Arab Times Blogs
محمود القاعود
moudk2005@yahoo.com
Blog Contributor since:
09 December 2007

كاتب عربي من مصر

مصطفى محمود .. وداعاً صديقى المؤمن

 

يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم : أتانى جبريل فقال : يا مُحمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزى به واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس " ( أبو داود ) .

كم أحببت مصطفى محمود كثيرا .. وها هو اليوم يفارقنى وأفارقه ، ويسبقنى إلى دار الحق ..

كم تعلقت بـ مصطفى محمود ، وكم أدمنت قراءة كتبه ومقالاته ومشاهدة برنامجه " العلم والإيمان "  ...

كم من مرة جلست إليه وأنا مذهول من تواضعه وعلمه وموسوعيته وثقافته وأدبه

هذا هو مصطفى محمود الذى يشغل الناس فى مصر والعالم العربى ببرنامجه الرائع " العلم والإيمان " .. ها هو أمامى يستمع لما أقول وينصت باهتمام ويضحك عندما أحكى له ما يبعث على الضحك  .. كنت أحدث نفسى بهذا الكلام أثناء زيارتى له فى منزله الموجود بالعمارة المقابلة لمسجده  الكائن  بـ المهندسين ..

كنت أشعر أنه هو الذى تقصده الآيات القرآنية الكريمة :

" وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا " ( الفرقان : 63 – 68 ) .

لا زلت أتذكر مكالماتى الهاتفية معه .. كأنى كنت أكلمه منذ دقائق ..

منذ سنوات غير بعيدة ، كنت أحدثه واطمئن عليه وادعو  له بطول العمر .. فرد بصوته المحبب إلى قلبى ونبرته الهادئة : خلاص العمر أوشك على الانتهاء !

قلت له مازحاً أنه ما زال شاباً بالنسبة للملكة إليزابيث الأم زوجة الملك جورج السادس ، التى عاشت حتى بلغت المائة عام .. فرد ضاحكاً :

دى يا عم محمود تربية ملوكى ! احنا متربيين فى الحارات والشوارع والبلهارسيا !

أتذكر أحاديثى معه عن قضايا عديدة .. خاصة موضوع الشفاعة الذى كان يؤلمه نفسياً .. خاصة أن شيوخ الأزهر لا يتحدثون معه بشئ من الهدوء ، لكنهم يسفهون كلامه دون معرفة ماذا يقصد من هذا الكلام أو الهدف الذى يدفعه لذلك .. فكل ما كان يقصده كما حكى لى – عليه رحمات الله – أنه لا يريد أن يرى لصا يسرق ويقول " الرسول هيشفعلى " ! لا يريد أن يرى مجرماً يرتكب جريمة ثم يدعى أن الرسول سيستغفر الله ويشفع فيه .. هذا باختصار شديد هو مجمل رأيه فى قضية الشفاعة .. لكن ما أحزنه ردة الفعل العنيفة من جانب الأزهر ، واستخدام الأساليب الصاخبة فى الرد عليه ، لدرجة تكفيره وانتشار شائعة فى العام 1999م تفيد بأن الدكتور مصطفى محمود قد ارتد عن الإسلام !!

إن مصطفى محمود ظاهرة فريدة فى تاريخنا المعاصر .. جمع بين العلم والفكر والأدب والفلسفة والإيمان .. ظل يبحث عن الحقيقة حتى وصل إليها .. لم يكفر بالله فى يوم من الأيام .. كانت لديه بعض الشكوك الناتجة عن تفكيره العميق وتأمله فى الكون .. كتب هذه الشكوك فى كتابه الأشهر " الله والإنسان " عام 1955م ، تمت مصادرة الكتاب ، وظل مصطفى محمود يبحث عن الحقيقة التى وجدها ، وأصدر بشأنها  كتابه الذى أخرس الملاحدة " حوار مع صديقى الملحد " فى العام 1974م .

قرأ مصطفى محمود فى جميع الديانات والمعتقدات .. طاف غابات إفريقيا ومدن أوروبا وأستراليا وأمريكا .. تأمل فى الديانات الوثنية الوضعية  التى تستهزئ بالعقول وتدعى أن خالق الكون تجسد فى بقرة وإنسان ..  اكتشف أن الإسلام  هو الدين الوحيد القادر على إشباع احتياجاته الروحية .. وجد دينا يدعو لعبادة إله واحد أحد ليس كمثله شئ ، منزه عن الشبيه والشريك ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا .. لم يجد فى الإسلام أسرارا كمثل ما يسمى بـ أسرار الكنيسة السبعة " عند الطائفة الأرثوذكسية .. لم يجد فى الإسلام حاجة إلى واسطة ليتصل بخالقه ..

منذ عقد من الزمان تقريباً .. طلب منى مصطفى محمود أن أبحث له عن كتاب " الله والإنسان " الذى تمت مصادرته فى العام 1955 م والذى يشاع أنه مارس " الهرطقة " فيه وأعلن الإلحاد !

وعدته بالبحث عنه ، وبالفعل حصلت عليه .. لكن شاءت الأقدار ألا أسلمه له .. لظروف مرضه ..

كان يريد أن يراجع ذكرياته القديمة .. يقرأ ما كتبه وهو شاب يبحث عن الحقيقة .. يقرأ ما كتبه فى بدايات رحلته نحو الإيمان المطلق .. يقرأ البداية التى انتهت بكتابه " رحلتى من الشك إلى الإيمان " ..

يُنسب لـ المسيح عليه السلام أنه قال : " لا كرامة لنبى فى وطنه " . وعندما نرى تعامل الدولة المصرية مع عالم فذ مثل مصطفى محمود ، نتذكر هذا القول ..

فلا كرامة لعالم أو مثقف أو مفكر أو مخترع فى مصر على الإطلاق .. الكرامة فقط للراقصات ولاعبى الكرة والطبالين والمحتالين وعبدة الفرج والشرج وحزب الكاتدرائية بيتنا ..

لا كرامة إلا للحمقى والمغفلين وأدعياء الليبرالية والعلمانية ..

اسأل نفسى ماذا إن كان مصطفى محمود طبالا أو زمّارا أو لاعب كرة أو راقصة أو أحد أدعياء الليبرالية أو مريد من مريدى روءة .. ترى ماذا كان سيحدث ؟؟

ماذا إن كان مصطفى محمود أحد من يسبون الإسلام آناء الليل وأطراف النهار ؟؟

ماذا إن كان مصطفى محمود راقص باليه أو صاحب كباريه ؟؟

إذاً .. لا كرامة لـ مصطفى محمود فى وطنه .. ولا كرامة لعشرات الآلاف غيره من المثقفين والعلماء والأدباء الذين يتمسكون بإسلامهم ويحبون رسولهم صلى الله عليه وسلم .

إنه من المدهش أن تحتفل الدولة بكل ما هو قبيح وساقط ، وتترك عالما كـ مصطفى محمود يعيش فى غياهب النسيان منذ أكثر من عقد من الزمان ، دون أن تلتفت إليه .. بل وبكل بجاحة وصفاقة يتم منع برنامجه الشائق المتميز " العلم والإيمان " من التلفزيون المصرى منذ سنوات بعيدة  دون إبداء أسباب واضحة  !

ربما هى مشكلة مصطفى محمود أنه لم يدخل " حظيرة " روءة ، حتى يحظى بالعلاج على نفقة الدولة و " التلميع " فى الإذاعة والتلفزيون ، والسفر بطائرة خاصة إلى أى مكان فى العالم ..

إن تاريخ 31 أكتوبر 2009م سيظل شاهدا على زمن قلبت فيه الحقائق .. زمن تحول فيه الشيطان إلى ملاك .. والملاك إلى شيطان .. زمن تهيل فيه الدولة المصرية ، التراب فوق رأس عالم قلما يجود الزمان بمثله ..

وداعاً صديقى المؤمن مصطفى محمود .. إلى جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار إن شاء الله .

 



(230756) 1
تعليق
سامح صلاح
من الغباء الشديد ان يتهم الدكتور مصطفى محمود بالحادوالردة الرجل الذى ملئت كتبه بالايمان والتدين الراقى والتصوف العميق وكل من قرا له يعرف جيد حقيقة ما اقول
سلاما لك فى الخالدين ايها المصطفى والمحمود
December 11, 2009 5:46 AM


(253119) 2
الله يرحمه
محمود السمنى
والله الراجل ده فعلا اسطورة ونادر الله يرحمه كان راجل محترم جدا بس انا سمعت فى برنامج الحقيقة لوائل الابراشى ان الدكتور مصطفى محمود اشتغل طبال ورا رقاصة فى فترة من حياته وهو صغير
May 1, 2010 10:59 PM


(272820) 3
حتى لا ننسى الكاتب مصطفى محمود
الكاتب عبد الرحمن سرحان سطيف / الجزائر
بالرغم من مؤلفاته الكثيرة ذلك الهادئ الوقور الرزين مصطفى محمود فقد اشتهر بسلسلة العلم والإيمان التي امتدت امتداد الشمس، تلك الأشرطة العلمية المرئية والمسموعة بصوته والتي تجاوزت الأربعمائة حلقة أذاعتها معظم الدول العربية والإسلامية وكانت بحق هادفة مشوقة هدفها الرئيس إثبات وجود الله عقلا لا نقلا وإنه لمن المفكرين الصادقين الأخيار جزاه الله خير الجزاء رحمه الله تعالى برحمته الواسعة.
October 2, 2010 3:04 PM


(382012) 4
المفكر مصطفى محمود
الأستاذ / عبد الرحمن سرحان - سطيف الجزائر
دفعنا الحب والاحترام للشيخ مصطفى محمود الذي تعتز به مصر وتفخر إلى التعليق مرة أخرى..
أيها القراء الكرام ساءني أن أحد المثقفين اتهم الأستاذ الراحل في دينه بعد ما قرأ بعضا من كتبه العقلية الفكرية ككتاب حوار معى صديقي الملحد فظن أنه ملحد لقصر نظره وسوء فهمه. لقد خدم الإسلام الحقيقي خدمة جليلة تخلو من الشوائب والخرافات التي علقت به عبر العصور وقرأنا كتبه ويكفيه فخرا وشرفا أنه ترك مسجدا بناه في بلدته يحمل اسمه لله درّه من الرجالات الأخيار .
August 25, 2012 4:49 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز