Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
قناة رياضية تفوق جميع القنوات الدينية

عندما تصير هناك قنوات كثيرة وسبل عديدة أمام طائفة من المتدينين على اختلاف مشاربهم للتعبير عن أنفسهم يجب أن نكون حذرين أشد ما يكون الحذر.

لا عجب أني كلما كتبت مقالات دينية أجد من الاختلاف والفرقة ما يندى له الجبين ، والواضح أن المقالات الدينية لا الدين هي سبب الخلاف لا الاختلاف وحسب ، وأن صدورنا ضاقت بالاختلاف برغم اتساع العالم من حولنا ، ورغم هذه الدفقات الهائلة من المعلومات والاتصالات بين الساكنين في كوبنا هذا.

المشكلة الكبيرة وراء ضيق الصدور ، وغياب الرحمة ، والتسامح بين المختلفين يعود في جزء كبير منه لأخطاء مشينة مارسها الآباء والمعلمون والساسة والمسئولون في تربية الأجيال الناشئة.

التربية فن وعلم يجيده من طحنته الدنيا طحنا ، وحنكته التجارب ..التربية هي ما نفتقده بشدة في حياتنا. كيف نربي عالما ، وكيف ننشيء كاتبا ، وكيف نعيش الحياة بما يحقق أوفى المقاصد فيها. في كتاب جميل غير مشهور للعقاد اسمه: عالم السدود والقيود كتبه عن أيام سجنه ، وهو كتاب ماتع عرف العقاد فيه الثقافة بأنها تعويد الحواس الإنسانية على استيفاء حظها الأمثل مما حولها يعني: أن ندرب عيوننا على الإحساس بالجمال فيما حولنا ، وأن ندرب أسماعنا على أن نسمع الجميل لا النشاز من الأصوات والنداءات ، وهكذا حتى يصير الجسد كله محلا ومستقبلا لأوفى وأحسن ما هو متاح في هذا الكوكب الفسيح الأرجاء.

شاهدت في قناة رياضية كانت حتى وقت قريب جدا من مشعلي الفتنة بين الجزائر ومصر في كرة القدم شاهدت فيها برنامجا يسمى " في دائرة الضوء" يستضيف فيه الكاتب المشهور إبراهيم حجازي الكاتب بالأهرام طفلا في الصف الأول الإعدادي ثبت أنه عبقرية نادرة في الرياضيات. شهدت له بذلك لجنة مكونة من أساتذة الرياضيات في الجامعة الأمريكية وجامعة القاهرة ويرجون الدولة أن تسمح بإعطائه الفرصة لتحضير الماجستير والدكتوراه الآن حتى يمكن الاستفادة منه بأوفى ما يكون.

الحقيقة رأيت الطفل وسمعته ولم أعجب لأني أعلم أن مصر بل وكل مكان في أرجاء العالم مليء بالمواهب ، فالإنسان في كل مكان كنز من الأسرار ، ولله في خلقه شئون. الموهبة والعبقرية من الأمور التي أؤمن بوجودها إيمانا مطلقا ، ولعل استشهادي بالعقاد في كتابه السابق يقترن في سياقي هذا بأن أقول إنه قد تأثر كثيرا كثيرا بكتاب كارلايل "الأبطال" فنسج على منواله " العبقريات" ، وبالتالي كان العقاد مفتونا بفكرة العبقري أو البطل حتى طغى ذلك عليه فتلبس به ورأى نفسه عبقريا هو الآخر ، وبالفعل أراه كذلك رحمه الله.

الطفل بالفعل يتحدث بطريقة غير عادية...دقيق لأبعد الحدود...يقرأ ويقرأ ويقرأ ويبحث ويسأل أساتذته بما يعجزهم فيتعجبون ويساعدونه. أكرر: يساعدونه لا يحقدون عليه ولا يحاولون إطفاء هذه الشمعة الجميلة التي تحتاجها مصر حاجة الظاميء في لهيب الصحراء إلى الماء.

واليوم شاهدت برنامجا كاملا على قناة نجيب ساويرس أو تي في عن هذا الطفل فسعدت أيما سعادة.

قلبت في القنوات الدينية وجدتها كالعادة: مملة مكررة عادية تقليدية تخلط بين العلم والدين والباذنجان  تجيد التجارة مثل كل القنوات ، لا تهتم بشيء سوى الوعظ والخطابة ، تأخذنا بعيدا بعيدا عند مجاهل الصحارى. يجب أن تفيق القنوات الدينية وتعرف أن علماء الفروع (الفقه) قد بنوا كل اجتهاداتهم على أصول الفقه الذي يوازي ما تعلمه المسلمون من علم المنطق المأخوذ عن أرسطو اليوناني. يجب أن تكون لدينا نماذج حية تجيد العلوم الطبيعية والتقنيات الحديثة. لم لا تستضيف قناة دينية واحدة هذا الطفل وأمثاله ، وهم كثيرون ، بدلا من أن تجبر أطفالا أبرياء على ارتداء الغترة السعودية والتحدث بلكنة خليجية وبدلا من تدريبهم على الخطابة وتلاوة القرآن فيظل الطفل يقرأ بلا فهم ولا وعي وبحركات تراه فيها وكأنه مسطول يمشي حسب سيناريو قد أعده له المخرج حتى يعجب به الكسالى من الجالسين نهارهم وليلهم على أريكة يشاهدون برامج دينية ويظلون هكذا عالة على البشرية بلا إنتاج حقيقي خاصة في ميدان العلم والمعرفة. يجب ألا نكتفي بتعليم الأطفال الصغار كيف يكونون خطباء مهرة يبكون الناس ويأخذونهم بعيدا عن الواقع. عالم الدين الحقيقي يحمل في شخصيته جينات المجاهد الثائر ضد الظلم... المستعد في كل وقت أن يدفع حياته ثمنا لما يؤمن به... الآخذ  دوما بأسباب العلم والحضارة... المؤمن بالعدل أينما حل ....المعترف بقصور أمته في وقتنا الحالي وضعفها ...السمح الرفيق بغيره من أشياع الملل الأخرى وبخاصة جاره المسيحي في نفس الوطن ....المجتهد بأقصى ما بوسعه لإنقاذ أمته من غياهب الظلم والجهل والمرض.

مرة أخرى: لن أيأس







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز