صابر الغلبان
saber_alghalban@hotmail.co.uk
Blog Contributor since:
15 July 2008

 More articles 


Arab Times Blogs
حوالة مالية

 

بمناسبة عيد الأضحى المبارك فكر جمال في الطريقة التي يمكن أن يدخل السرور بها على قلب والدته العجوز التي تعيش بمفردها مع أخوته الصغار منذ أن غادرهم فبل سنوات للدراسة في إحدى الدول الأوروبية.

لم يكن الوضع المادي لـ جمال يسمح له بالسفر لأوروبا ولا غيرها ولكن لأنه من المتفوقين فقد حصل على بعثة دراسية لإكمال دراسته العليا في إحدى الدول الأوروبية. وكم يشعر بالألم عند سماعه أخبار الأهل في غزة وخصوصاً في طل الحصار والتجويع والقصف.

 

بعد تفكير لفترة فقد استقر به الرأي على أن أفضل وسيلة لمساعدة والدته وإخوته الصغار هي تحويل قليلاً من المال الذي يمكنه ادخاره من مصروفه القليل الذي يحصل عليه من المنحة الدراسية.

استطاع جمال ادخار مبلغ مائة وخمسين يورو ليرسلها لوالدته. فكر ملياً في كيفية إرسال هذا المبلغ المتواضع وخصوصاً أنه لا يوجد مسافرين في هذه الظروف الصعبة لكي يرسل معهم المال إلى غزة، وحين استفسر عن طريقة الويستيرن يونيون وجد أنها مكلفة وخصوصاً أن المبلغ قليل.

أخيراً استقر به الرأي على إرسال المبلغ عن طريق تحويله لحساب بنكي في غزة، وتذكر أن له حساب قديم لازال مفتوحاً منذ أيام الخير في أحد بنوك غزة.

وهكذا ذهب إلى البنك في بلده وقام بتحويل مبلغ المائة وخمسين يورو لحسابه البنكي في غزة، علماُ أن البنك في أوروبا تقاضى مبلغ خمسة وعشرين يورو كرسوم التحويل.

ذهبت والدة جمال للبنك في غزة لاستلام المبلغ المفترض (مائة وخمسة وعشرين يورو) ولكن البنك طلب منها وكالة رسمية كي تستطيع استلام المبلغ كون الحساب البنكي باسم ابنها وليس باسمها.

لم تجد كل محاولات المرأة في إقناع موظفي البنك رغم أنها أبرزت كل المستندات والتي تدل على شخصيتها.

وحين لم تجد بداً من عمل التوكيل قالوا لها أن ابنها المقيم في أوروبا يجب عليه عمل التوكيل عن طريق ما يسمى بالسفارة الفلسطينية هناك.

اتصل جمال بالسفارة الفلسطينية التي طلبت منه إرسال صورة جواز السفر ومعلومات عن التوكيل ورقم الحساب البنكي وغيره مع دفع مبلغ عشرة يورو رسوم إصدار الوكالة.

قام جمال بكل ما طلب منه وقام بإرسال الوكالة بالبريد المسجل السريع ودفع عشرة يورو لقاء ذلك ليصل مجموع ما دفعه حتى الآن خمسة وأربعين يورو على أمل أن تصل مائة وخمسة وعشرين.

استلمت والدة جمال التوكيل بعد عشرة أيام من إرساله بالبريد السريع وذهبت به للبنك على أمل الحصول على المبلغ المنتظر. نظر موظف البنك للتوكيل وقليه بين يديه ثم قال: هذا التوكيل غير جاهز. يجب تصديقه من المحكمة ومن وزارة العدل قبل أن يصبح نافذاً. زفرت المرأة ولعنت في سرها البنوك والتحويلات والوزارة والمحاكم، وسألت الموظف عن التفاصيل فقال لها أنه يجب أن تذهب للمحكمة في مجمع الدوائر الحكومية –أو ما يعرف في مدينة غزة باسم أبو خضرة- وهناك سيقولون لها ما يتوجب عمله.

ذهبت المرأة لمجمع الدوائر الحكومية وهناك أخبروها بضرورة تقديم طلب بكافة التفاصيل للمحكمة. ذهبت المرأة لأحد المكاتب بجانب المحكمة حيث قامت الموظفة هناك بتعبئة طلب لها مقابل مبلغ عشرة شيكل (حوالي 3 دولارات) وذهبت به للمحكمة حيث دفعت مبلغ ثماني وعشرين شيكل (حوالي 8 دولارات) لقاء تصديق التوكيل. ثم ذهبت من فورها لوزارة العدل في منطقة تل الهوا لتصديق التوكيل وهناك طلبوا منها دفع مبلغ ثماني وعشرين شيكل مرة أخرى لتصديق الطلب من وزارة العدل. ثم طلبوا منها تصديق الطلب من وزارة الخارجية وهناك دفعت مبلغ ثمانين شيكل (حوالي 24 دولار أمريكي) لتصديق الطلب من الخارجية وبهذا انتهت من تصديق التوكيل بعد أن دفعت ما مجموعه ثلاثة وأربعين دولار أمريكي غير شاملة المواصلات!

ذهبت والدة جمال للبنك في صباح اليوم التالي وبعد التمعن في التوكيل قال لها الموظف أنه الآن يمكنها الحصول على الحوالة المالية والمفترض أن تكون

 

مائة وخمسة وعشرين يورو ولكن صدمتها كانت كبيرة حين أعطاها الموظف مبلغ أربعمائة شيكل أي ما يعادل سبعين يورو فقط! وبالعملة المحلية وحين استفسرت عن ذلك قالوا لها:

الحوالات المالية لبنوك غزة تمر عبر نيويورك وهناك يتم خصم عشرين دولار أمريكي عن كل حوالة، والبنك هنا يتقاضى مبلغ عشرين دولار أمريكي عن الحوالة ولأنه لا يوجد عملة صعبة في بنوك غزة بسبب الحصار فإن أي حوالة بنكية يتم دفعها بالعملة المحلية (الشيكل) وطبعاً يتم تحويلها بأسعار أرخص كثيراً من سعر السوق لصالح البنك بالطبع وبعد كل هذا فإن ما تبقى هو أربعمائة شيكل أي حوالي سبعين يورو أو مائة وسبعة دولارات أمريكية.

وبعملية حسابية بسيطة وحدت أن صافي المبلغ الذي حصلت عليه بعد خصم تكاليف التوكيل هو ثلاثة وستون دولار أمريكي!

وبعد خصم ما دفعه جمال للسفارة والبريد السريع يصبح صافي المبلغ ثلاثة وثلاثون دولاراً أمريكياً فقط لا غير!

وكل عام وأنتم بخير

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز