ميسرة عفيفي
maisara_afifi@yahoo.com
Blog Contributor since:
08 November 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
البوذية والعلم الحديث - 4

بقلم : د. ناوكي كومورو

ترجمة : ميسرة عفيفي

 

نظرية الوعي فقط بها تنظير لكل أهواء النفس وحالات الدراسة أوسع بكثير من تحليل فرويد.

هوى النفس في نظرية الوعي فقط يُسمّى ماناس ڤيجنانا. إذن ما هو الماناس ڤيجنانا ؟ ومن أين جاء ؟ وكيف ولماذا يعمل ؟

هناك ما هو أكثر عمقا من الماناس ڤيجنانا، وهو وعي الألايا ڤيجنانا.

الألايا ڤيجنانا هو لُب الحياة، وهو يلتصق بعمق أعمق بكثير من النفس في أعماق الحياة. اكتشاف وعي الألايا ڤيجنانا بالذات يعتبر أعظم اكتشافات "نظرية الوعي فقط".

إذا فعل الإنسان أي فعل يتبقّى منه أثر ما. وهو ما يُسمى بذرة "بِجا". تبقى تلك البذرة داخل الألايا ڤيجنانا وتتراكم. وهذا هو نفس تفكير فرويد القائل إن كل خبرة تظل باقية داخل اللاوعي، "فكل خبرات الماضي حتى لو لم تبقى في الوعي، فهي باقية في اللاوعي كذكريات، و كلها تتخزن وتتراكم."

يُسمى هذا الخزين رائحة "ڤاسانا".الرائحة هي التصاق الروائح بالملابس، وتعنى هنا أن خبرات الماضي تلتصق بالألايا ڤيجنانا (كالتصاق الروائح بالملابس) وتتخزن فيها. وهذا يقال عنه "بذرة الفعل تلتصق كالرائحة باللاوعي أو الألايا ڤيجنانا".

مثلا الفعل الطيب يسبب التصاق رائحة طيبة.

ثم تلد هذه الرائحة فعلا ما. مثلا الرائحة الطيبة تلد أفعالا طيبة. 

هذه الأفعال وهذه الروائح التي تصبح متسلسلة سببا ثم نتيجة ثم سببا ثم نتيجة تولد ثم تلد فتولد ثم تلد.

مراحل هذا التسلسل مع التركيز على أنها مراحل دائرية سينتج دورة متسلسلة.

هذا هو ما يُسمى نموذج (موديل) "نظرية الوعي فقط" في أبسط أشكاله. ومثل النقطة المركزية في علم الديناميكا، وأيضا مثل النموذج الأبسط لنظرية كينز، إذا أدركنا الجوهر هنا، يمكن بسهولة  التعميم وعمل نماذج أكثر تعقيدا.

علماء البوذية عادتهم أن يبدأوا بالكلام المعقد، ولكن كما في العلوم لابد أن نبدأ بالنموذج الأبسط، ثم التقدم بالحديث تدريجيا ناحية الأعقد فالأعقد، نستطيع في وقت قصير فهم "نظرية الوعي فقط" التي تشتهر بصعوبتها البالغة وعصيانها على الفهم.

الأفعال هنا ليست الأفعال الظاهرية فقط، بل هي أيضا تحتوي على الدوافع الداخلية التي تدعم هذه الأفعال، والحالة التي نتجت منها الأفعال. هذا القلب أيضا يخزن الرائحة، تظل تلك الرائحة باقية داخل الذاكرة في اللاوعي (عقدة) داخل الألايا ڤيجنانا.

البذور لها قدرة على ولادة الأفعال. وتصبح البذور سببا وتظهر كنتيجة في شكل فعل.

مهما بلغت "نظرية الوعي فقط" من تعقيد، هي تظهر على شكل تباديل وتوافيق عديدة لأشكال معقدة من النموذج الأبسط المتمثل في البذرة والفعل.

إذا أخذنا نظرية العلة والمعلول على طريقة الراهب ناغارجونا، فيجب أن تكون مراحل ولادة بذرة من بذرة مراحل متصلة ومتبادلة.

حسنا، كبداية للشرح والتفسير، فسرتُ الألايا ڤيجنانا والرائحة والأفعال والبذور كما لو أنها توجد وجودا فعليا، ولكن في الحقيقة لا يجب فعل ذلك. فلا يوجد شيء له وجود فعلي بل الكل "فراغ". في لحظة يولد وفي ذات اللحظة يفنى ويزول، فهو غير مستقر. إنه كتيار نهر جارف عنيف الحركة.

وكذلك الألايا ڤيجنانا (اللاوعي) غير مستقر. وكما ذكرت بالفعل، الألايا ڤيجنانا هو القلب الملتصق بالحياة. ولكن إذا كان يولد في لحظة ويختفي في لحظة كما التيار الجارف غير العادي، إذن يلتصق بمن وبماذا ؟ أليس الأمر على هذا الحال يستحيل معه الالتصاق حتى لو أراد ذلك ؟

هنا قد بحثت وأتيت لكم بشيء غير عادي، ليس عاديا تماما، ولكنه أقرب ما يكون للعادي.

هل هو الجسد أم القلب ؟ لا ليس الجسد أو القلب. ولكن يوجد داخل القلب شيء واحد فقط يراقب القلب المتغير (الألايا ڤيجنانا). أليس هذا الجزء فقط من القلب، قريب نسبيا بين المتغيرات الأخرى؟

ولأن هذا الجزء من القلب قريب من الثبات، فلذلك هو يلتصق في "الأنا". هذا الجزء من القلب "الألايا ڤيجنانا" بصفة خاصة يسمى "ماناس ڤيجنانا". الماناس ڤيجنانا يتوهم وجود فعلي "للأنا" الغير موجودة، وتلتصق بها حتى النهاية.

البذرة التي تتخزن داخل الألايا ڤيجنانا كرائحة ناتجة عن الأفعال، هي جميع البذور من الولادة. حتى هنا فالتفكير نفسه تفكير فرويد، ولكن يبدأ الاختلاف بعد ذلك. "نظرية الوعي فقط" ترى أن البذور الناتجة عن الروائح قبل الميلاد منذ الماضي الأزلي تتخزن كلها في الألايا ڤيجنانا. بمعنى أن بذور الحياة السابقة، والحياة قبل السابقة، والحياة قبل قبل السابقة، والحياة قبل قبل .... قبل السابقة، كلها مخزنة.

وترى نظرية الوعي فقط أن المعلومات الجينية أيضا نوع من أنواع البذور.بمعنى أنه يمكننا القول إن الألايا ڤيجنانا بنك هائل للمعلومات. طبعا ففيه ذاكرة ما قبل الميلاد من الماضي الأزلي، منذ انفصال الأرض عن السماء.

أول بذرة في الألايا ڤيجنانا تدخل في الماضي الأزلي. أي هي الإدراك الأصلي منذ فتق الأرض عن السماء. وطريقة دخول هذه البذرة وخروجها هي تناسخ الأرواح. وترى أيضا أن إرادة الإنسان عبارة عن نوع من ضرب الأمثلة فالذي يتناسخ هو ما يشبه الإدراك الأصلي الذي لا يدري به أحد وهو ما قبل الإرادة.

من خلال التفكير بهذه الطريقة نستطيع فهم شيء. وهو وجود شخص ما ينشغل من البداية في شيء معين من دون أي خبرة سابقة أو علم به. وبصفة خاصة من يطلق عليهم العبقريات العسكرية في تاريخ البشرية، فهم يعرفون بالفعل كيفية القتال من دون أي خبرة سابقة أو تعلّم. وحتى بالنسبة لنابليون، فالشاعر ميرزكوفسكي (١٨٦٦ ~ ١٩٤١) بعد البحث والدراسة انتهى إلى خلاصة مفداها أن نابليون كان يعرف فنون الحرب والقتال بدون أي تعليم أو خبرة سابقة. وغيره في العالم الغربي، الإسكندر الأكبر (ملك مقدونيا ٣٥٦ ق م ~ ٣٢٣ ق م) وفي الصين كوبينغ هوو (قائد قبل عصر هان، حوالي ١٤١ ق م ~ ١١٧ ق م) وفي اليابان يوشيتسنه ميناموتو (١١٥٩ ~ ١١٨٩)، ربما كان من المناسب التفكير أن هؤلاء القادة الذين حققوا انتصارات عسكرية متواصلة منذ حربهم الأولى، كانت بذرة الانتصار في الحرب مطبوعة بالفعل كرائحة داخل وعى الألايا ڤيجنانا.

الشيء الهام هنا هو منطق التناسخ. من شرح الألايا ڤيجنانا السابق، نفهم بوضوح أنه من الممكن أن يكون هناك تناسخ يعتمد على السببية بدون حتى وجود روح. وهذا ما بيّنه يوكيو ميشيما في روايته "البحر الخصب".

 

تركيبة النجاة

 

شرحتُ من خلال تفسير نظرية "الوعي فقط" أن البوذية لا تؤمن بوجود روح. ولكن لو فكرنا ببساطة، فأي دين لابد أن يرتبط به طلب المصالح في الحياة الحالية وطلب النجاة بعد الموت.

بالفعل في الهند القديمة كان الاعتقاد بعدم "وجود الروح" هو رأي شاذ، وكان من ينكر وجود الألتمان (الروح – النفس - الأنا) هما اثنان البوذية والماديون فقط. من أجل ذلك تم نقد البوذية على أنها ديانة مادية.

البوذية في أصلها كانت ديانة النخبة والصفوة. وهي تحمل نظاما فلسفيا صعبا ورفيع المستوى، وتتطلب تدريبات وتنسّك صارم. أي نعم البوذية لا تطالب بالمعاناة والإيلام الشديد للجسد، ولكن صرامة التدريبات وقسوتها ليس بالأمر العادي أو المألوف. طبعا، فهو التدريب الذي سيسبب اليقظة والوصول للحقيقة، وبالتالي الوصول لحالة "البوذا".

وهذه النقطة تختلف مع المسيحية. فالمسيحية لا تطالب بالتدريبات الروحية. وهي ديانة لا يتطلع فيها البشر إلى أن يصبحوا آلهة (مثل المسيح). لا بل على العكس، من المستحيل أن يصبح البشر آلهة. بل إنه حتى كبير الملائكة إذا فكّر التطلع لأن يكون إله سيعامل في المسيحية معاملة الشياطين.

في المسيحية خلاص البشر أو عدم خلاصهم يتقرر فقط بإرادة الرب. إذا قررت المشيئة الإلهية أن فلان يتم له الخلاص، فسيتم له الخلاص.

لكن ليس لبوذا أي إرادة في خلاص البشر (جعلهم آلهة أو بوذات)، لا بل حتى لو أراد بوذا ذلك فلن يستطيع أن يجعل الإنسان بوذا أو "إله". يستطيع بوذا أن يتنبأ بأن فلان سيصبح "بوذا" في الوقت الفلاني، (مثال، انظر كتاب "سادّارما بونداريكا سوترا" المقدس الجزء السادس المسمى ڤياكارانا). ولكن لا يستطيع بوذا أن يقرر بإدراته أن يجعله إلها في التو والحال. فالبوذا لا يصبح بوذا بواسطة بوذا آخر. بل يجب أن ينال اليقظة بمجهوده الذاتي.

كم تستغرق هذه التدريبات من السنين والأعوام ؟ ثاني بوذا (البوذا التالي لبوذا) هو البوديساتفا "مايتريا"، وهذا تم تقريره بالفعل. ولكن هذا البوديساتفا لا يزال حاليا يواظب على التدريبات في السماء الرابعة من عالم السموات الستة (وهو المكان الذي يعيش فيه أي بوديساتفا سيصبح بوذا في المستقبل، قبل أن يذهب إلى عالم البشر). ومايتريا سيكمل تدريباته بعد ٥ مليارات و٦٧٠ مليون عام، وعندها سيصبح بوذا.

عند المقارنة بين المسيحية والبوذية هناك ضرورة للانتباه أن تقدير مفهوم "الزمن" يختلف تماما بينهما.

فالشخص الذي يقال إنه هو الذي أكمل تأسيس المسيحية وهو بولس الرسول كان في عجلة. فهو عندما يشرح "التنسّك الحركي" يضرب المثل بعدّاء الماراثون لأن حساب الآخرة قريب.

فما يتبقى من زمن يقارب الزمن الذي يدور فيه المسيح دورة واحدة فقط حول بحيرة طبريا، ولكن لأنه مهما انتظر الناس ومهما عاشوا لم يأتي حساب اللآخرة فالمسيحيون يحسّون بالقلق.

في المسيحية الزمن إذا كان قصيرا فهو "الآن فورا"، والوقت من خلق السموات والأرض حتى الآن زمن يزيد قليلا على الخمسة آلاف عام، في حين الزمن في البوذية، البوديساتفا الأكبر سيستغرق ٥ مليارات و٦٧٠ مليون عام لكي يصبح بوذا. وكذلك الإنسان ليس من السهل عليه أن يراكم التدريبات لكي يصبح بوديساتفا. وحتى هذا البوديساتفا توجد له ٤١ مرتبة، ومن خلال تراكم التدريبات الروحية والرياضة يرتفع إلى مرتبة أعلى. وقد نيأس عندما نفكر في الوقت المطلوب من الفرد ليرتفع مرتبة واحدة فقط من مراتب البوديساتفا.

 

لنعود للحديث عن الروح، الأديان التي ترى وجود "روح" منفصلة عن الجسد ربما هي في الواقع قليلة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز