سري سمور
s_sammour@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 January 2010

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
عالم لا أمن فيه...والسبب...

من أعظم نعم الله التي إن عددناها لن نحصيها نعمة الأمن وقد ذكر الله تعالى هذه النعمة في معرض حديثه عن قريش في مكة المكرمة «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» وهو ما قد نعبر عنه في عصرنا بالأمن الغذائي والأمن الفردي ،لما توفر لقريش آنذاك من سير قوافلها التجارية من مكة إلى اليمن شتاء ،ومنها إلى الشام صيفا،وعدم تعرض هذه القوافل أو مكة إلى اعتداء أو غزو من قبائل أو لصوص بعكس ما كان يحدث لقبائل أخرى.

وما حققته البشرية خلال عشرات السنين الماضية من تقدم علمي ،يفترض أنه جلب للبشرية مختلف جوانب الأمن ؛فقد تم بفضل التقدم العلمي القضاء على العديد من الأوبئة والأمراض القاتلة،أو قتلها في مهدها بفعل المضادات واللقاحات ،وهذا يدخل ضمن باب الأمن على الصحة-إن جاز التعبير- وهناك وفرة في الغذاء ،ووفرة في الثروات الطبيعية التي اكتشفت كالنفط وغيره.

كما أن ثورة الاتصالات والمواصلات نعمة أخرى في هذا الزمان والتي تجلب الأمن ضمنا ،بفضل تطور وسائل السفر والتنقل،فأصبح المرء في إفريقيا ،مثلا،قادرا على التواصل مع شخص في أمريكا اللاتينية بالصوت والصورة بفضل التقنيات الحديثة للاتصالات ،وهذا يفترض فيه نقل المعلومات المفيدة لبني الإنسان،حيث سمعنا كثيرا عن طبيب محترف يجلس في مكتبه أو عيادته في ألمانيا يعطي التعليمات لفريق طبي آخر في سنغافورة لإجراء عملية جراحية معقدة.

كثيرة هي إنجازات البشرية العلمية خلال الخمسين سنة الماضية، بل يرى البعض أن ما تحقق خلال هذه السنوات يفوق ما تحقق من إنجازات واكتشافات علمية منذ بدء الحياة على سطح الأرض.

كوارث وزلازل و...

إلا أن كل ما سبق لا يعني أننا نعيش على هذا الكوكب في أمن وأمان ،فقد كثرت الزلازل والفيضانات وما يعرف بالتغيرات المناخية،مما تسبب بالتصحر ،وبالسيول المدمرة ،وظاهرة الاحتباس الحراري (ارتفاع درجة حرارة الأرض)،وذوبان الجليد في القطب الشمالي وهو ما ينذر بمزيد من الكوارث على سطح الأرض،لدرجة أن خريطة العالم مهددة بالتغير باختفاء جزر ومواقع كأستراليا وهاواي بسبب التغيرات المناخية،ونضوب غاز الأوزون الضروري لتنقية الغلاف الجوي ،وكل هذا بفعل الإنسان أو بمعنى أدق جور الإنسان على البيئة والطبيعة ،بسبب ما تسببه المصانع من انبعاث للكربون ،وهو ما سيؤدي إلى مزيد من الجفاف والتصحر والانهيارات الطينية وارتفاع منسوب مياه البحار ونقص في المياه بسبب ارتفاع حرارة الأرض.

إن الأرض كوكب يعيش عليه المسلم والكتابيّ والبوذي والهندوسي ،ومن لا يؤمن بأي ديانة ولا يلتزم بأي عقيدة،وما على الأرض من حيوان ونبات مسخر للإنسان ،لأن الإنسان هو المستخلف في الأرض ،ونحن نرى أن هذا الكوكب يسير نحو الهاوية،علما بأن المتضرر هو الإنسان كائنا من كان.

حروب ونزاعات

هناك حروب وبؤر ساخنة في كثير من أرجاء الأرض،ورغم أن العلم ابتكر الكثير مما يفيد الإنسان،إلا أن العلم الحديث أيضا تفنن في اختراع أدوات القتل والدمار ،التي تخلّف آلافا مؤلفة من القتلى وأضعافهم من الجرحى والمشوَّهين والمعاقين،كما أن آثار الأسلحة التي تستخدم تظل بعد أن تضع الحرب أوزارها بزمن طويل ،مثل التشوهات في الأجنة والأورام السرطانية التي تتزايد.

لقد عرف الإنسان الحرب منذ آلاف السنين ،لأسباب متعددة،لكن الأسلحة التي كانت تستخدم في حروب العصور الماضية كانت أقل فتكا مما هو عليه الوضع الآن،فقد كانت الحرب تقتضي تكسر النصال على النصال،والتحام الفرسان بالفرسان ،وكر وفر أما اليوم فبضغطة زر يمكن قتل عشرات ومئات وآلاف من الناس،ناهيك عن الخراب في المباني والبنى التحتية،بل إن الله جل وعلا مدح نبيه داود،عليه السلام،لاختراعه الدروع « وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ »( الأنبياء: 80) فقد انخفض عدد قتلى الحروب بعد هذه الاختراع ،أما اليوم ،فإن هناك قنابل تخترق الحصون،وتحيل الصخور إلى رماد ،وتمزق الأجساد إلى أشلاء .

والحروب والنزاعات القائمة والمتوقعة ،جزء منها بسبب الطائفية والمذهبية والعرقية(الإثنية) ،وهي أمور كانت المجتمعات البشرية تقوم عليها قبل عهد الدولة،ونحن نرى بلدانا قُسمت وتمزقت ،وأخرى على ذات الدرب،وبلدانا غنية بالثروات الطبيعية والبشرية مزقتها الحروب وعمّتها الفوضى ،وهام ملايين من أهلها على وجوههم في البلاد كالعراق والسودان وغيرها.

فقر وبطالة وكساد

لم يعلن بعد عن انتهاء الأزمة المالية العالمية، والتي يتوقع أن تتجدد وتتدحرج، ورغم ما ينعم به الناس من علوم وثروات ،إلا أن الفقر والجوع ينهش مئات الملايين من البشر،وهناك البطالة التي تتزايد معدلاتها باطراد في شتى أرجاء الأرض،وتفيد تقارير البنك الدولي بأن هناك أكثر 900 مليون إنسان يعيشون بدخل يقل عن دولار واحد يوميا  وهناك إحصائيات تقول بأن 3 مليار من البشر (نصف سكان الكوكب) يعيشون بدولارين يوميا،وعشرات الملايين يعانون من المجاعة وسوء التغذية في آسيا ومثلهم في إفريقيا وانضم مئات الآلاف في أوروبا وأمريكا إلى طوابير الفقر بالحصول على كوبونات المعونات الغذائية،وهناك أكثر من 30 ألف طفل يموتون يوميا بسبب الفقر والجوع.

كل هذا فيما يتمتع نحو 200 من أغنياء العالم بثروة تفوق دخل أكثر من 40% من مجموع سكان الكرة الأرضية،وفي الوقت الذي تنفق فيه دول العالم على التسلح نحو 1.5 تريليون دولار ،وهذا يذكرنا بفكرة الكاتب الساخر برناردشو صاحب الذقن كثيفة الشعر والرأس الأصلع،بأن توزيع ثروات العالم أشبه بحال لحيته ورأسه،وماذا لو كان برناردشو بيننا اليوم ماذا سيقول خاصة بعد أن تضاعفت الهوة بين أغنياء عالمنا وفقرائه،حيث أن 80% من الناتج المحلي العالمي يملكه مليار إنسان أو أقل من أصل ستة مليارات إنسان؟!

صحيح أن الله سبحانه وتعالى جعل الناس درجات ،ولا يمكن إيجاد المساواة،ولكن الحاجات الأساسية كالغذاء والماء والسكن والتعليم والعلاج يجب أن تكون متوفرة للجميع،وهي مفقودة عند معظم سكان الأرض،فالدول المتقدمة تنفق على التسلح  نحو 300 مليار دولار سنويا،ما يكفي لسد حاجات ملايين الفقراء في العالم!

الأمراض القاتلة

تحدثت في بداية المقال عن التقدم في مجال الطب،ورغم ما تحقق من إنجازات طبية هائلة،لا سيما في مجالات زرع الأعضاء والجراحة،إلا أن الطب فشل في إيجاد علاج للعديد من الأمراض القاتلة ،بل إن عدد المصابين بهذه الأمراض في ازدياد مرعب،فمرض الإيدز ،رغم أن اكتشافه مضى عيه نحو ثلاثة عقود،قتل نحو 25 مليونا من البشر،ورغم تقارير الأمم المتحدة حول تراجع نسبة الإصابة بالمرض خلال العام الماضي 2009 ،إلا أن وفاة 2 مليون إنسان في العام الماضي ووجود ما يزيد عن 33 مليون مصاب أمر يدعو للفزع.

أما مرض السرطان فهو يفتك بأكثر من 7 مليون إنسان سنويا وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن يرتفع العدد إلى 11 مليونا في السنة،بحلول العام 2030 ،وفيما يتعلق بمرض السكر(السكري) فيتوقع أن تبلغ أعداد الإصابات خلال السنوات الخمس المقبلة نحو 350 مليون حالة،علما بأن 70% من حالات بتر الساق (حالة كل نصف دقيقة) سببها هذا الداء،ناهيك عن الإصابة بالعمى وغيره من نتائج المرض.

هذا بالإضافة إلى ظهور أوبئة وأمراض جديدة كالسارس وإنفلونزا الطيور وليس انتهاء بإنفلونزا الخنازير،بغض النظر عما يقال عن أسباب الأمراض الجديدة.

إن عجز العلوم الطبية الحديثة عن إيجاد حلول أو علاجات جذرية للقضاء على هذه الأوبئة والأمراض أمر مخيف،ويجعل طرح فكرة ألا فائدة حقيقية من مجمل التقدم العلمي تبدو معقولة ومقبولة!

أين نذهب؟!

الطيور والحيوانات تهاجر ،والإنسان يهاجر من بلد إلى آخر بحثا عن الأمن أو الرزق،ولكننا نتحدث عن كوكب الأرض ككل،كمكان الحياة فيه مهددة،والأخطار تحدق فيه من كل جانب ،كوكبنا تهدده مخاطر الفقر والجوع والمرض والحروب والقتل وتنعدم فيه العدالة...ولا مجال أن نغادره إلى كوكب آخر،وحتى هذه الفكرة الخيالية غير منطقية،لأن الله أوجدنا في المكان الذي يصلح لحياتنا في هذا الكون الفسيح،وما في الكون من خراب هو بفعل الإنسان،وصدق الله تعالى إذ يقول:-

«ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون»(الروم:41).

فإمكانية العودة إلى جادة الصواب ،بعد أن رأينا العذاب واردة،والأمل لم ينتهي.

من السبب؟

ليس الهدف هو إطلاق الشعارات،ولا التجني،أو إيجاد شماعة لتعليق مشاكل وكوارث عالمية عليها،ولكن السبب في ما ورد سابقا ،هو القطب السياسي والاقتصادي المتحكم حاليا في الكرة الأرضية ،لأن هذا القطب ،الذي بات أحاديا منذ أكثر من عشرين سنة،هو الذي يؤثر بسياساته المختلفة على كل أرجاء الكرة الأرضية بشكل مباشر أو غير مباشر،إضافة إلى تأثره هو كجزء من هذه الأرض بتلك السياسات ،وأقصد هنا بشكل أساسي الولايات المتحدة الأمريكية،فهي أكثر بلد يتسبب بظاهرة الاحتباس الحراري،وأكثر بلد ينفق على التسلح ويشن الحروب الهجومية(يسمونها وقائية) وهو البلد الذي جعل –بحكم قوته الكبيرة- عملته وهي الدولار الأمريكي بارومتر أو مقياس لعملات العالم،ودعونا نستعرض بشكل سريع ما جنته الولايات المتحدة من كوارث على هذا العالم:-

1) ترفض الولايات المتحدة المصادقة على بروتوكول كيوتو المتعلق بخفض انبعاث بعض الغازات ،خاصة ثاني أكسيد الكربون ،وهي أكبر بلد  في العالم يطلق هذه الغازات،مما تسبب في  تغيرات المناخ والاحتباس الحراري وما يجره ذلك من كوارث ونكبات على كل الكرة الأرضية.

2)  أكبر مستهلك للطاقة في العالم هي الولايات المتحدة علما بأن عدد سكانها 308 مليون من أصل 6 مليار هم مجموع سكان الأرض!

3)  تنفق الولايات المتحدة مئات المليارات على التسلح سنويا،رغم انتهاء الحرب الباردة،وللتذكير فقط هي الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي ،حتى الآن،في حروبها.

4)  تسببت سياسات الولايات المتحدة في زعزعة الاستقرار في كثير من أرجاء العالم،فقد دعمت أنظمة ديكتاتورية أو حركات تمرد على حكومات وأنظمة لا ترغب في بقائها ،واحتلت بشكل مباشر دولة هامة هي العراق وقبلها دولة فقيرة هي أفغانستان ،وتسببت بشكل مباشر أو غير مباشر في قتل وجرح وتشريد وإفقار الملايين من الناس في البلدين،وتتعمد الولايات المتحدة إثارة المذهبيات والعرقيات في البلدان النامية والفقيرة تمهيدا لتقسيمها ،وهي تدعم إسرائيل بلا حدود في شتى المجالات،مما تسبب في كثير من التوترات والنزاعات والحروب التي راح ضحيتها مئات الآلاف من العرب والفلسطينيين بين قتيل وجريح.

5) أدت سياسة العولمة التي هي «أمركة» في حقيقتها إلى زيادة معدلات الفقر حول العالم،مع ما يتسبب به الفقر من دافع لاشتعال الحروب والنزاعات.

6) في سياق ما تسميه «الحرب على الإرهاب» ابتكرت الولايات المتحدة سياسة «الفوضى الخلاقة» وهو مصطلح يحمل نقيضه معه،وهذه السياسة تسببت في ازدياد الكراهية والعنف وتصاعد الأفكار المتطرفة حول العالم،وما تهدد به الولايات المتحدة من حروب قد يجر العالم إلى نزاعات وحرب عالمية تقضي على ما أنجز من مكتسبات علمية وتقنية.

هذا غيض من فيض،وكوكبنا يغرق كل يوم بل كل ساعة في المشاكل المدمرة،وهنا يجب تغيير سياسة القطب المتحكم فيه،أو السعي نحو وضع حد لاستفراد وأحادية هذا القطب،وهذه فكرة لم تعد خيالا ؛بل إن بوادرها تتضح شيئا فشيئا وهناك قوى صاعدة وبحزم وثبات ،لإلغاء تحكم العم سام بالعالم....ولكن أين نحن معشر العرب من هذا التغير وهذا الجهد لإنقاذ الكوكب،خاصة وأننا أكثر المتضررين من سياسات أمريكا؟سؤال برسم الإجابة.

،،،،،،،،،،،،،،،،

 السبت 20/ربيع أول/1431هــ الموافق 6/3/2010 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز