صائب مراد
jadhardan@yahoo.com
Blog Contributor since:
05 January 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
بين النوم والمنام .... والموت والوفاة

 يقول علماء الاثنولوجيا بأن الإنسان لم يفهم حقيقة الموت بادئ ذي بدء ، فلم يظهر من الموت في العصور الغابرة سوى هذا السكون المفاجئ الذي يستولي على الجسد. وبما أنّ في النوم سكونا مشابها للموت ، اعتقد الإنسان أنه نوم طويل ، هكذا فكر إنسان ما قبل التاريخ ، وربما أنه جلس عند جثث أمواته ينتظر استيقاظهم،  وربما أنه تعب من الانتظار وراح يبحث عن طعامه ، ثم عاد وغاب وعاد وغاب.. وهكذا إلى أن بدأت الديدان والحشرات والغربان تلتهم الجثث وتثير فيه أسئلة الحياة والموت ، لذلك كان الموت دائماً بوابة الإنسان على الفراغ والمجهول والخوف والقلق ، ولهذا السبب فقد تحول إلى عين مفتوحة على الغيب .

منذ آلاف السنين وعين الإنسان المفتوحة على المجهول من خلال الموت لم يرمش لها جفن ، ولم تنم ، ولكن دون جدوى، فهذه العين لم ترى غير الخيالات والأوهام والخرافات من ثعبان اقرع وناكر ونكير ، او في احسن الأحوال رأت فيه نوما ابدي طويل ، هذه العين المفتوحه على الموت لم تستطع أن تخبر عن ذلك الشيء بشيء ذي قيمة ، ذلك أن الموت قد قطع على نفسه وعداً ، وكان صادقاً فيه ، ذلك هو وعده ، بأن يكون مخلصاً للمجهول الذي ينتمي إليه ، فالموت لا يخبر عن عالمه ولا يكشف خفاياه.. فقط لأنه ممر باتجاه واحد .

ولأنّ في النوم سكونا مشابها للموت ، اعتقد كثيرون لا تقنعهم الخرافات والأساطير أنه مجرّد نوم طويل.

 هكذا فكّر إنسان ما قبل التاريخ ، وهكذا لا يزال كثيرون يفكرون ، واستدلوا ودلّلوا على اعتقادهم هذا من فهمهم للآيه " اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " الزمر 42 ، مع أنها هذه الآيه نفسها هي التي تنفي هذا الإعتقاد ، ولا يمكن بايّ حال ان نفهم منها ان الموت صورة اخرى للنوم .

 فالقرءان الذي فيه مفاتيح المعرفة الإنسانيه لكل الحقائق الموضوعيه خارج الوعي الإنساني ، والقرءان الذي محورة الأساسي وعموده الفقريّ وإعجازه هو التعريف بكل وجود موضوعي خارج الوعي الانساني ، هو اول من اعطانا نظريّة شامله في المعرفه الأنسانيه نستطيع بنتيجة فك مفاتيحها ان نعرف حقيقة وماهيّة ما هو موجود خارج وعينا الأنساني ، سواء كان مرتبط فينا او بالوجود من حولنا .

وبما انّ للموت وجود موضوعي حقيقي خارج الوعي الأنساني يداهمنا كل وقت ويقضي علينا ، فما بعد الموت وقبل البعث وجود موضوعي حقيقي ايضا ، سمّاه القرءان برزخا ، والقرءان اعطانا مفتاح معرفة هذ الوجود ــ البرزخ ــ حتى نستوعب ماهيّته في عقولنا ، فقال " اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " الزمر 42 ولكي نبدأ القراءه الصحيحه لهذه الآيه هنا يجب أن نميز بين مصطلحين هامين وهما: الحلم والمنام إذ لهما مفهومان مختلفان في ا لكتاب. والشيء المشترك بينهما هو أن كليهما يحصل أثناء النوم.

 فالحلم هو مجموعة من الصور التي يراها الإنسان وهو نائم وتتصف بأنها عبارة عن صور متداخلة بعضها ببعض وغير مرتبطة. لذا عندما رأى فرعون الرؤيا قالوا له (أضغاث أحلام). وقولهم للنبي عليه السلام (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر). (الأنبياء 5). لأن الأضغاث هي صفة الأحلام وتعني في اللسان العربي التباس الشيء بعضه ببعض. أما المنام فهو ظاهرة مختلفة عن الحلم، وهو الرؤيا الصادقة ، مثل ما حدث مع ابراهيم عليه السلام . (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) (الصافات 102 ) ، فالمنام يحدث اثناء النوم لكنه ليس النوم وليس الحلم ، ومازالت الرؤيا الصادقة والى الآن ظاهرة شائعة بين الناس بغض النظر عن التقوى ، تحدث مع المؤمن وغير المؤمن ، وهي ليست حلما ، ويمكن أن تكون مباشرة أو رمزية . وهذا ما أطلق عليه القرءان مصطلح الوفاة ، وسنرى لماذا .

 بداية علينا أن نميز بين مصطلحين حصل فيهما خلط والتباس وهما : الوفاة والموت.

كما انه من الضروري ان نعلم ان الروح ليست سر الحياة العضوية وإنما هي سر الأنسنة ، وبالتالي لا تدخل في مصطلح الموت أو الوفاة. وكل ما قيل عن الروح بأنها سر الحياة أو أي موضوع ربط الروح بالحياة العضوية يجب أن يستبعد لأنه يخالف العمود الفقري للكتاب جملة وتفصيلا ، وسبب هذا الربط بين الروح والنفس هو الالتباس في المصطلح حيث أن النفس يقابلها في اللغة الإنكليزية مصطلحان، ( body ) الجسد العضوي ، ومصطلح ( Soul ) النفس والمشاعر والأحاسيس والشخصيّه الأنا ، اما الروح فيقابلها مصطلح ( Spirit ) وفي القرءان اطلق مصطلح النفس على معنيين يفهمان حسب سياق الآيه :

 الأول : النفس ككائن عضوي حي ( body ) تنطبق عليه ظاهرة الموت وهي التي قال عنها: (كل نفس ذائقة الموت). (آل عمران 185). هذه النفس التي تموت يدخل تحت معناها كل الكائنات الحية بما فيها الإنسان ، وهذه النفس التي يمكن قتلها والتي جاءت في قوله: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق). (الأنعام 151). والنفس التي حرم الله قلتها هي النفس البشرية ، وهي النفس التي قال عنها: (وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله). (الحجرات 15). هذا هو المعنى القرءاني الأول للنفس التي نطلق عليها مصطلح الجسد العضوي المادي والذي ينتقل من حال الحياة إلى حال الموت والتحلل العضوي والتغير والفناء.

 المعنى الثاني : النفس الإنسانية فقط ( Soul ) وهي النفس التي تتوفى والتي لها طب خاص بها اسمه الطب النفسي. وهي مجموعة الأحاسيس والمشاعر وفيها الحب والكراهية والألم النفسي والراحة النفسية والسرور والعذاب وهذه التي قال عنها الله سبحانه وتعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى عن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). (الزمر 42 وهذا هو المعنى القرءاني للنفس التي تتوفى فهي الصور المدركة والأحاسيس واللذات والمشاعر ولها جدل خاص بها ، حيث أن هذه الأمور لا تتحلل بالموت لأنها غير مادية، لذا ذكر لها "الوفاة" وذكر للنفس العضوية "الموت".

وليسهل علينا فهم هذا الفصل بين النفس العضويه التي تموت والنفس الأنسانيه التي تتوفى ، ما علينا الا ترتيل آيات النفس التي جاءت في الكتاب وتصنيف الآيات حسب معنى النفس –الجسد التي تموت ، والنفس الإنسانيه التي تتوفى.

فعلى سبيل المثال : (وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). (العنكبوت 40) هنا النفس التي تتوفى .

 وقوله (فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم) (السجدة 27). هنا النفس التي تموت... وهكذا

 القرءان اعطى نفس المصطلح للحالتين لأنهما مرتبطتان بعضهما ببعض في الحياة ، ولا يحصل الانفصال إلا في حالتين وهما المنام ــ وليس النوم ــ والموت لذا قال: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها).

 ويحسن هنا أن نزيل الالتباس الذي يقول أن النوم هو كالوفاة فهذا وهم ، فالمنام هو الوفاة والذي يحصل أثناء النوم وليس النوم نفسه. فماذا يحصل في المنام وليس في الحلم؟ يرى النائم في المنام مجموعة من الصور والأحداث المباشرة لها معنى مباشر أو رمزي فيها رعب أو سرور و خوف أو فرح أو ألم أو لذة…الخ ، فيقول القرءان إن هذه وفاة مؤقتة للنفس حيث ترسل لقوله: (ويرسل الأخرى).

هذه الحالات لا تحدث في الضرورة كلما نام الإنسان، ولكن إذا حدثت، فإنها تحدث أثناء النوم ، ولتمييزها عن الحلم فإنها قابلة للتحقيق "التأويل" وهذه التي سميت المبشرات "الرؤيا الصادقة".

أما الوفاة الدائمة التي قال عنها: (حين موتها)، فذلك أنه في لحظة الموت لكل إنسان على الإطلاق ، بغض النظر أكان الموت سريعا جدا أو بطيئا لا يهم ، لأننا نعني لحظة الموت ذاتها ، فيرى الإنسان مجموعة من الصور يشعر فيها بالراحة أو بالعذاب ،  هذه الصور تبقى ثابتة إلى يوم يبعثون والجسد ليس له علاقة بذلك دفن أم حرق. هذا ما نسميه حياة البرزخ ، هذه الحياة صور ثابتة وشعور ثابت وهي حالة غير عضوية ما عدا الذين قتلوا في سبيل حريتهم او في سبيل حرية الأخرين ، اي الذين قتلوا في سبيل الله قجزائهم من جنس تضحيتهم الحياه العضويه عند ربهم يرزقون .

الآن نستطيع ان نفهم قوله تعالى (ولو ترى إذا الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون). (الأنعام 93). هنا العذاب للنفس الإنسانيه ، عذاب برزخي غير مادّي ، النفس الإنسانيه للظالم تعاني فيه عذاب الهون في صورة الوفاة التي تشكّلت له عند موته ، كذلك نفهم قوله تعالى: ( فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون * فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها إن كنتم صادقين * فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنت نعيم * وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلم لك من أصحاب اليمين * وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم ). (الواقعة 83 إلى 96) . هنا نلاحظ كيف يعطي صورة الوفاة حين الموت.

فالمقربون يشعرون كشعورهم بفسحة ونزهة "روح" وهم في غاية الراحة "ريحان" هنا ريحان على وزن فعلان وهي ضد "تعبان"، فالروح والريحان هنا الروح والريحان هما النعيم البرزخي غير المادي ، وعند البعث يأتي النعيم الجسدي المادي جنة النعيم ، كذلك الحال مع المكذبين الضالين فنزل الحميم هو العذاب البرزخي غير المادي ، وعند البعث يأتي العذاب الجسدي المادي تصلية الجحيم ، ولكي يبين الحق سبحانه وتعالى ان هذه الصورة التي تحصل في الوفاة حين الموت تبقى ثابتة إلى يوم يبعثون قال عن آل فرعون: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب).

هنا أكد القرآن أن لا نعيم جسديا ولاعذاب جسديا إلا بعد البعث الجسدي والحساب المادي ، فقال (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) ، فهناك الجنة والنار الماديتان.

هذا العذاب البرزخي الصورة التي تحصل عند الوفاه ، ورغم انها تبقى ملازمة صاحبها الاف السنين ،الا انهم عند بعثهم يظنوا انفسهم لبثوا فيه ساعة من الزمن (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ) وهنا تظهر جدلية الزمن بين العالم المادي الزائل والعالم البرزخي وتناقضها في عالم مادي زائل وأخر ابدي لا يتغير ، فالاف السنين في في حساب المجرمين في عالم البرزخ رغم بشاعتها ، تبدوا كساعة في عالمهم الأبدي الجديد .

من هنا نرى مدى خطورة اسقاط الترادف على الفاظ القرءان الكريم ، وما يؤدي بدوره الى قلب المفاهيم وضياع المعنى الحقيقي للبلاغ المبين ، فإذا كانت مثل هذه الألفاظ الوفاة والموت لهما نفس المعنى عند الشاعر والعامّه ، والمنام والنوم لهما نفس المعنى عند الشاعر وعند العامه ، فهي ليست كذلك في القرءان ، فالفاظ القرءان دقيقة دقّة هذا الكون ، والذي صاغ القرءان هو نفسه صانع هذا الكون ، ولا يمكن ان تقلّ دقّة صّياغته عن دقّة صناعته ، فالقرءان كلامه والكون كلماته ، فكما يختلف البروتون عن الإلكترون في صنعه تعالى يختلف المنام عن النوم في صياغته كذلك ، لأن الذي قادنا الى هذه القراءة السطحيه للآيه 42 من سورة الزمر وتضييع مفاهيمها ، هو اعتبار المنام هو النوم ، فاصبح الموت مثل النوم تماما وهو ليس كذلك .

 كما ان مثل هذه القراءه من السطحيه بمكان من ان يقتنع بها القارىء ، فلا احد يستطيع ان يقول ان النوم هو موت ويكون مقنعاً ، فالذي يموت تتوقف جميع اشكال الحياه في جسده ، فلا قلب ينبض ولا دوره دمويه ولا تنفس يتردد ، وتتوقف جميع الوظائف الفسيولوجيه في الجسد ، وهذا لايحدث مع الذي ينام ، حتى وان غطّ في سبات عميق ، فتستمر فيه الحياه على شكل وظائف ، دورة الدم تجري ، التنفس يتردد ، الخلايا تفرز ، الأمعاء تهضم ، كل هذا يتم بطريقه تلقائيه والجسد نائم ، وجميع الوظائف الفسيولوجيه قائمة ومستمرة ، وجميع الأفعال المنعكسه تحدث في انتظام ، فإذا شككت اليد بدبوس انقبضت بعيدا عنك ، لأنه ببساطه نائماً وليس ميتاّ .

 كما ان الآيه 42 في سورة الزمر لا تتحدث عن الموت اصلا بل عن الوفاه ، فهي تقول ببساطه ان الله يتوفى النّفس الإنسانيّه في حالتين فقط ، الأولى عند موت النفس البشريه دون النظر اماتت اثناء النوم او اثناء العمل ، في السرير على الوساده او على ناصية الطريق لايهم ، والحاله الثانيه في المنام الذي يحدث احيانا اثناء النوم ، وهذه الحاله الثانيه لا تحدث الا اثناء النوم حصرا ، وليس من الضروري ان تحدث كلما نام الأنسان ، فقد تنام ولا تتوفى ، وقد تنام وتتوفى وفي الحالتين انت لست بميّت ، لأنّ الله قال انه يتوفّى الأنفس التي لم تمت في منامها ولم يقل انه يتوفى الانفس التي لم تمت في نومها وشتان بين هذا وذاك ، اي ان الوفاه في المنام حاله تنطبق على الأحياء وحدهم وهي صورة طبق الأصل للوفاة التي تحدث لمن ماتوا وانتهت حياتهم ، وكل من يموت سوف يرى مناما فيها منزلته وتثبت هذه الصورة التي يراها الى يوم البعث ، وهذا هو البرزخ .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز