مخلص الخطيب
mokhlesselkhatib@aol.com
Blog Contributor since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

 More articles 


Arab Times Blogs
لمسات فرنسية - ج 2 - أطفال فرنسا... تربية وتوعية

في الجزء الأول تمّ التطرق لتجربة شخصية وُضِعـَت فيها نقاط على حروف الفوارق بين معايير الفرنسيين ومعاييرنا نحن العرب- المسلمين... هذه المقالة ستبحث كيفية الاهتمام بتربية وتوعية أطفال فرنسا من الولادة حتى المراهقة.

[ عسى يُستفاد من مزاياها وتـُستبعَد مساوئها بتربية وتوعية أطفالنا، وفق معاييرنا وتوافقاً مع مشاكلنا واحتياجاتنا المجتمعية والوطنية والقومية، كوننا بـِأمَـسّ الحاجة لتربية وتوعية تساعدان على فهم قضايانا المعقدة وعلى كيفية الدفاع عنها وإيجاد حل أو حلول، لما هو مستعصٍ منهت، وربما يكون كــبــارُنــا وحـكـامُـنـا أكثر حاجة لهكذا تربية وتوعية ].

 

لـيـُرَكّـز بإيجاز وموضوعية شخصية على أطفال فرنسا :

* أطــفــالُ فرنسا يلدون، حصراً في المشافي الخاصّة أو المُستشفيات العامّة، وقسراً من قبل أطباء أخصائيين بالتوليد، بمساعدة مولدات وممرضات. يُعالـَجون من قبل أطباء وأخصّائــيّين ولا يجترعون إلاّ أدوية بوصفة طبيب.

[ لا توليد في البيوت، إلا بحالات خطرة ومستعجلة نادرة، وليس على أيدي مُولـّدات مُجرّبات بلا دراسة... لا شراء لدواء من صيدلية، سوى بما هو مستعجل كالأسبرو، أو شراب السعال مثلاً]... والاختلاف في الرأي مُباح !

* أطفالــُهُـم كأطفالنا يرضعون حليب أمّهاتهم ولكن لمُدّة قليلة نسبيّاً، أو لا يرضعونه أبداً، بل يأخذون الحليب الطبي الصناعي الذي لا يَـقــلّ تغذية عن حليب الأم.

[ فالمرأة الفرنسيّة حريصة على حسن قوامها وجمال منظر ثدييها، لنفسها ولزوجها ولأهلها ولمجتمعها ]... والاختلاف في المفهوم مُباح !

 

* التـّـغطية الصّحيّـة المادية كاملة للمَـوْلودين الجدد وأمهاتهم كذلك المعونة المادية الشهرية، من فترة ما قبل الولادة بشهرين وحتى السنة الثالثة للمولود الأول، ولغاية السنة الـ 18 للمولود الثاني... حتى مَـوْلودي أبناء العاطلين عن العمل الذين لا يساهمون بالضمان الصحي، يستفيدون من هذه المساعدات.

[ لا مبرر للجري وراء من يساعد أهل المولود غير الميسورين ]... والاختلاف في النهج مُباح !

 

* أطفالــُهُـم كأطفالنا ينعمون بحبّ ورعاية والديْهم وإخوتهم وأخواتهم وأقربائهم، ويترعرعون في أحضان أُمّهاتهم خلال الشُّهور الأولى... يعيشون سُعداء أنقياء الرّوح، أينما كانوا وأيّا كان مُستوى أهلهم الاجتماعي... يكبرون في أوساط عائليّة حامية محميّة من أب وأُمّ راعييْن عطوفيْن (على حدّ سواء)، ومن إخوة مُحبّين... يتعلـّمون مبادئ سلوكيّة مجتمعية وعلاقاتية عامّة كالجودة والسوء، والخير والشر، والطيب والعيب... الأسرة المتدينة تبعث أبنائها للكنيسة يوم الأحد، لكن معظم الأطفال يضجرون فيها، لِما يسمعونه ممّا هو مُغاير تماماً لحياتهم اليومية المدنية العلمانية، فلا يتأثر الطفل بالدين إلاّ ما ندر منهم.

[ لا يتلـقـّـى أطفال فرنسا في بيوتهم مبادئ دينية، فلا حرام ولا حلال ولا حساب ولا عقاب إلا ما اكتسبوه من تربية وتوعية أهاليهم ومجتمعهم العلماني... لا يردّدون عبارات روحية تدعو للمنع وللابتعاد عم هذا أو ذاك من الأعمال. إنها تربية متناقضة تماماً مع تربية الآخرين... ولكن أيّ التربيتيْن أفضل ؟ لا إجابة سوى ملاحظة :

(1) أنّ سيرة أغلبية الفرنسيين الذاتية خلقية وطيبة، (2) أنّ نتائج بحوثهم العلمية والتكنولوجية مُتقدّمة، (3) أنّ دفاعهم عن حقوق الإنسان لا يُنكرها معترفً بجميل، (4) أنّ تـوحّدهم بدل تـمزّقهم مع أبناء دول قارتهم حقيقة لا نقاش فيها، (5) أنّ جًـرْيـَهم وراء مصالحهم مُخطـّط ًله ومُجدٍ  ]... والاختلاف في النظرية مُباح !

 

* أطفالــُهُـم يقلـّدون والديْهم ويردّدون ما يسمعون في مدارس الروضة والحضانة مابين الثانية والثالثة من العمر، وفي كثير من الأحيان في المدرسة الابتدائية... يلعبون ويتسلـّون بفرح وسرور مع رفاق ورفيقات أزقتهم وقـُُراهم، ويتعلـّقون بأُخـُوّة ٍ خالية ٍ من كل فكرة ٍ مُبطـّنة ٍ بأبناء أقاربهم وجيرانهم [ بنات وصبيانا ]...

بعد التحاقهم بالتعليم الإعدادي أو المتوسط المختلط، يبدؤون بالعيش بحياة تختلف قليلاً عن حياة أسرهم...

بمجرد التحاقهم بالثانوية المختلطة وبلوغهم سن الرشد، تكون لهم حياة شبه مستقلة عن أسرهم...

لكنهم لا يرفضون توجيه والديْهم، كون القانون يفرض على الوالديْن السهر مادياً على أولادهم حتى نهاية دراستهم وحصولهم على مهنة.

[ لا تربية تـُفرّق بين الجنسيْن ولا مدارس تفصل البنات عن الصبيان، وليحصل ما يحصل من حب ولقاء ونظرات علنية وأكثر... فالسّر غير وارد في معاييرهم ]... والاختلاف حول الفكرة مُباح !

 

* أطفالــُهُـم يتمتــّـعون داخل أُسرهم بإنصات والديْهم واحترامهم، وبالأخذ بآرائهم بعد حوار ونقاش واختلاف وطرح حجج وبراهين بهدف اقتناع المُوَجّـِه والمُـوَجـّـَـه... يستفيدون من متابعة آبائهم لهم دون كلل أو ملل، قلة منهم يتمردون على أسرهم لأسباب تخصهم، لكن التزام الوالديْن تجاههم قانونياً لا يتغير.

[ لا فرض ولا إكراه في تربية الفرنسيين المنزلية، بل تربية وتوعية عن طريق سيرة القـدوتيْن الأب والأم، وحسب سلوك القدوة تتكّـوّن سلوكيات الأطفال، المثالية منها والعادية والشاذة، وكل ذلك وفق معاييرهم، لا وفق معايير المجتمعات الأخرى ]... والاختلاف هنا، كما هناك، مُباح !

 

* أطفالــُهُـم يختلفون عن آبائهم وأجدادهم وأسلافهم في كل شيء، مما يساعد على ملاحظة التـّـبايُن بين الأجيال وتطوّره مع تقدُّم السّن، بعكس بعض المجتمعات التي لا تمييز ممكن بين ما يُـفكّـر به الولد في كل مراحل حياته وما يفكّر به الأسلاف... المقولة الفرنسية التي تتردّد مُجتمعياً باستمرار هي

[ حين لا تختلف الأجيال... لا يتقدم الوطن ].

بعكس مقولات : من ليس له قديم ليس له جديد، أو هذا الابن من ذاك الأب، أو هذا الشبل من ذاك الأسد... والاختلاف دائماً مُباح !

 

أطــفــال كُــلّ الأُسر في فرنسا، أغنياء وفقراء، فرنسيـّـين وأجانب مُـقيمين قانونيّاً، ينعمون :

(1) بـ روضة حتــّى الثـّالثة من العُمر، أيّا كان مُستوى أهاليهم، مجّانا للبعض وبمساهمات رمزيـّة مُتفاوتة للآخرين. (2) بـ حضانة من الثـّالثة إلى السّادسة [مجّانا للجميع]، حضانة تــُـهيّــؤُهم للدخول إلى الابتدائيّة مع بلوغ السّادسة من العمر. (3) بـ مدرسة ابتدائية حين الوصول لسن السادسة، مدرسة تنمّي فكر الطفل عن طريق التدريس التفاعلي والرحلات المدرسية القصيرة ذات الهدف التربوي والتنويري.

 

تجزم دراسات عُـلماء الاجتماع والنـّـفس، أنّ تربية الطـّـفل المنزليّة تكتمل في سّن السّادسة، وتبدأ شخصيّـته بالتطوّر، ممّا يتزامن مع سنّ تعامله مع المُجتمع للحصول على تربية سلوكيّة وعلاقاتيّة مُجتمعيّة تـُنافـِس التـّـربية الأُسريّة أو تتكامل معها، وللأهل النصيب الأوفر من مساعدة الدولة، والأمثلة كثيرة، تــُـسرد بعضها فيما يلي، على سبيل الذكر لا على سبيل الحصر.

 

* كُــلّ من يُمارس مهنة، فرنسيّاً كان أم أجنبياً مُقيماً قانونيّاً، يُـقـتـَطـَع من راتبه الشّهريّ مُساهمات مادّيّة للضّمان الصّحّي والعائلي والسّكني وللضّمان الاجتماعي ضد البطالة وللمُساهمة بالتـّضامن العمومي وللتــّقاعد... الخ.

* كُــلّ من يفقد عمله أو تنتهي مدّة تعويضه للبطالة، يبقى تحت مظلـّة [ الغطاء الصّحي المُعمّم ]، فالضّمان الصّحي يغطي كُــلّ شرائح المجتمع.

* التعليم مجانيّ في فرنسا بالمدارس التـّحضيريّة والابتدائيّـة والإعداديّة والثـّانوية والمعاهد والجامعات الحُكوميّة، للفرنسيّ وللأجنبي المُقيم قانونيّاً.

* العائلات ذات الأطفال الكثيرة (3 أطفال أو أكثر) هي أكثر المُستفيدين من هذا النـّـظام، وكلـّما كَثــُر عدد الأولاد في الأُسرة، كُـلـّما ازدادت المنح والمُساعدات لها، فمن الشّهر السّابع للحمل بالطفل الأول حتـّى سنّ الثـّالثة، تــُمنح الأسرة مبلغاً شهريّاً، كهديّةٍ وتشجيعٍ وشكرٍ لما قدّمته للوطن.

[ الطــّـفل يُعتبر كنزاً في كل المجتمعات، يُنفق عليه كثيراً في فرنسا، وفي دول أخرى يُعتبر عبئاً ]... والاختلاف مُباح !

 

لا مُـقارنـة ممكنـة بين مزايا ومساوئ تربية وتوعية أطفال فرنسا مع أطفال غيرها، لتحاشي الحرج !

يمكن تصنيف كـلّ مقارنة بـ "غير موضوعيّـة"، لما لكل مجتمع من خـُـصوصيّات ومعايير !

[ بقدر ما لمعرفة ما يجري في فرنسا من نفع، بشوائبه، بقدر ما هي مُـشجعة على العمل في سبيل تـطوّر حياة أطفالنا وأسرنا ! ]

 

ما يمكن أن نحلم به في مُجتمعاتنا يكمن بـ :

* إعادة تربية وتوعية وتعبئة "كــبــارنــا" ليكونوا قدوة حسنة لأطفالهم ولمواطنينا من حيث المعاملة والصدق والنزاهة، وحب العمل والوطن، والتفكير العقلاني والإبداع.

* تربية "أطـفـالـنـا" على احترام الآخر كما هو، وحب الأرض والدفاع عنها، والابتعاد عن كل أمراضنا المجتمعية.

 

لـِ سِنـــَـيّ المُراهقة والشّباب موضوع آخر، في مُساهمة أخرى.

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز