الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
عقــل اللائكــي ج 2

      بــنــية العــقل اللائـكي بنـية نــافية لا تــسمــح بتــصور الدين خــارج الطقوس الجـامدة و لا قابلـية لــه بمــراجــعة طروحــات الفـصل بفــعل ثــقل التــاريخ الغربي و هــيمــنة مقــاييســه عــلى الشــعوب المستَــعبَــدة ، بــحيث ينــدر وجود مــن ينــقد قنــاعاتــه الموروثــة من ســجلات غيره إلا أن يــكون شبــح المــوت يــلاحــقه بالنذير و الوعــيد يُــزعزع لــه ولاءاتــه و يُــذَكِّــرُه بالمصير و اليقين فيـهرع بالانقلاب على اعتقاداته الراسخة إذ تتحــرك فيه آنذاك الفطــرة المطموسة بديــلا عن غــرور العــقل و عناده ، لذلك تــجد العديد من المفكرين الذين طــلَّقــوا ما ءامنوا به عندمــا زحف سن الشيخوخــة فصاروا أعــداء لما كانوا عليه يكتبــون و يردون علــى أنفسهــم ، و في ذلك عــبرة لغيرهم قبل نسخ التجربة . لـــكننا و نــحن نُــواجِـــه اللائكي بأسئــلة الصدق السياسي و التراث السياسي و عقــل الفقيه الذي استوعــب عصر زمــانه و تقلباته المتمــوجة نــراهُ يُــواجهنــا بأسئــلة العصر و ما يعرفــه من تحولات جذريــة في النظام الدولي و العلاقات الدولية و ما استــجد في أنظمة علم السياسة من أطروحات و مبادئ قالوا عنهــا أنهــا كونــية ، و كــأنــه يشــهِــر في حقنــا آخــر ورقـة يملكهـا هــذا العقل اليتيم ، فبعــدمــا انهـــزم في مــيدان التأصيل الشرعي و التاريخي لتبرير خيار الأليكــة و حــصَــدَ في ذلك مــرارة الجــهل و رفض الشعب المسلم راحَ ملتجــئا إلــى فلسفة العصــر يُــجرِّبُ فيها حــظــه البئيس فينطــلق لسانه بالحديث عن انعدام البرنــامج السياسي لــدى الإسلاميين و الجــمود الفقهــي و عقلية " الظــلام " و " الرجعية " و كــأننا أمــام تُـــجَّــار اللَّغــو الكــلامي و عقليات التسويق الإعلامي تُــتــقِــن اللعب بالألفاظ الهــجينة و تعــوزُه النضج السياسي و الفكري إن لــم يكــن من منطــلق واجب الدين و مــا يفرضه من مراقبة القول الفاحش فمِــن باب فلسفة "الإخاء" الفرنسية التي يؤمنون بها مطلقا !

     مِــن ضــمن عجــائب هــذا العقل المستَــورَد أنــه لــم يكتفِ بالتغطية على الاعتراف بأزمــته الدينية و جفاف قلبه فحسب ، و إنــما صــارَ يضــع نفسه كمــا لو أنــه إسلامي يُــنافــح عن مشروع النهــضة الإســلامية و يُــقدم نفسه من داخــل خط الإسلاميين الحركيين فــتراه يصــرخ في وجــه الإسلامي الأصيل بكلمتــه الهزلية " كلــنا إسلاميون " أو علــى تقدير : كلنا مسلمون ! يــافطــة تُــحاول ســتر عناده و تخفي وراءها عــالمــا مغايــرا من الانخــلاع الديني و الشرود القيمي و كأنــه يُـــخاطب قوما يجــهلــون تجليات و عــلامات التدين ، لائكي إســلامي و لك أن تعجب . يُــذكرنا هــذا بصـرخة ألم اللائكــي فؤاد زكريا إبــان المناظرة الشهيرة عــام 1413/1992 بينــه و بين المفكر الإسلامي محمد عمــارة تحت عنــوان ( أزمــة العقل العربي ) حيث أعــاد الأسطوانـة الخادعــة لتدليس المشروع المعادي للدين ، أسطوانة أننا جميعا إسلاميون ، فالعبــارة عنده لا تتــجاوز كـون المسلم تــربى في ظــل الإسلام و لا يــودُّ أن يــفهــم من الإسلامية مشروعـا للنهوض و الإقلاع التنمــوي يستــوعب مجالات الحــياة كلهــا و طبقات المسلمين كــلهم ، لائكــية تــدَّعــي الدين عليهــا عــــزيــــز ! تُـــرى هــل يجوز في عرف العقل أن يكون الماركسي الدهـري مــؤمنــا بحرية الســوق و ملكية الأفــراد و تــحرير الرأسمــال غــير أحــمق موصوف بمحرف الماركسية اللينينية ؟ هــل يجوز لليبرالي يؤمــن بمذهــبه الاقتناعَ بالتأمـــيم و نــزع الملكيات و المساواة في الأجــور غــير مــعتــوه يُــؤمن "بالبنية التحتية" كـــأساس و ينافــح في المقابــل عن الاقتــصاد الحــر ؟! و نــستــطرد قيــاسا و هــل يمكــن لإســلامي/زَعَمَ لــم تســجد جباهــه للمولــى عز و جــل قــط لا يــرى الحــرام حراما و الحــلال حلالا أن يــضــعَ نفــســه ذادا للإســلام إلا أن يكــون في عقلــه مـــس ! أو يــفــهم الإسلامية تعددية اختــلاطية تــجوز عنــده عصــرنــة الإسلام و تحــديثــه بمـا لا يتنــاقض مــع القوانين الدولــية و المواثيق الكونية/قالـوا ، و للمـزيد في هـذا المـوضوع يُــرجى قراءة كتاب : الإسلام و الآخـر من يعترف بمن و من ينكر من ؟ للد. محمد عمارة .

     تــخبــطات هـذا العــقل يجــعلــه عــقلا مختــلطا ، فــهو من جــهة يــقوم بإعــادة إنتاج تاريخ غير تــداولي و يطـنب في الحديث عن مــزايا الألــيكة و تــحييد الدين و تحكيم "العقلانية" في السياسة و تــدبير القــضايــا ، لــكنـــه في المــقابل لا يــودُّ أن يــخــسر دينــه و تــاريخه الموروث تَــجــرُّهُ الفــطرة و شــموخ الإسلام إلــى البــوح بعليــتــه و مــكانتــه ، غير أنــها علــية جــمود تــوضع في الرفــوف و بين جــدران المســاجد و إلا فــهو إســلام مستحــدث طــوَّره "إسلامـويون" معاصرون بــدافــع التــميــز ! تــأخـذهُ الرجــفــة خــوفــا من أن يــتــعرى عــن إسلاميـته المزعومـة أمــام الإسلامي الأصيل فيســارِعَ للــتقــمص تــمويــها ، جــرأة في تــهمــيش الدين و جــرأة في احــتكــاره ! لــــكــن هــذا الــدين الشــامخ لا يــحتــاج إلــى من يكشــف أهلــه من غــيره ، فتــمظهــرات التــدين و الالتــزام الشمولي بــه لا تــعوزه فلــسفة للاستــدلال إذ نــظرة في الســلوك اليومي تــكشف من يقــفُ مــع أصحاب الصدود و من يــكافــح ليشــيع الإســلام و يسري في القــلوب . و حــتى لا يُــسارِعَ أحــد بالاستــدراك علينــا فيسأل : كــيف جــعلتَ سـابقــا هــذا العــقل عــقلا متــجانســا و تــسِــمَــهُ الآن بالمخــتلِــط ؟ أليــسَ هــذا دلــيلا علــى التنــاقض الصــارخ ؟ و نُـــجــيــب سريــعا بكــون هــذا العقل هــو فــعلا عقلا متجانسا لــكنــه تــجانــس اخــتلاف لا تــجانــس وحــدة ، و تــجانــس اختلافــه هـو عـلامــة ضــعفــه و عــجزه عــن الاندمــاج في خــط التداول يــجــعلــه أقرب إلــى عقــل ممــزق في هــويتــه و مــرجعــيتــه الشــاملــة ، في حــين أن اللائكــي المتبــوع ينــفرد بتــجانــس وحــدتــه الداخــلية ، فــهو عــقل يتناغـم مع التراث و لا تتشاكــس في ذاته حطاب دهــري و خطاب مشدود إلـى قــوة الدين في الوقت الذي تتــداخــل في عــقل اللائكي التــابع نموذج متغرب فرض نفسـه بقوة الهيمنــة و السطوة مع نموذج متصل بتاريخه ، و هــذا التــجانس المختَــلَف في ذاتــه هــو مــا يمــثل بــنــية عقلــية معــلقة لائكــية في ديار الإسلام ركبت مــوجــة التغريب المتـــخــلِّــف .

    لــو كــان اللائكي الإسلامــوي يــحــمل هـموم تـحكــيم شــرع الله فتأخــذه الغــيرة علــى حــرمات الله لــكــان لــه قــدم في مــشروع النــهضـة الإسلامية المنشودة و لــكــان الاختـلاف مــعـه اخــتلاف سُــبُــل فرعية للإصــلاح ، لــكن القــومَ تأخــذهــم العــزة بالإثــم فيحــسبون الدين عــليهــم مــقــصلــة ، قــوم انــدرست فيهم قيم الأخــلاق فــأصبــح الدين عنــدهم " مسألــة " من المســائل لا يتــجاوز عــلاقــة العبد بــربــه ، لــو كــان اللائكــي الإسلاموي صــريحــا مـع ذاتــه فيعـلن عـداءه و حربـه علـى الدين بــلا مــداراة لــكان فــعلا صاحــب مشــروع ، لــكنــه مــع الأســف يُــدلِّــسُ البضاعــة و يغــطيهــا بخطـاب ثــرثــاري ينتــحل العنــاوين و ينــحت المــفاهــيم فيحــسب نفسـه مُـنــظِّــرَ مشـروعٍ نهــضويٍّ و مــا هــو إلا امتــدادا غــير شــرعي لــعقــل متــمـرد علــى الدين حينا من الدهــر. فإذا كـــان من المحــال إطــلاق صفـة الماركسية على اللــيبرالي و العكــس صحيح فــلأن جــذور الاختــلاف يــعود إلــى أســاسات التــغـيير و قــواعــد الإصــلاح الشامــل المشدودة للإطــار الإيديولوجي الناظــم ، و جــريا على هــذا النــمط يــكون التنـاقض الحــاد بين اللائكي الإسـلاموي في مشـروعــه التغريبي الاسقاطي المُــنتَــحَــل و بين الإســلامي الأصــيل في مشــروعـه الوجودي يــكون أنــصع من أن تــعيبــه خــدوش ، فكيــف يــدَّعــي اللائكي إسلاميتــه في غيــابٍ لاحتــرام أحــكام الله و سنـة رســوله الكريم ؟ و كــيف لــعقل لائكــي مــجرور به لا يــرى أولويــة الحل الإسلامي أن يــضــع نفــســه من دعــاة الإسلام ؟ شــتـان بين عــقل مــذهـول بقيــم الغرب مُــعــقَّـد بحــداثة وهمــية مشــدودة إلــى عقل اليونــان رمــز العقلانية و بين عــقل يتــحرك بموجب قيم الإسلام يُــقــدِّم علـى ضوءه تــجديدات فقهيــة و نــظرات تــداولية إن لــم تــشفــع لــها مــرجعيتهــا الإســلامية التأسيسية تــشــفع لهــا خــطــها التراثي و قيمهــا التداولية الأصيلـة . مــشكــلة اللائكــي إذن لا تــكمن في مشــروعــه المنــقول الثــاوي لقيم تفكيكية لأسس الحياة الإسلامية فحسب ، و إنــما يــرتبط أيضا بآليات تــفكير هــذا العقل حــيث غــدا التــقليد السيئ أحــد مــرتــكزات القول الفلسفي و الفكــري ، الشيء الذي يـــنزع عنــه الأصالــة و يُــلحِــقه مباشرة بفضاء أجنــبي لا صــلة لــه بمحــرك الجــماهــير ، فــكيف إذن لنــخب لائكية أنهــكتها الاغتــراب أن ينــسجــموا مع مشروع التــغيـير الجذري و هــم جــزء لا يتــجــزأ من معيقــات النــهضة ؟ إلـــــــــــــى أن يــفــيــق هــذا العــقل المُــشَــــرَّد في تكــوينــه نَـــــــــــــدَعُ  الــــــكـــــــــلـــمـــة الحــرة للــــــشـــــعــــــوب !







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز