صائب مراد
jadhardan@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 January 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
رسالة من ميّتةٍ اردنيّة قتلت بإسم الشرف الى الملكة رانيا العبدالله

 

سيّدتي  ....

 

في عائلة يلفها الجهل والتخلف ، ويثقبها الفقر من الجهات الأربع ، ويسمونها زورا محافظة !!  كان عليّ ان أولد ، ورحلتي التعيسة بدأت بصفعة قويّة على مؤخرتي ، اما الحبل الصرّي فقطعته القابلة باسنانها ، ثم وضغتني بقدر من الماء الساخن ولفتني بقطعة من القماش الخشن !! فعرفت من حفاوة الإستقبال انني ضيفة غير مرحب بها .

 ثم بكت امي طويلا ، بكت بكاءا مراً ،  ودخل والدي عليها وركلها في بطنها ، وقال لها ما معناه انه كان من الافضل لو انها ماتت ومت انا معها ، وعندما شاع خبر ولادتي بين جيراننا ، وسمعت ما يقال عندهم عن انجاب البنات ، بدأت اشعر بالعار من نفسي قبل ان تمضي ساعتين على ميلادي ، وحين ادركت ان لي عيناي ، نظرت اولاً الى دارنا  فوجدتها متسخة ، وكانت تطفح بالمياه وبقع الدم ورائحة النفاس والقرفة التي احضرنها العجائز .

 

 في احضان هذه العائلة التي قتلتني كان عليّ ان اكبر، فقد ولدت عندهم رغم انفي كبقيّة الأطفال.

 وكبرت رغم انفي كعادة الأطفال سيّدتي .

وبدأت والدتي تعدني لأداء مهمتي كفتاة مناسبة لعائلة محافظة ، فعلمتني كيف اغسل الصحون ، واغسل جوارب اخوتي والحصران القديمة ، وكيف امسح البلاط والمرحاض كل يوم جمعة ، واوقد النار بعود كبريت واحد ، وعندما بلغت الثامنة من عمري عهدوا اليّ اعداد قهوة الصباح .

 

وبدأت اصحو قبل معظم الطيورسيّدتي  .

واوقد النار بعود ثقاب واحد ، وامسح البلاط ريثما يغلي ماء القهوة ، واغسل خرق الطفل الذي ولدوه بعدي ، ثم اجرّ قدمي المتعبتين الى المدرسة ، وابحث طول الوقت عن عذر مناسب اقوله لمعلّمة الحساب ، التي كانت لا تكف عن تقريعي .

 

وكبرت رغم انفي مثل كل الأطفال سيّدتي .

فغطوا شعري بقطعة قماش ابيض ، وعلموني ان النساء في الأردن يتجّبن ، ليحجبن عنهن الحب ونار جهنم ، وقد افزعني ان اتخيل ابن جيراننا الذي كان ينتظرني كل يوم عند مدخل الزقاق ، سيحجب حبه عني حال ان يرى القماش الابيض يغطّي رأسي كما افهموني ، لكنّه حين رآني ابتسم وسمعته يقول انني اصبحت الآن اجمل ، وحلمت به طوال الليل ، وفي الصباح رأيته يمد لي رسالة صغيرة ، فحضّرت نفسي لأشتمه كما تقضي العادات والتقاليد ، وفي تلك اللحظة المشؤومة خرج والدي من البيت فجأة ورأى ابن جيراننا  عند مدخل الزقاق .

 

وصدرت الأوامر بمنعي من الذهاب الى المدرسة بل ومنعي من الخروج من البيت .

ضربني والدي حتى دقّ ضلوعي ، وبكت والدتي طوال الإسبوع  ، وقالت احدى جاراتنا انني بنت داعرة ، مثل بنات هذا الجيل الداعر ، ثم منعوني من الخروج .

 

وبقيت في البيت رغم انفي كعادة النساء هنا  سيّدتي .

كنت امسح البلاط والمرحاض واغسل الخروق وفناجين القهوة والجوارب ، ثم بدأت اعدّ وجبات الطعام ، ولم تعد ثمة ما تستطيع والدتي ان تفعله في بيتنا ، سوى ان تذهب لمكة المكرّمة ، ثم ذهبت الى هناك وماتت في طريق العودة بضربة شمس ، فهي كامرأة من عائلة محافظة لم تكن تستطيع ان  ترى الشمس  على حقيقيتها  الا في مكة ، فماتت حتف انفها وترحّمنا عليها .

 

وتزوجت رغم انفي كعادة النساء في الأسر المحافظة سيّدتي .

جاء جندي من جنود ابو حسين  وطلب يدي في المضافة ، وقد سمعته يتحدّث ، ورأيته عبر ثقب الباب رأيت شكله وعدد الصقور الواقفة فوق شواربه واسنانه الذهب ، وكرهته من اول نظرة ، وتمت الصفقة ثم حدث الزواج ، وكان الزواج في عائلتنا المحافظة يحدث بين الرجال وحدهم .

وعندما نام بجانبي ليلة الجمعة ، وتفحّص اولا غشاء بكارتي باصابع يديه ، وازكم انفي برائحة قدميه ، واخترق سرب من مقاتلات سلاح الجو الملكي حاجز الصوت فوق دارنا معلنا للجميع ان كل شيء على يرام ، وبكيت من الغضب حتى طلع الصباح .

 

ثم مسحت دموعي وطفقت امسح البلاط واغسل الجوارب والحصران واعد وجبات الأكل ، واطارد الصراصير في مطبخنا بفردة الحذاء ، واغسل الصحون وانجب الأطفال ، واخيط الأزرار المفصومة ، واترك جندي ابو حسين يعضّني في رقبتي عندما يعتريه الشبق خلال الليل ، فيغرقني بالحب ويتسلق صدري مثل قملة ، وكنت اعرف ان الحب في عائلتنا المحافظة مثل غسيل الصحون والخرق ، مجرّد واجب من واجبات الزوجيّة !! 

وذات يوم يا سيدتي ....  سمعت طرقا على الباب ، واضطررت ان افتح شق الباب واطلّ برأسي عبره لأرى من الطارق ، وكان الطارق وافد عربي يسأل عن غرفة للايجار وقد اخطأ العنوان ، واضطررت ان اقول له انك مخطىء في العنوان ، وفي تلك اللحظة التي ادار العربي الوافد ظهره لي واغلقت الباب ، طلّ راس جارنا من باب داره ، فرأى العربي الوافد يغادر مكان الجريمة والباب يغلق خلفه ، ووشى بي عند زوجي وقال له ان رجلا غريبا خرج من عند زوجتك قبل ظهر هذا اليوم ، فدقّ الجندي ضلوعي وكسّر عظامي بعصا غليظة من خشب الزيتون ، وسمّاني امرأة عاهرة ، واخذني الى بيت والدي ، وبعد محكمة ميدانيّة سريعة دامت دقائق معدودة ، تضخمت عروق الشرف في رقبة اخي ، ولمحته يوجّه فوهة مسدسه الى رأسي ، فسقطت في بركة من الدماء .

 

ثم متّ رغم انفي كعادة النساء .

ولم ارى من دنياي سوى البلاط والمرحاض وصراير المطبخ وفردة الحذاء ، ولم اسمع شيئا سوى شخير جندي ابو حسين ونهيق الحمير والإذاعة الأردنيّة ، وحفظت اغنية هاشمي هاشمي عن ظهر قلب .

استأجر احدهم شيخا وقرأ عند رأسي { قل هو الله أحد } الف مرة مقابل عشرة دنانير ، ووضعوا جثتي في قدر من الماء الساخن ، ثم لفوني بقطعة قماش بيضاء ووضعوني في النعش واحضروني الى هنا .

 

هنا معي كثير من الفتيات الاردنيات اللاتي قتلن بإسم الشرف في عهدك الميمون سيّدتي الملكة ، هنا سحر وسعاد  وآيات وغيرهن كثيرات ، وقد غضبن جدا منكم مثلما غضبت انا  حين علمنا ان اخي الذي قتلني ، قد شوهد بعد بضعة أشهر قليلة من فعلته وهو يتسكع في الأزقة لاهثا يملأه الشبق ، ويطارد الفتيات لإغرائهن بقصة شعره وبنطالة الجديد ، واختي الصغرى حبيسة البيت ممنوعة من حقّها في الهواء والشمس ، فنحن هنا في عالمنا الجديد لا نقبل مزاعم مجتمعكم ونوابكم وفقهائكم وافتراءهم ان شرف البنت مثل عود الكبريت ، وشرف الرجل مثل ولاعة الرونسون ، فقد تبيّن لنا هنا ان ليس هناك فرق بين هفوة الرجل وهفوة المرأة ، وأخي الذي قتلني بإسم الشرف ، تبيّن انّه كاذب بلا شرف ، شريف مزيّف ليس فيه ذرّة من شرف ، والقاضي الذي آذاني بشرفي ظلما حين رضي ان يقاضى اخي بموجب المادة 340 او المادة 98 من قانون العقوبات ، تبيّن لنا انه الآخر لا يملك ذرّة شرف واحدة ، وقالوا لنا هنا انهم سيحرقوه بالنّار ، لأنّه لم يحكم بما انزل الله ويعتبراخي وابي وزوجي كاذبون كما وصفهم الله في قوله تعالى { لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون } ،  وتبيّن لنا ايضا انّ مجلس النواب بلا شرف والحكومة بلا شرف والمتخلفون بلا شرف .

فأي شرف نتن هذا الذي يختزلونه بين فخذي إمرأة ويتفاخرون ويزهقون بسببه الأرواح البريئة  !!

 

سيّدتي

نحن الفتيات اللاتي قتلن بمباركة من قانونكم ، نعلن اننا لا نقبل عذركم ولا نصدّق عجزكم عن إلغاء المادة 340 ، والمادة 98 من قانون العقوبات ، بحجّة ان مجلس النواب قد رفض المصادقة على تعديلهما مرتين ، اننا هنا لا نقبل هذه المسرحية السمجه التي حيكت فقط لتداري حرجكم امام منظمات المجتمع الغربي صاحبة الشأن والتي نجح بعضها في الضغط على دولها بربط المساعدات الماليه للاردن بتعديل المادتين 98 و 340 ، فمجلس النواب كان دائما ولا زال اعجز من ان يعيق مشروع قانون تريد الحكومة تمريره ، ولم يحدث ان نجح مجلس النواب في عرقلة اي قانون تريده الحكومه ، سوى هذه المرة فكانت سابقة لا تنطلي على ايّ نبيه ، فالحكومة دأبت دائما على حشد التأييد ورشوة النواب قبل التصويت على اي قانون تريد تمريره ، ولو ارادت الحكومة فعلا تعديل المادتين 98 و340 لفعلت ، لكن لم يكن مهما لكم ولا للحكومة تعديل المادتين بقدر ما هو مهما استرضاء منظمات المجتمع الغربي صاحبة الشأن ، واظهار انفسكم امامها بالعاجزين امام استحقاقات ضريبة الديمقراطيّة ، في عملية خداع لله والضحايا ومنظمات حقوق الانسان .

    فإذا كنتم فعلا تريدون الغاء المادتين او تعديلهما ، تستطيعون ان تلجأوا الى الناس مباشرة ليقولوا كلمتهم في استفتاء شعبي كما يحدث في الديمقراطيات الحديثة ، دون حاجة الى مجلس المناسف والنفاق ومسرحيات الكذب والخداع ،  وسيشاركن النساء بقوة في هذا الأستفتاء ، وينتصرن لحقوقهن وقدسيّة ارواحهن ، ومعهن كل الرجال الشرفاء حقا ، ومجلس النواب يصبح ملزما بالمصادقة على نتائج هذا الاستفتاء الشعبي النادر ، دون ان يستطيع احد ان يعترض على اختيار الناس . 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز