مخلص الخطيب
mokhlesselkhatib@aol.com
Blog Contributor since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

 More articles 


Arab Times Blogs
لمسات فرنسية – ج 8 - : الفرنسيون وترديد ذكر الله

في بلادنا يـُـقسمون (بالله) ليـًصَـدّقوا، (يلعنون الدين والله) بسبب أزمةٍ أو خسارةٍ لحقت بهم، مُخاطبين المُسَـبّـِـب، بالمفرد والجمع وبالمذكر والمؤنث "يلعن دينك. يلعن ربك. يلعن اللي خلقك، يلعن دين باباك، يلعن دين يمّاك... الخ"، في بلادنا يحمدون (الله) على السراء والضراء، ويذكرون (الله) يومياً، حين يقومون يرددون (يا الله) أو (يا رب) أو (التوكل على الله)، حين يسمعون الأذان، يقومون ويضعون أياديهم على بطونهم مردّدين عبارة (أشهد أن لا إله إلاّ الله). لا يتوقفون عن ترديد كلمة (الله) أو عبارات دينية !

 

بعض مُضطهديهم يتوكلون على (الله) ويلجؤون لبلاد الغرب، كفرنسا. بعض طلابهم يأتون ليحصلوا بإذن (الله) على شهادة عليا. قلة من فقرائهم وأمّـِـييهم تجازف بحياتها معتمدة على (الله) للعمل في بلاد "الكفر والدعارة"، كفرنسا ! فيجدون أنفسهم في مجتمع غريب لا يذكر (الله) ولا (عبارات دينية) في لغته اليومية.

 

لا ينتبه العامل الأمِّي لهذه الظاهرة، كونه لا يُلمّ بلغتهم ولا يختلط بهم. لا يشغل بال الطالب سوى إنهاء دراسته والعودة بإذن (الله) للوطن، مسلحاً إن شاء (الله) بما يتيح له ممارسة منصب يرتقي من خلاله لأعالي الرتب ليرشي ويترشي ويُثرى، فلا ينتبه لما يقوله المواطن الفرنسي. أما الذين يمارسون مهناً تجبرهم على الاختلاط بالفرنسيين، كالطبيب والمهندس والمدرّس وصاحب المطعم أو المقهى الشرقي، فيختلطون بالمجتمع الفرنسي في أماكن العمل والتسلية، لمصالحهم المادية. بيد أنّ من له حظ الإقامة معهم وبينهم ويخالطهم يومياً، يطلع على أمور تـُـذهل يمكن أخذ عبرة منها، سلباً أو إيجاباً.

 

قصة : اقترحتُ في العام 1984 تنظيم رحلة لطلابي الفرنسيين، رحلة لمدينة سياحية، رحلة تجمع طلابي بطلاب عرب يدرسون الفرنسية، كان الهدف هو تقريب الطرفين وتبادل الأفكار بينهما. فالطالب العربي كان يعاني كأجنبي من قسوة الغربة وصعوبة اللغة، وطلابي الفرنسيون كانوا يتلهفون للتعرف على المواطن العربي وأفكاره وعاداته ليقارنوها مع ما أحاضره عليهم. وهذا ما دعاني لأقترح هذه الفكرة على رئيس الجامعة، الذي وافق عليها وشارك بها، برفقة عميد الكلية وبعض الزملاء.

 

نظراً لكثرة المشاركين من طلابي الفرنسيين حوالي (25)، ونفس العدد من طلاب المشرق العربي، طلبتُ من البلدية السماح لنا باستعمال مساحة جميلة على شاطئ البحر مباشرة، مع حق استعمال المقاعد العامة الموجودة فيها، وفي نفس الوقت، اتفقتُ مع الخباز أن يقبل وضع الخرفان المُبتاعة الجاهزة مساءً في الفرن، لنأخذها قابلة للاستهلاك باليوم التالي بُعيْد الظهر. بعد أن اطمأنت البلدية من عدم حفر خندق لشواء الخرفان الخمسة، وبالتالي عدم خلق جو استغراب من مواطنيها، أعطت موافقتها.

 

وصل الجميع صباح يوم السبت، والتقينا على شاطئ البحر وتمّ التعارف بين الطلاب العرب الذين يدرسون الفرنسية في كلية اللغات الموجودة في مكان إقامتي الساحلي، وطلابي الفرنسيين الذين يدرسون في مدينة مقر الجامعة. قضينا يوماً ممتعاً، كانت كل مجموعة تتبادل على طريقتها حواراً حول أمر ما. العرب شرحوا صعوباتهم وقضايا أمتهم، والفرنسيون استفادوا من معرفة أسلوب عيش عيّنة من العرب. للتذكير،  كان هندام الشاب العربي لا يختلف عن ملبس مثيله الفرنسي، ولم يكن الحجاب من شيم من كـُنّ زوجات الطلاب العرب المسلمين،آنذاك.

 

انتهت الرحلة بقضاء طلابي الفرنسيين ليلتهم في شقق الطلاب العرب، وأخذوا يوم الأحد كـ "يوم حر"، دون تواجد الطاقم الرسمي الجامعي الذي قضى ليلته في منزلي. مساء الأحد، عاد طلابي بسياراتهم من حيث أتوا. التقيت في اليوم التالي بالطلاب العرب الذين شاركوا، فأخبروني عن غبطتهم من هذا اللقاء وتمنـّـوا تكراره. لكن نهاية العام الجامعي كانت قد اقتربت والامتحانات ستبدأ، ولم يكن ممكناً إعادة اللقاء، فنصحتهم بأخذ زمام المبادرة، بالاتصال مع رفاقهم الفرنسيين وتبادل الزيارات أو الاتصال معهم مباشرة، دون الجري وراءهم. كان هدفي هو تحييد مقولة الإنسان عدوٌ (لـِ ما) و(لـِ مَن) يجهل.

 

بعد يومين، ذهبتُ إلى الجامعة، وكانت لي محاضرة في أحد المدرجات. ما أن دخلتُ، حتى فوجئتُ بالعدد الهائل من الحضور، فعادةً، ما كان عدد الحاضرين يتعدى 150 طالباً، وإذ بي أمام مدرج مليء بأكثر من 250. ابتسمتُ، وفـُـهم سبب ابتسامتي، فالكل حضر بعد أن عرفوا ما جرى خلال رحلة نهاية الأسبوع. اقترب مسؤول الطلاب راجياً تأجيل محاضرتي ليوم آخر، فقد اتفق الطلاب أن تخصص الحصة لـ "نقاش فائدة لقائهم مع الطلاب العرب". تردّدت قليلاً، أصرّوا، لم أمانع.

 

فتحتُ الحوار شخصياً، لأشكر وأهنأ من شارك بالرحلة، ولأشجع الآخرين بالقيام بمثيلة لها في الأعوام القادمة، واضعاً نفسي تحت تصرفهم للحصول على موافقة رئاسة الجامعة. أعطيتُ الكلمات لمن أرادوا إبداء شعورهم حول ما جرى أثناء الرحلة وخلال الليلة التي قضوها في شقق رفاقهم الطلاب العرب. ما من أحد نقد العلاقة الشخصية التي قامت بينه وبين الطلاب العرب (المتزوجين منهم والعُزاب). فهمتُ أنهم أمضوا سهرات بمجموعات، واستفادوا كثيراً من لقائهم مع الطلاب العرب، مضيفين أن التـّأني ولغة الأيادي والابتسامات أزالت صعوبة اللغة.

 

بادروا بعد ذلك بطرح أسئلتهم التي لم يتجرؤوا من طرحها على رفاقهم الطلاب العرب مباشرة، أجبت على بعضها من وجهة نظري التي لا تـُلزم غيري. فمثلاً، لاحظوا أنّ الطلاب العرب لم يستحموا، بل اكتفوا بغسيل وجوههم في الصباح وفي المساء. لاحظوا أن بعضهم قد توضأ عدة مرات وأقام الصلاة، وحين سألوهم عن مبرر عن استعمال "الدوش" الذي يغسل كامل الجسد، أجابهم أحد الطلاب العرب (أنّ نظافة الوضوء لا تقلّ عن أخذ "دوش" يومي). حاولت شرح أهم الأسباب كـ (عدم وفرة المياه دائماً في قرى وبلدات منطقتنا)، وكـ المقولة الساخرة المردّدة في بعض مدننا وهي (آخذ حمامي حين أشعر أني وسخ)، ضحكوا ولم يعلـّقوا. سألوا عن أمور أخرى وأجبت عليها. وصلوا أخيراً لسؤالهم الجدّي وطرحوه : ما هي مبررات "ذكر الله" في كل أحاديث الطلاب العرب ؟

 

نعم، أخبروني أنهم تفاجئوا كفرنسيين، من ذكر (الله) دون أن يفهموا السبب، ففي فرنسا ما من أحد يذكر الله في أحاديثه حتى عائلياً، وما من أحد يردّد عبارات دينية إطلاقاً. ذكرتْ إحدى الطالبات أنها ظنـّتْ أنهم متدينون، لكنها استبعدت شكّها، كون معظمهم قد تناول الخمر، تساءلتْ عن سبب ترديد كلمة (الله) في كل حوار. أضافتْ، أنهم حين كانوا يتكلمون العربية بينهم كانت كلمة (الله) تـتكرّر، وعندما كانوا يتكلمون الفرنسية تعود نفس الكلمة لأفواههم. تساءلتْ باستغراب شديد، أن لم يكن اسم (الله) يُتبادل بينهم، كما يتبادل اللاعبون الكرة !

 

أحرجني السؤال كثيراً، لأني شخصياً كنت أطرحه على نفسي، وأنا في بلدي ومحيطي، لكني أكّدتً لهم أن ذكر الله في ديننا الإسلامي هو أمر مُحبّب، وقد حضـّت عليه آيات القرآن ونصوص الأحاديث. أخبرتـُهم أنـّه في معظم الأحيان يتمّ ذكر الله كعادة. فكل ناطق بالعربية، عربياً كان أم غير عربي، مسلماً كان أم غير مسلم، ملحداً كان أم متعبداً، يردّد عبارات لغوية مُتداولة كـ (الحمد لله، إن شاء الله، بإذن الله...) دون تفكير بالضرورة في دين ما. قارنتُ ذلك بترديدهم، كفرنسيين لعبارة (إنشالا INCHALA) التي تعني "إن سنحت الفرصة"، متأثرين بمن عادوا من بلاد المغرب العربي وباتت عبارة مردّدة عفوياً. ذكّرتهم بالماركسيين الذين يُعادون الرأسمالية الاستهلاكية المستغلة، وفي نفس الوقت، يستهلكون ليقتاتوا، ويقترضون لامتلاك منازل (عملياً)، لكنهم يُبدون كل العداء للرأسمالية بمبررات مقنعة، حين يناقشون (نظرياً). فالنظرية فكر والتطبيق حياة.

 

في طريق العودة لمنزلي مساءً، عادت لذاكرتي تلك الأسئلة، وعاد معها نفس التساؤل الشخصي الذي كان يراودني قبل أن أترك بلدي، وأنا في العشرينيات من عمري. لم أعثر على جواب مقنع لنفسي، فكيف سيقنع من أجوبتي طلاب فرنسيون غرباء عن تربيتي وبيئتي، خالطوا بعض العرب المسلمين لأوّل مرّة ولوقت قصير ؟ إنّ الفرنسيين بكل مشاربهم قانعون بـ العلمانية كسلوك مجتمعي وسياسي يُبعد الدين عن كل مظاهر الحياة، لا يذكر العبارات الدينية إلاّ من يؤم  دور العبادة. لم يكن تساؤل طلابي شذباً بقدر ما كان حباً للمعرفة. انتهت القصة وبدأ التساؤل بيني وبين نفسي. لتبرير هذا التساؤل الكبير المتعلـّق بذكر (الله) المفرط في بيوتنا وشوارعنا ومدارسنا وأماكن لقاءاتنا، لا بدّ لي من الاعتبار بما يحل بأمتنا العربية [بكل أديانها وطوائفها وأعراقها ومشاربها الفكرية].

 

فعلاً، أذكُرُ أني طرحت، ذات مرة، على أحد أساتذة التربية الدينية في الثانوية سؤالاً عن سبب ذكر الله بتكرار مُبالغ به، وأذكر إجابته : إنّ ذكر الله رَفضٌ لوسوسة الشيطان وتقربٌ من غفران الله ورحمته وكرمه. أذكر أيضاً كل ما قرأته وما تعلـّمته وما ردّدته حين كنت غضاً غريراً، كنت أفهمه وأقتنع به، حتى نهاية الثانوية، حيث بدأ التمرد الفكري يجتاحني شيئاً فشيئاً. وشاءت ظروف بلدي الغالي أن أغادره وأنا طالب جامعي. عشت هنا وهناك، واستقرت بي الحياة في فرنسا، حيث أقيم مع أسرتي العربية السورية وأمارس كمُجنـّس فرنسي، آخذاً من هذا المجتمع ما يلاءم تربيتي وعاداتي، ولا أثور ضد ما لا يُناسبني، بل أتحاشاه باحترام. أشارك، في الحياة الديمقراطية والمجتمعية على مستواي البسيط. ربما أ ُثـْري قليلاً، وبدون أيّ شك أ ُثرى كثيراً، محتفظاً لنفسي بتساؤلات، لا أبوح بها لأحد، لكن الكتابة تفضح صاحبها، فها أنا أبوح.

 

* آخذاً بما أكّده لي أستاذ التربية الدينية حول مبرر تكرار ذكر الله : إنّ ذكر الله رفضٌ لوسوسة الشيطان وتقربٌ من غفران الله ورحمته وكرمه.

* احتراماً لما ورثت من وجود الله فوقنا، بيننا وبجانبنا، يراقب مع ملائكته تحركاتنا وأعمالنا، ليكتب لكل منا، ما له وما عليه من حسنات ومن سيئات، ليحاسبنا عقاباً أو ثواباً.

* نظراً لمعرفتي الموروثة أنّ الشيطان هو أيضاً موجود بيننا، بعد طرده من الجنة إلى الأرض مع آدم والمسكينة حواء، يوسوس في صدورنا.

* اعتماداً على ما تمر به أمتنا العربية بقبول هدر كرامتها واغتصاب أرضها وعرضها، وتمزق حكامها وأديانها وأعراقها وطوائفها، و تخلـّف مجتمعاتها المُستعصي، وفقرها المدقع، وشللّ كل حركة تقدم وبحث وتطور وتحرّر، وتبعية قاتلة، مرافقة ً بعدم الرغبة ولا المقدرة للتصدي لهذا الواقع، (لا من حاكم قدوة)، و(لا من محكوم ثائر).

* مقارنة مع ما يقوم به الفرنسيون والغرب عموماً من تقدّم وبحث علمي وتطور في كل المجالات، من توحّد بين دول وشعوب قارتهم، من ثروة ورفاهية وحياة صحية وسلوك طيب، بلا ثروات باطنية بل بحسن تخطيط وحنكة وتدبير وتسيير وعقلانية، يسمح لهم بالحصول على القوة والمال والفكر والعلم والاستقلالية والتدخل بشؤون الآخرين واستغلالهم، كما استغلونا منذ ما يقارب القرنين، ونحن لم نعتبر ولا نعتبر، آملاً أن نعتبر يوماً ونثور، لنـُغيّر.

 

اعتبارا مما سبق ملاحظته من مُعطيات تلقـّـناها، تساؤلات "شبه كافرة" تفرض نفسها : 

1- هل مـَـلّ الله تعالى من كل ما يطلبه العرب والمسلمون من دعاءٍ يصِله يومياً بالملايين وبكل المناسبات ؟

نصر على المحتل بدون جهد ولا تخطيط ولا ابتداع، ثروة بدون عمل، تفوّق بدون دأب، كذب ونفاق وغرور بلا مبرر، رشوة ودعارة مختبئة وراء (ذكر الله)، منتظراً كل واحد يومه الآخر، وكأنه ضامن لجنةٍ تجري من تحتها الأنهار بكل ما فيها من حوريات.

2- أما ترك الله تعالي للشيطان حرية الإقامة والتصرف في بلادنا، ليُضعف ويُمزق ويُفقر ويُساعد على تخلف أبناء أمتنا العربية، لوفرة طلباتهم وغياب جهودهم ؟

بينما فضـّل الله تعالى الإقامة، فوق وبين وبجانب من لا يطلب منه شيئاً ولا يُتعبه بأي دعاء. في المقابل، يتركه يعمل بالعقل الذي وهبه، لا يتكل سوى على نفسه، لمصلحته ولمصالح مجتمعه، يرفض خلط الدين بالسياسة، ويتعامل مع نظيره باحترام سلوك نظام مدني علماني من وضع الإنسان للإنسان، دون المساس بمعتقدات الآخرين وممارسة شعائرهم في أماكن العبادة أو في البيوت.

3- ألا يُعتبر عدم المتاجرة باسم (الله) أحدَ أسرار تقدم الفرنسيين والأوربيين عموماً، وتوحّد قارتهم ؟

 

تساؤلات حسّاسة، ليس بمقدرتي الإجابة عليها، ولكن لـِـمَ لا نـُـفـكـّـر جمعياً بطرحها وبالإجابة عليها، والعمل على التخلص من شياطين بلادنا، لإيجاد حلول لقضايانا المستعصية : تحرير كامل فلسطين، طرد المحتل من العراق، إيقاف الفتنة في اليمن، وضع حدّ للصراع في الصومال، منع انفصال السودان... ؟ بات واقع أمتنا في منتهى الخطورة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز