Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
سكة حديد برلين – بغداد

في نهايات القرن التاسع عشر برز مشروع سكة حديد برلين – بغداد ، كواحد من أهم المشاريع التي حاولت ربط الشرق الأوسط بالغرب أو المنطقة العربية بأوربا ، وكان من شان هذا المشروع إذا ما انجز ، فتح أبواب الشرق للمؤثرات الغربية وتطوير أفاق التعاون بين العالمين بما يساهم بخلق شراكة إستراتيجية مثمرة ، تنمي الأفق الإنساني وتدفع بالعلاقات البشرية إلى ما يزيدها قوة ومتانة .  

وبالرغم من أن هذا المشروع كان قد فتح أبواب المنطقة لصراع  دولي كبير ،  لاسيما بين بريطانيا القوية المتنفذة في المنطقة آنذاك وألمانيا الطامحة لأخذ مكان بارز لها بين الأمم القوية ، إلا أن واقع ذلك الصراع  وحراكيته  كان بالنتيجة  أو في جزء منه يخدم تطلعات المنطقة ويساهم في تنميتها نحو الأفضل ، فقد بدا القطبان الكبيران آنذاك  ألمانيا وبريطانيا بتقديم المزيد من المغريات بهدف الظفر بامتياز هذا المشروع الكبير ، وكان من بين تلك المغريات الكثير من المشاريع التي تخدم  مجالات اجتماعية واقتصادية وعلمية عديدة ، ناهيك عن وضع المنطقة على طاولة المخططات الإستراتيجية الكبرى التي  ساهمت بشكل ما في تغيير الخارطة السياسية للمنطقة  وتغيير معالمها الثقافية والاجتماعية ، بحيث لمحنا وجها جديدا لم نألفه من قبل .

  وبعد صراعات ومساومات مرهقة  دامت  إلى ما يقرب من ربع قرن ، حصل التوافق أخيرا وظفرت ألمانيا بالمشروع ، الذي  شرع بتنفيذه  بدءا من 27 تموز 1912  منطلقا من بغداد صاعدا إلى  الشمال ، وسط تهليل عثماني كبير وفرحة اتحادية عارمة ( المقصود هنا حزب الاتحاد والترقي الحاكم في الدولة العثمانية آنذاك )  لم تخمد أوارها  إلا بعد ذلك بسنتين ، عندما  تلاشى المشروع وسط معمعة الحرب العالمية  الأولى وما تخللها  من هزائم عثمانية مريرة ،  أطاحت بأحلام العثمانيين في العودة بالزمن إلى الوراء  واستعادة المجد العثماني السالف .  

وبالتأكيد فان الكثير من العراقيين المعاصرين لا ينظرون إلى تلك الهزيمة  بنفس  ما نظر أليها العثمانيون  ، فربما  وضعت تلك الهزيمة الكبيرة حدا لعبودية  طويلة قاسى منها العراقيون ألوانا من العذاب  وقرونا من الانقسام والتخلف ، ما جعل هزيمة العثمانيين في نظر هؤلاء  نصرا سماويا وعرسا قوميا كبيرا ، تناسوا  فيه حتى المغريات التي يقدمها مشروع طموح  كمشروع سكة حديد برلين – بغداد  .

 ولأننا لا نريد أن نخوض في معمعة التاريخ  وفي ملابساته ، فسنتجاهل  القيمة التي حملها المشروع في حينه ، حتى لا نقع في فخ التنازع بين من أيد المشروع ومن عارضه  انطلاقا من موقفه من العثمانيين ،  فالذي نريد أن نطرحه هنا  هو قيمة  هذا المشروع للحاضر والمستقبل ، سيما مع رغبة العراق الجديد  في  الانفتاح على العالم  و بناء علاقات سليمة مع دوله ، تسهم  في إخراج  العراق من وضعه التاريخي المزري  ونقله إلى واقع أفضل ،  فأمام العراق طريق طويل  للخروج من قوقعة  التخلف  التي عاش في كنفها طويلا  والنهوض من سباته المزمن ، ومما لا شك فيه فان الترابط مع الغرب هو احد السبل الكفيلة بتنظيم هذا النهوض و الذهاب به إلى النجاح  ، وهو أمر قد لا يمكن تحقيقه بسهولة ، بل سيحتاج إلى جملة من الخطوات  التي ستعزز من الانطلاق نحو هذا الهدف ، وبالتأكيد  سيكون لإحياء هذا المشروع القديم أثره البالغ  على مسار العلاقات العراقية  أو العربية – الأوربية ، بما يسهم بخلق شراكة  حقيقية بين المجموعتين ، تعيد لملمة الأوراق لصالح واقع التوازن الذي سوف يعيد صياغة العلاقات ، بما يخدم تطلعات شعوبنا  وتوقها  لغد أفضل ،  بعد أن تنفتح أمامها سبل الإبداع والتطور التي فقدتها طويلا   .   







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز