مقومات النهوض و الثورة لدى الجزائريين .

وقد أدرك لاحقا رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أبعاد هذه المحاولات الإستعمارية لطمس معالم الشخصية الجزائرية ذات البعدين العربي والإسلامي , فأطلق المقاومة الفكرية والثقافية والتي أعادت بناء الإنسان الجزائري , و الذي بمجردّ أن أستشعر الخطر المحدق بهويته إنخرط في أكبر ثورة عرفها التاريخ المعاصر . تعتبر الثورة الجزائريّة من أعظم الثورات العربية في القرن العشرين , وقد خرجت هذه  الثورة من رقعتها المحليّة المحدودة في قلب المغرب العربي لتصير ثورة لكل العرب وكل الأحرار في العالم الثالث . وبفضل الثورة الجزائرية تمكنت الجزائر أن تصبح ذات سمعة عربيّة وإسلامية محترمة , وكان يكفي ذات يوم ترديد اسم الجزائر لتقشّعر الأبدان .

لقد إندلعت الثورة الجزائرية في غرّة نوفمبر سنة 1954 بإمكانات متواضعة وبسيطة , وفي غضون أشهر وجيزة إلتفّ حولها الشعب الجزائري لتقوده في نهاية المطاف إلى شاطئ الإستقلال في 05يوليو – تموز سنة 1962 , وحاولت فرنسا جاهدة وبمختلف الوسائل السياسية والعسكرية وأد هذه الثورة التي إستعصت على فرنسا وتحققّ بذلك قول شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا : أقسمنا بالدماء أن تحيا الجزائر .

وما كانت الثورة الجزائرية لتقود الجزائر بإتجاه الحرية لو لم يتوفر لها مجموعة من الرجال الذين إجتمعت  كلمتهم على ضرورة  الثورة كشرط وحيد لإسترجاع الحق المنهوب من قبل فرنسا . وقبل إندلاع الثورة الجزائرية إندلع لغط كبير في الأوساط السياسية والثقافية الجزائرية حول الإندماج في الدائرة الفرنسية أو الإستقلالية عن فرنسا وتحصين الشخصية الجزائرية , وذهب بعض السياسيين الجزائريين بعيدا في ذلك الوقت عندما شككوا في وجود الأمة الجزائرية و قد عرف عن أحد السياسيين الجزائريين قوله : لقد فتشت في القبور  عن جذور الأمة الجزائرية فلم أجد شيئا , وكانت النخبة الجزائرية الفرانكفونية والتي درست في المعاهد الكولونيالية تنظر بعين الهازئ والساخر إلى دعوات المنادين بالحفاظ على السيادة الجزائرية والثقافة الجزائرية ذات البعدين العربي والإسلامي .

ووسط هذا الجدل الواسع بين دعاة الإندماج ودعاة الإستقلال قررّت مجموعة من الثائرين الجزائريين تشكيل لجنة واسعة تضمّ إثنين وعشرين عضوا وهدفها الإعداد للثورة الجزائرية,

وقد إقتنعت هذه اللجنة – النواة الأولى للثورة الجزائرية – بأنّه لا يمكن الحصول على الإستقلال بالوسائل السياسية , لأن فرنسا قررت وبشكل نهائي ضمّ الجزائر إلى فرنسا وإعتبار الجزائريين فرنسيين مسلمين , وكانت بطاقات الهويّة التي تمنحها فرنسا للجزائريين فرنسية كتب عليها لدى التعريف بجنسية حاملها عبارة فرنسي مسلم , وقد جاءت هنا المواطنة الفرنسية قبل الإسلام الذي صاغ الشخصية الجزائرية و وقاها من الذوبان في  مستنقع التغريب الفرنسي .

 ولم يوفر الجيش الفرنسي طريقة إلا ولجأ للقضاء على الثورة الجزائرية العملاقة ,

" لقد لجأ غلاة الاستعمار الفرنسي إلى فرض  فرض سيطرتهم على شعوب المستعمرات التي استولوا عليها بقوة السلاح ، ولذلك سارع قادة العدو الفرنسي إلى تسخير كل طاقتهم البشرية و المادية و العلمية للحصول على هذه الأسلحة المحرمة دوليا قصد فرض وجودهم داخل المستعمرات التي استوطنوها وعملوا على استعباد شعوبها وقمع ثوراتها.

لقد استعمل الجيش الفرنسي في حربه المدمرة ضد الثورة الجزائرية وجنودها الأشاوس كل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا غير آبهة بما سينجر عنها من آثار سلبية على الشعب الجزائري ,ومن أهم هذه الأسلحة السلاح الكيماوي الذي كان يتشكل في غالبيته من الغازات السامة القاتلة و المتفجرات الحارقة , أما سلاح النابالم الفتاك فهو الآخر سلاح مميت وقاتل عانت منه القرى و المداشر الجزائرية , وحتى الجبال لم تسلم منه لكونها كانت ملجئا حصينا للمجاهدين الذين لم يسلموا بدورهم من قنابله الحارقة , هذا بالإضافة إلى سلاح آخر أكثر خطورة وهو السلاح النووي الذي يعتبر أقوى سلاح آنذاك عرفته البشرية , وقد بدأت فرنسا الاستعمارية استعماله لأول مرة في الصحراء الجزائرية وقد جعلت من المجاهدين الذين ألقت عليهم القبض دروعا بشرية ووسيلة لاختبار قدراتهم العلمية في مجال السلاح النووي إلى جانب استعمال الصحراء الجزائرية وسكانها حقل تجارب دون أن تأخذ بعين الاعتبار ما سيترتب من انعكاسات وخيمة على المنطقة وسكانها

كان هدف استعمال هذه الأسلحة المحرمة من طرف الجيش الفرنسي هو إفناء الكائنات الحية وكان المستهدف المباشر و الأول هو جيش التحرير الوطني المنتشر عبر العديد من المناطق التي تعرضت للأسلحة المحرمة و استطاع إفشال السياسة الاستعمارية في الداخل بتحقيقه الانتصارات المتتالية التي أفقدت العدو الفرنسي صوابه لذلك لجأ إلى الانتقام باستعماله هذه الأسلحة الخطيرة

 

لقد كان المجتمع الدولي واضحا في معارضته لاستعمال فرنسا لهذه الأسلحة المحرمة إلا أن السلطات الفرنسية ضربت عرض الحائط كل القوانين و الأعراف الدولية ,وأصبحت المناطق الجزائرية التي تعرضت للدمار والخراب جراء استعمال هذه الأسلحة مناطق جرداء قاحلة لا حياة فيها من شدة هول الدمار ,وهذا ما زاد موقف المجتمع الدولي من استعمال الأسلحة المحرمة معارضة أكثر لسياسة فرنسا العسكرية .

مازالت هذه الآثار ماثلة إلى اليوم حيث قتل كل ما هو حي وتعرض العديد من السكان إلى التشوهات الدائمة و العاهات المستديمة وحتى الطبيعة لم تسلم من مفعول هذه الأسلحة الفتاكة التي اعتمدت عليها فرنسا لإبادة الشعب الجزائري ,و القضاء على الثورة الجزائرية التي أصبحت توقظ مضاجعهم ,لذلك كانت آثار الأسلحة المحرمة عميقة في ذاكرة الجزائريين لخطورتها التي لا تنسى خاصة سكان منطقة رقان " ورد هذا في موقع تاريخ الجزائر .

و بعد تضحيات جبارة حاز الشعب الجزائري إستقلاله في 5 تموز – يوليو 1962 , و شرع في بناء نهضته و دولته التي قدم لأجلها ما لا يحصى عدّه من الشهداء .

و صحيح أن الأداء السياسي الرسمي و غياب الإستراتيجيات المتكاملة , اللهم إلا في عهد هواري بومدين الذي

شرع في تقوية الدولة على المستوى الداخلي وكانت أمامه ثلاث  تحديات وهي الزراعة والصناعة والثقافة , فعلى مستوى الزراعة قام بومدين بتوزيع  ألاف الهكتارات على الفلاحين الذين كان قد وفر لهم المساكن من خلال مشروع ألف قرية سكنية للفلاحين وأجهز على معظم البيوت القصديرية والأكواخ التي كان يقطنها الفلاحون , وأمدّ الفلاحين بكل الوسائل والامكانات التي كانوا يحتاجون اليها .

وقد إزدهرت الزراعة في عهد هواري بومدين واسترجعت حيويته التي كانت عليها اياّم الاستعمار الفرنسي عندما كانت الجزائر المحتلة  تصدّر ثمانين بالمائة من الحبوب الى كل أوروبا . وكانت ثورة بومدين الزراعية خاضعة لاستراتيجية دقيقة بدأت بالحفاظ على الأراضي الزراعية المتوفرة وذلك بوقف التصحر واقامة حواجز كثيفة من الأشجار الخضراء بين المناطق الصحراوية والمناطق الصالحة للزراعة وقد أوكلت هذه المهمة الى الشباب الجزائريين الذين كانوا يقومون بخدمة العلم الجزائري .

وعلى صعيد الصناعات الثقيلة قام هواري بومدين بانشاء مئات المصانع الثقيلة والتي كان خبراء من دول المحور الاشتراكي يساهمون في بنائها , ومن القطاعات التي حظيت باهتمامه قطاع الطاقة , ومعروف أن فرنسا كانت تحتكر انتاج النفط الجزائري وتسويقه الى أن قام هواري بومدين بتأميم المحروقات الأمر الذي انتهى بتوتير العلاقات الفرنسية –الجزائرية , وقد أدى تأميم المحوقات الى توفير سيولة نادرة للجزائر ساهمت في دعم بقية القطاعات الصناعية والزراعية . وفي سنة 1972 كان هواري بومدين يقول أن الجزائر ستخرج بشكل كامل من دائرة التخلف وستصبح يابان العالم العربي .

هذه الأدوار الكبرى جعلت الجزائر في قفص الإستهداف , و في زاوية التآمر الإقليمي و الدولي . و هما تآمران إلتقيا مع رغبات بعض الذين كانوا في دوائر القرار , و الذين لم يكونوا يملكون التجربة السياسية الكاملة و مجابهة الزلزال السياسي في الجزائر ..

و إذا كنا قد أشبعنا مرحلة العشرية السوداء والحمراء بحثا و كتابة وتأليفا , فيجب تجاوز هذه المرحلة للحديث عن آفاق المصالحة الشاملة , و التي يكمن فيها سر إنطلاقة الجزائر الجديدة , حيث يسلم فيها جيل الثورة الراية لجيل الإستقلال , وتكون ثورة نوفمبر هي القاعدة السياسية التي ينطلق منها الجزائرية لبناء دولة قوية سياسيا و إقتصاديا و ثقافيا وعلميا وأمنيا وحضاريا ونهضويا .

و الشعب الجزائري ورغم المحن التي توالت عليه مازال يحتفظ بكلّ مقومات النهوض الحضاري , و مازال متشبثا بجذوره العربية و الإسلامية , ويدرك الشعب الجزائري بأن المصالحة الشاملة هيّ الخيّار الأوحد للنهوض بالجزائر .

و الكل مجمع على أهمية المصالحة الوطنية الشاملة و تأثيرها على مستقبل الجزائر و الأجيال المقبلة  و تبنّي الشارع الجزائري لها , إلاّ أنّ اللغط قائم في الجزائر  حول ماهية المصالحة كما وردت في ميثاق السلم والمصالحة أو كما قدمّه بوتفليقة في اللقاء الموسّع الذي جمعه بإطارات الدولة الجزائرية .

لا شكّ أنّ المرحلة الراهنة التي تمرّ بها الجزائر لا تحتاج إلى إعادة تقليب الصفحات و نكأ الجراح و مراجعة حيثيات وتفاصيل الفتنة الجزائرية , و أنّ كل ذلك أمر موكول للتاريخ الآن , غير أنّ هناك بعض الحقائق التي لا يجب المرور عليها سريعا لأنّ البناء على الخطأ سيفضي إلى أخطاء أكبر .

 الواقع أنّ العنف في الجزائر يتحمّله الطرفان – السلطة والمعارضة - فالسلطة بفرضها حالة الطوارئ و ما تبع ذلك بإستخدامها لنفس منطق الإرهابيين تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية , والأذرع العسكرية للتيار الإسلامي تتحمل الجزء الباقي من المسؤولية وذلك عندما رفضت منطق الحل السياسي وخروج بعضها من تكفير السلطة وإلى تكفير المجتمع , والواقع أن سياسة كسر العظم التي تبنتها السلطة والمسلحّون على حدّ سواء كسرت العمود الفقري للجزائر .

وإذا كانت هذه مسلمّة لا أحد يستطيع أن يقفز عليها ,  فإنّ هناك مسلمّة أخرى تفيد أنّ جزائر اليوم غير الجزائر البارحة و أنّ هناك تغيّرا ملحوظا بل وجذريّا في التطورات السياسية في الجزائر بإتجاه الحلحلة السياسية الكاملة , و بإتجّاه عودة الميّاه إلى مجاريها في هذا البلد الذي يحوي على مقدرّات رهيبة قد يؤدّي إستغلالها  الإستغلال الحسن إلى إحداث المعجزة في بلد المليون و النصف مليون شهيد .

 ولا بدّ من الإشارة إلاّ أنّ تبنّي إستراتيجية المصالحة الشاملة في الجزائر هو الذي أعطى الأمل الكبير للجزائريين بقرب خروج بلادهم من عنق الزجاجة , والأمة تتأثّر سلبا أو إيجابا بالخطاب السياسي الرسمي الذي تتبنّاه دوائر القرار والتي بيدها لا بيد غيرها رسم المنحنيات التي يكون عليه المجتمع .

 و عندما تنسجم هذه الدوائر الصانعة للقرار مع تطلعات الأمة يتحققّ التكامل , وعندما تتناقض تصاب الأمة بنكبة كبيرة و تتسّع الفجوة بين الدولة و الأمة فتصبح الأولى في واد والثانية في واد آخر ولا يربط بين الإثنين أيّ رابط.

و الشعب الجزائري بأصالته الحضارية و ووعيه الفطري الذي أفرزته تجاربه السابقة مع الحركات الإستعمارية و مراحل الإستبداد والأحادية كان على الدوام مع المصالحة الوطنية الشاملة و لذلك لن يجد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة  أدنى معضلة في الحصول على أصوات أغلبية الشعب الجزائري في الإستفتاء المزمع إجراؤه في الجزائر حول صدور قرار العفو الشامل والمصالحة الشاملة .

 فالذي صوتّ لقانون الوئام المدني لابدّ  أن يصوّت للمصالحة الوطنية الشاملة و العفو الشامل . وثقافة المصالحة الشاملة و العفو وكظم الغيظ و الصفح عن الأخ عندما يخطئ هي من أهمّ المفردات المكونة لشخصانية الإنسان الجزائري الذي كان يتقاسم كسرته ولحافه و داره مع المجاهدين و عابري السبيل و المحتاجين والمشردين أثناء الثورة الجزائرية المباركة , وبعد ثورة التحرير تبرعّ الشعب الجزائري بكل ما يملك من ذهب وفضّة ومتاع للقيادة السياسيّة التي أدارت دفّة الحكم عقب طرد فرنسا الإستعمارية من الجزائر .

 و أثناء الكوارث الطبيعية التي ألمّت بالجزائر كان الجزائري سباقا إلى نصرة أخيه وإيواء أخيه وإطعامه أثناء الزلازل والفيضانات إلى درجة أن شباب الجزائر كانوا يرمون بأنفسهم وسط المياه المنهمرة والمنجرفة لإنقاذ العجائز والأطفال والنساء الذين كانت تجرفهم المياه المتدفقة والكثير منهم مات شهيدا وهو يؤدّي واجب إغاثة الضعيف .

ومن أسباب تنكبّ مسيرة الجزائر في العشرية الماضية هو التضاّد المطبق بين خيّار الأمة الجزائرية وخيّار السلطة الجزائرية , ففي الوقت الذي كانت فيه الأمة منسجمة قلبا وقالبا مع خطّ المصالحة الشاملة , كانت السلطة تتبنّى خط الإستئصال وسياسة العصا الفولاذيّة و منطق النار .

ولعلّ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة هو أولّ رئيس جزائري ينجح في الدنو من تطلعّات الأمة الجزائرية ويجهز على الهوة السحيقة بين الأمة والدولة و يتبنى وبكل صراحة خيّار الأمة الجزائرية و هو خيار المصالحة الشاملة و العفو الشامل ليتسنى فيما بعد الإنطلاق في عملية النهضة في الجزائر .

و قد إرتفع  سقف رصيد المصالحة الوطنية الشاملة في الجزائر  و تحولت إلى قناعة جماهيرية عريضة من الجزائر العاصمة وإلى تمنراست في أقصى الصحراء الجزائرية جعل جبهة

وبصدور قرار العفو الشامل و عودة القوة و التماسك إلى الجدار الوطني الجزائري يصبح العمل المسلّح ضدّ  الدولة الجزائرية في مطلقه غير شرعي , بإعتبار أنّ كل من حمل السلاح وإلتحق بالجبال لإسقاط الحكم الجزائري سيصير في مأمن وما عليه إلى الرجوع إلى عائلته والإنخراط في عقد السياسة و المجتمع .

ولعلّ وقف إراقة الدماء و عودة الجزائريين إلى توادّهم وأخوتهم التي ميزتهم أيام ثورة التحرير المباركة ضدّ الإستعمار الفرنسي سيدخل الجزائر في ثورة ثانية ولكن هذه المرّة في إتجاه إعادة البناء بناء الإقتصاد و التقنية و النهضة والدور الإقليمي والدولي .

إنّ عودة الحيوية إلى الإقتصاد الجزائري و إرتفاع الفائض في مداخيل الجزائر من مبيعات النفط والغاز جرّاء  إرتفاع أسعار البترول , لا يمكن أن تستثمر هذه المداخيل إلاّ في خضمّ الإستقرار الذي لن تهيئّ شروطه الموضوعية غير المصالحة الوطنية الشاملة والتي أصبحت مطلبا جماهيريا في الجزائر .

وفي حال نجاح مشروع المصالحة الوطنية الشاملة في الجزائر سيكون ذلك إيذانا بميلاد جزائر جديدة تسع الجزائريين كل الجزائريين بمختلف مشاربهم الفكرية والإيديولوجية و النظرية , كما سيكون هذا النجاح درسا مهمّا لكل الدول العربية التي ما زالت تنهج نهج الإستئصال مع معارضيها و ما زالت تكرّس سياسة النار و الحديد ضدّ مواطنين يصبون إلى التغيير وعندما أغلقت كل الأبواب في وجوههم لجأوا إلى البندقية .

وصحيح أنّ الفتنة الجزائريّة العمياء قد كلفّت الجزائر والجزائريين الكثير الكثير مما لا يحصّى عدّه على صعيد الخسائر البشرية والمادية و المعنوية , غير أنّ نجاح مشروع المصالحة الوطنية الشاملة في الجزائر سيخرج الجزائر نهائيا من أزمتها و سيعطيها وقودا من وحي تجاربها تنطلق به بقوة الصاروخ لإنجاز مستقبل أفضل .

و هذا النجاح سيؤسسّ لمعادلة مفادها أنّ الإنكسار ليس سرمدا في تاريخ الأمم بل هو مرحلي وظرفي , ومتى ما إلتقت إرادة الدولة بإرادة الأمة سيتبددّ الإنكسار و يبدأ الإنطلاق الحقيقي نحو إنجاز النهضة الموعودة .

و عندها يجب تعميم نموذج المصالحة الوطنية الشاملة على كل العواصم العربية للخروج من مرحلة الحروب الأهلية الداخليّة والتي أفضت بالإرادات الدوليّة إلى العبث بجغرافيتنا ومواردنا , و لن يردع هذه الإرادات غير التكامل بين الدولة و الأمة في مشروع للمصالحة الشاملة مع التاريخ و الراهن والمستقبل .

و إنتشار العنف سابقا في الجزائر ليس دليلا ولا مؤشرا على عنف الإنسان الجزائري و ميله إلى القتل العمد , فالظروف السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و حتى موضوع عدم حسم أبعاد الهوية الجزائرية كل ذلك أدى إلى إنفراط العقد الجزائري , وقد أبتليت الجزائر على مدى عقود بفئتين تسببتا إلى أبعد الحدود في إرباك مسيرة الجزائر وجلبت النكبة تلو النكبة للشعب الجزائري , وقوام الفئة الأولى التكفيريون التغريبيون الذين عملوا ما في وسعهم لإستئصال عروبة الجزائر وإسلامها وفرض التغريب عليها لغة ومسلكية ومنهجية حياة , وقد حاول هؤلاء أن يخرجوا الجزائر بشكل كامل من إمتدادها العربي والإسلامي و هم الذين عناهم الجنرال شارل ديغول وهو يغادر الجزائر في تموز – يوليو 1962 أنّه ترك في الجزائر بذورا ستينع بعد حين و ترك غرسا سينبت قريبا , فكانت النخبة الفرانكو –شيوعية  و التي حاولت أن تؤسس لجزائر بدون هويتها الحضارية وقضت على التعليم الأصلي والديني و الذي لو  لو ظلّ لشكلّ حائلا  يحول دون أن يستورد الجزائريون الفتاوى التكفيرية من وراء البحار . و الفئة التكفيرية الأخرى هي الجماعات المسلحة التي كفرت المجتمع و هيه في الواقع  و بفقهها التكفيري لا تملك مستقبلا في المشهد الجزائري سواء أكملت نهجها المسلح أو إنخرطت في اللعبة السياسية , ولا هي وفقت عسكريا , ولن توفّق بالتأكيد سياسيا لإفتقادها إلى العناصر المتمرسة سياسيا القادرة على لعبة  الكرّ والفرّ في المجال السياسي , بالإضافة إلى كونها ترى جواز قتل الثلثين من أبناء المجتمع إذا كان ذلك يؤدي إلى إصلاح الثلث المتبقي , و قد زادت السلطة الجزائرية من عنفهم و همجيتهم بتعاملها العنيف مع عناصر هذه الجماعة  أثناء إعتقالها والإمساك بها, و كان بالإمكان إخضاعها إلى دورات تأهيلية ثقتفية وإعادة إدماجها في المجتمع و هو ما تحقق لاحقا .

ولأنّها بدون مستقبل - فعلى الجماعة اسلامية المسلحة و الجماعة السلفية للدعوة التي أصبحت تعرف بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي - والقتال أن تفكرّ جديا في الإنخراط في المصالحة الوطنية الشاملة لأنّها بذلك ستعطي لنفسها فرصة حقيقية للتكفير عن كل أخطائها السابقة و الكفّ عن تكفير الناس وذبح الآمنين , ومن العبث بمكان تضييع فرصة كهذه خصوصا و أنّ هذه الجماعة وعناصرها باتت مقتنعة بأنّها غير قادرة على تسيير دورية في جبل ناهيك عن دولة مترامية الأطراف كالجزائر .

والمصالحة تتيح لهذه الجماعة الإنخراط في اللعبة السياسية و العمل السياسي بمختلف الأساليب , و على هذه الجماعة أن تعي أنّ فكر القاعدة لا ينسجم مع الجزائر مطلقا , بل يجب التفكير في إستراتيجية مغايرة , كما أنّه يستحيل إسقاط النظام الجزائري بقوة السلاح من خارجه , وفي ظل هذه الإستحالة فإنّه حتى من الناحية الشرعية يجب التفكير بالطرق الأخرى لتحقيق الأهداف المرجوة .

وقد أقسم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على أنّ الجزائر لن تحيد عن إسلامها , و إسلامية الجزائر مسألة منصوص عليها في الدستور , فيمكن التلاقي مع الرئاسة الجزائرية في هذه النقطة والعمل على تفعيل دور المشروع الإسلامي داخل المجتمع المدني , لأنّه في الوقت الذي لاذ به عناصر هذه الجماعة بالجبال والصحاري إستفرد التغريبيون و التفسيخيون بالمجتمع الجزائري و يحاولون المساس بقيم المجتمع الجزائري .

فالإقرار بالمصالحة من شأنه أن يزيل التصدع عن الجدار الوطني الجزائري , وعندها يبقى مجال النضال بالفكرة وبالمشاريع الهادفة و الخلاقة ضمن ثوابت يلتزم بها الجميع .

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز