جابر الغاب
jabrjabr22@yahoo.com
Blog Contributor since:
27 January 2010



Arab Times Blogs
ليس دفاعاً عن سماحة مفتي سورية

 

    سماحة المفتي الشيخ الدكتور أحمد حسون لا يحتاج لمن يدافع عنه وهو من يدافع عن الإسلام كله وعن رسالته السمحاء التي شوهها الجهلاء والحمقى أصحاب العقول المظلمة والنفوس المريضة ممن اغتصبوا قيم الإسلام ومثله العليا وحولوها إلى دعاوى للقتل والإجرام والإرهاب والتكفير. وحديثي هنا يتعلق بهؤلاء، وليس بمن يختلف مع الشيخ أحمد حسون حول بعض الاجتهادات والتفسيرات والآراء في إطار حوار هادئ وعاقل ومتزن واحترام متبادل فهذا من حقهم. غير أن سماحة المفتي يبدو أنه مستهدفا ليس لشخصه بل لعقله النيّر وفكره المتطور ويتعرض لاتهامات وليس فقط لانتقادات في كل مرة يتحدث فيها بجرأة العالِم وصراحة المؤمن واستقامة الدين (كما حصل مؤخرا لدى استقباله لوفد أكاديمي أمريكي ) ليصوب آراءً وأفكاراً وأقوالاً وأفعالاً يمارسها "مسلمون" ومنهم من يُطلق عليهم زوراً لفظة "علماء" والعلم منهم براء إلا إذا كانت ثقافة التحريض على الفتنة والقتل والطائفية والكراهية والحقد بين أبناء الأمة الواحدة أصبحت من سمات "العالِم" الذي نسي أعداء الأمة المتربصين بهاعلى الأبواب ،المرتكبين للجرائم والمحتلين لأراضيها الهاتكين لأعراض أبنائها  والمدنسين لمقدساتها ،وكرس لسانه وقلمه لما يرضي هؤلاء الاعداء ويخدم أهدافهم وليس لما يخدم مصالح الأمة ويوحد أبنائها في وجه هذا العدو الذي يستهدف الجميع ولا يميز بين مذهب وآخر... وياليتهم يفتون للمقاومة والجهاد ضد الاحتلال الاسرائيلي والأمريكي لنصفق لهم ولكن هذا لانسمعه منهم ...

    إن الرسول (ص) قال "إن الله يبعث في أمتي كل مائة عام من يجدد لها دينها"وعسى أن الله سبحانه وتعالى قد يجعل تجديد هذا الدين لأول مرة بعد مئات السنين على يد الشيخ أحمد حسون وأمثاله من العلماء الفاضلين (في سورية وغيرها) بعد أن أساء أهل الكهوف والعقول المتحجرة للاسلام وقدموه للعالم بأسوأ الصور والمعاني ، وأضحى شغلهم الشاغل تمزيق الأمة وشرذمتها ودفعها نحو التناحر والاقتتال بثقافة التعصب وفتاوى التكفير، ونصبوا أنفسهم بديلاً عن "الرب" في المحاسبة وتنفيذ الأحكام واحتكار الحقيقة المطلقة مُصرين أن يجعلوا البشرية كلها والناس جمعاء من لون واحد وطيف واحد وعقيدة واحدة ومذهب واحد ضمن رؤية ضيقة وخاصة ، تعاكس إرادة الله وتناقض حكمته في قوله : "يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". ومتجاهلين أن الله لو شاء لجعل البشر كلهم أمة واحدة وعقيدة واحد ومذهب واحد.

    لقد تناسى هؤلاء أن التقوى عند الله هي الأساس وأن الدين معاملة ،وأن من معاني التقوى غرس المحبة والتسامح والأخلاق الكريمة التي تقارب بين البشر، وليس الثقافة التي تحرض المسلم على المسلم الذي ينطق كل يوم مئات المرات بالشهادتين، مخالفين كل ما جاء به رسول الله الذي لم يسمح بقطع عنق مشرك حالما نطق بالشهادة وبعد أن كان بين رقبته والسيف ثوان. ومتناسين قول الله للرسول : (لو كنت فظا غليظ  القلب لانفضوا من حولك)... وقوله تعالى : (وإنك لعلى خلق عظيم)... وقوله : (وجادلهم بالتي هي أحسن)... وقول الرسول (ص) عن نفسه : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

    وإن كل ما يجهد له سماحة المفتي الشيخ أحمد حسون وإخوانه من العلماء الأتقياء الصالحين هو إعادة الإسلام إلى السكة الصحيحة، إلى هذه المعاني السامية، ويكفيه فخراً أن كل من يلتقيه من الأجانب وكل من سمع كلماته وأحاديثه وخطاباته في المحافل الدولية يشيد به ويتحدث عنه بإعجاب ويصحح رؤيته ورؤاه عن الإسلام. ولهذا كان الشيخ حسون أفضل سفير للإسلام في العالم كله. بينما يكفي أصحاب الفتاوى التكفيرية ومروجي الفتنة  أن كل ذي عقل متنور في هذه الأمة وكل ذي بصر وبصيرة يعارضهم لما يبثونه من سموم وما يضخونه من أفكار وفتاوى جعلتهم موضع استهزاء أمام العالم كله.  ولم يجدوا سبيلاً للتعويض عن فشلهم في أداء  الرسالة والارتقاء بالأمة والنهوض بها نحو الحداثة والتطوير  والتقدم وحشد طاقاتها لمجابهة الاحتلال الاسرائيلي والأمريكي إلا تمزيقها  وشرذمتها وتجهيلها والتأسيس للفتن بين ابنائها . وان كل من يدعو للطائفية والمذهبية والفتن أو يمارسها من أي دين أو مذهب كان ،وفي أي بلد أو مكان كان انما هو الوجه الآخر لأعداء الأمة في الخطر عليها لأن هذه الثقافة السامة  تتقاطع وتتلاقى عن جهل أو عن عمد مع مخططات الصهيونية ومشاريعهم في تفتيت الأمة وتناحرها وأهل هذه الثقافة أيا كانوا انما يلعبون دور الأداة التنفيذية في هذا المخطط الذي عجزت الصهيونية بكل أحقادها ومكائدها وأدواتها عن تنفيذه ...

الأمة العربية ، بل والاسلامية، تتعرض اليوم لخطرين : خطر المشاريع التفتيتية الخارجية، وخطر التكفيريين والمتعصبين والطائفيين من أي دين أو عقيدة أو مذهب أو طائفة كانوا، فالخطرين بالنهاية يحققان نفس النتيجة وهي تفتيت الأمة وتقسيمها والاقتتال بين أبنائها. وإن الشيخ أحمد حسون وإخوانه من العلماء الأمناء الصادقين مع رسولهم وربهم الذين يدركون مدى المسؤولية الكبيرة المترتبة عليهم في هذا الزمن ويقومون بواجبهم الذي أملاه عليه دينهم في نبذ الكراهية والأحقاد والتعصب والدعوة للمحبة والتسامح والانفتاح وإيجاد القواسم المشتركة التي تجمع ولا تفرق وتبشر ولا تنفر، إنما هم ينشرون رائحة البخور ليزيلوا رائحة السموم النتنة التي يبثها أصحاب العقول النتنة  من أي دين أو مذهب أو طائفة  ، الذين يريدون أن يأخذوا المجتمعات والأفراد رهينة لسخافاتهم  وسطحيتهم وجهلهم وأمزجتهم وتفسيراتهم  وتعصبهم ، وأقول على كل مسلم مؤمن بقيم الاسلام التصدي لهم ولفظهم  لأن من يفتي بالتكفير والقتل والذبح لمجرد الاختلاف بالدين أو المذهب أو العقيدة، ويحرض على الطائفية والمذهبية والاقتتال  ويرسخ ثقافة التعصب والتزمت والكراهية والحقد والانغلاق بين أبناء الأمة الواحدة برئ منه الرسول والصحابة والمسلمون، فليس هناك من رسول بعث لأجل ذلك ، والأمة تريد أن تعيش جيلا بعد آخر بمحبة وألفة وتفاعل وتعاون وانصهار بين ابنائها الذين توحدهم كل المقومات من روابط الدم واللغة والتاريخ والآلام والآمال والمصير المشترك ولا يجوز أن يسمح بوجود من يفرق بينهم أيا كان وتحت أي عنوان ...   

    وأعتقد يتوجب على كل الحكومات العربية والإسلامية أن تحجر على أصحاب تلك العقول كما تحجر على أي مصاب بفيروس معدٍ لأن خطرهم أفتك من أي وباء على الحكومات والمجتمعات سواء، لاسيما إن كانوا يسرحون في مجتمعات هي بالأساس مجتمعات يسودها الجهل والتخلف فبدلاً من أن ينتشلوها من هذا التخلف إنما يغرقونها به أكثر وأكثر ويضيِّقون الإسلام على خوانيقها حتى تضيق أنفاسها، بينما الإسلام دين رحب وواسع ومنفتح وليس دين ضيّق ومحدود ومنغلق ليخنق أبناءه كما يصوره هؤلاء الذين يعيدون الأمة بثقافتهم الى جاهليتها الأولى بكل ما عنته من جهل وتخلف وعصبية وصراعات قبلية واقتتال ..

جميعنا يعلم  كم من مذهب وكنيسة للديانة المسيحية ولكن لا أحد يُكفرُ الآخر ويدعو لقتله، وهنا أتساءل هل المسيحية أكثر تسامحاً من الإسلام ؟؟؟

    لدى الأرمن رأسين للكنيسة وكل منهما يحمل لقب "كاثوليكوس عموم الأرمن" أحدهما مقره في أرمينيا والآخر مقره في لبنان، ولكن لا أحد منهما يكفر الآخر بل في كل مناسبة عيد ميلاد كل منهما يتوجه للآخر في عظة العيد بالتهنئة والتمنيات الطيبة والدعاء بالتوفيق... فهل نتعلم من هؤلاء معاني المحبة والتسامح..!!

الانتماء لطائفة أو مذهب أمر واقع وطبيعي ولكن الطائفية والمذهبية مرفوضة . والفرق كبير بين الطائفة والطائفية وبين المذهب والمذهبية ،ولذا ليست المشكلة في الانتماء لطائفة أو مذهب وانما في الطائفية والمذهبية ، وليس في الانتماء الى منطقة أو عائلة أو عشيرة وانما في العصبية المناطقية أو العائلية أو العشائرية ، فمتى ما طغت العصبية على عقل الانسان وتفكيره أفقدته صوابية العقل والتفكير ومن هنا تبدأ الكارثة .. كل هذا يدفعني للتأكيد أن الرابطة القومية والعروبية بمعناها العلماني الواسع والشامل كانت وستبقى  النظرية الأصح والأسلم والمشروع الحضاري والنهضوي الكفيل بجمع كل أبناء الأمة والقضاء على كل أمراض مجتمعاتنا ، وتوجيه كل الطاقات لمواجهة الاعداء والطامعين الذين أغراهم ضعف الأمة وتشتتها على فعل ما يريدونه بها بمساعدة الخونة والعملاء المتآمرين على قضاياها مقابل مناصب ومكاسب وامتيازات رخيصة كما هم ... ...

    اختتم بتوجيه التحية لسماحة المفتي الشيخ أحمد حسون ولكافة العلماء الذين يَسمون بالإسلام ليرتقي إلى سمو نبي الإسلام ورسالته التي جاءت رحمة للعالمين جميعاً بينما يسعى أهل الظلمات ليجعلوها نقمة على العالمين جميعاً.  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز