Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
سطور من أيامي الحزينة

يقول الحق تبارك وتعالى :" لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي كَبَدٍ." وقد اخترت تفسيراً مبسطاً للعلامة الفقيه السوري د. وهبة الزحيلي لهذه الآية حيث يقول:" لقد خلقنا جنس الإنسان مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد ، والتعب والمعاناة حتى يموت."

وفي مسرحية "نهاية اللعبة" لكاتب اللامعقول والعبث صمويل بيكيت نرى أطنانا من الدموع والتشاؤم بنهاية العالم حيث يتفقد الخادم كلوف فردا آخر في المسرحية ثم يقول:" إنه يبكي ، فهو يحيا إذن"

وفي كتاب "كعك وجعة – 1930" قص سومرست موم باستفاضة أيام طفولته القاتمة حيث كان طفلا بائسا حزينا عاني من اليتم والفقر والمرض وأثرت فيه عقدة الثأثأة. هذا برغم أن والده كان مستشارا ثقافيا في السفارة البريطانية وأمه باريسية ذات جمال وجاه وصالون أدبي يؤمه الكبار ، لكنهما ماتا وعمره عشر سنوات فكان ممزقا بين اليتم والفقر ، وقد أورد كثيرا من هذا في كتابه:"العبودية الإنسانية". (غادة السمان : صفارة إنذار داخل رأسي...كتاب رائع)

ومن جميل ما رأيته في سومرست موم أنه طبيعي بسيط يحكي كل الأحداث بعفوية وصدق ولا يتوقف لحظة ليرهق نفسه وقارئه في التزام مذاهب أدبية حديثة كتلك التي سار على دربها جيمس جويس ، وفيرجينيا وولف ، وفولكز من مثل الرمزية وتيار اللاوعي (تداعي المعاني Stream of Consciousness Technique) بل كان مثل أنطون تشيخوف وغيره من عظماء القص ممن يحكون لك ليس ليمتعوك أو يفرحوك أو يحزنوك ولكن لأن القص عندهم عادة طبيعية عفوية صادقة وهو ما سأفعله اليوم.

لكني على كل حال ما عرفت أندى عبارة ولا أعذب بيانا ولا أصفى نفسا ولا جمال إنجليزية مثل ما هو عند تشارلز ديكنز وفي هذا الجانب بالذات سيما وأن ديكنز نفسه كان معادلا موضوعيا صريحا لما كتب فجاء أدبه صادقا رائقا شائقا عذبا جميلا.

وأما عما سأحكيه اليوم من حادثة الليلة الثانية من ليالي الحزينة ( بعد حكايتي عن الليلة الأولى في مقالين: الطابونة ، أقوال مأسورة ساخرة من قلب ينبض بحب مصر -14- ) فإن منهجي وغايتي هما كما يلي:

أؤمن بالصدق ، ولا أؤمن سوى بالصدق ، والأدب عندي هو الصدق ، والجمال عندي هو الصدق ، والغاية عندي هي الصدق. يعني أقصد أن حكايا السيرة الذاتية هي من أصعب بل وأسخف ما يكون سيما وأن كل الكاتبين عن سيرهم – سواء أكان صاحبها عظيما أم خامل الذكر ، ففي كل حياة عبرة – يتجملون ويكذبون ويخفون ، والرأي عندي ببساطة أنك لو قلت فلا تكذب ولو نويت الكذب فلا تقل ، يعني أشرف لك مائة مرة أن تخفي سيرتك بالأساس من أن تحكيها كما تريد لا كما حدثت. أمر آخر هو أنه لا يحق لرجل أن يحكي عن أمه أو زوجته مثلاً ما عسى يشينها بدون إذن منها ولذا فإن أغلب السير الذاتية ينتهك الأموات ويفضح أسرارهم لأغراض تجارية حقيرة جلها هو ترويج الكتاب!!! و هذا عهد بأن ما أحكيه هو الصدق ولا شيء غير الصدق بدون زيادة أو نقصان...والآن إلى حكاية الليلة الثانية:

 

كل ما أريده من السطور القادمة ليس استدرار العطف أو حتى إيقاظ مشاعر الرحمة النبيلة لا وإنما ما أقصده أنه حتى الفقر والحرمان واليتم ليس سببا في الانحراف والضياع وإنما ما أعول عليه وأوليه أهمية عظيمة هو إن غاب المال ألا تغيب القيم والأخلاق، وثانيا أنك أيها الإنسان كنز من عطايا الله وبركاته وفي وقت ما وعند اشتداد الأزمة ستستفز الأزمة فيك طاقات وشجاعة وقوة لم تكن تتوقع أنها فيك وبالتالي فإن المحنة أحيانا منحة. نعم ....ما أقصده أن تظل دوما ممسكا بحبل الله تعالى متوكلا عليه موقنا بموعوده متحليا بأخلاق الفرسان من جلد وشرف وقوة وصبر جميل وذكاء واجتهاد وحتما سيضيء النور في نهاية النفق ، وستخرج سالما مرفوع الرأس مهما كانت مشكلاتك أو مأساتك ، يا صديقي العالم مليء بما هو أفجع.

كان الليل حالكاً بسواد غير معهود في تلك الليلة التي كنت فيها أغط في نوم عميق بعد عمل شاق دام يومين كاملين بلا انقطاع. في اليوم السابق كان علي أنا وزملائي الثلاثة أن ننقل براميل المازوت التي نزود بها آبار أو كما نسميها بيارات الوقود المستخدم للفرن. كان عددها 35 برميلا يزن الواحد منها أكثر من مائة وخمسين كجم تقريباً. كان علي أن أصعد سيارة النقل لأرمي من خلالها البرميل واحدا واحدا حتى تقع على إطار من إطارات سيارات النقل القديمة جئنا بها حتى لا يصاب البرميل بتكسر أو اعوجاج قد يتسبب في فتح غطائه وتسرب ما فيه.

كان الجو حينئذ شديد الحرارة في قيظ الصيف وكانت يداي ووجهي ملوثين بمازوت البراميل فقد كنت لا أستطيع حتى أن أحك جلد وجهي من العرق ، وبلغت الروح الحلقوم فسقطنا نحن الأربعة صرعى أمام البراميل لكنا ما كنا نلبث أن نعود ثانية حتى لا يغافلنا صاحب الفرن بقبضته التي تخترق أمعائنا أو رجله التي تنغرز في نصفنا الأسفل.

وأما عن تفريغ هذه البراميل في البيار فكارثة أخرى لأن البيار شديد العمق بحيث يتسع لكل هذه البراميل ، ولو سقطت فيه سيما وأن المازوت لزج فإنك ستغرق لا محالة وستنتهي حياتك بهذه الصورة المأساوية كما أن ليلك سيضحى شديد السواد لو أفرغت جزء ولو نزرا يسيرا خارج البيار. المهم الحمد لله كالعادة أعاننا الله سبحانه وتعالى وأنهينا العمل لأعود إلى عملي المحبب والمرفه الذي عند مقارنته بعمل الفرن أشعر كما لو أني أسبح في أنهار الجنة وأرفل في نعيم الفردوس الأعلى فيها وهو خدمتي لبيت صاحب الفرن وزوجته وابنه الصغير.

والذي جعلني هكذا مشدودا إلى هذه الخدمة أنها كانت تعفيني ولو قليلا من جهنم التي كنت أعمل بها ، فقد كانت درجة الحرارة في المعجن أكثر من سبعين درجة مئوية حتى يخمر العجين وكانت درجة حرارة السير(الحديد الذي يجري تحت النار ويوضع عليه الخبز العجين حتى ينزل من الناحية الأخرى ناضجا مستويا) أكثر من ألف درجة ، والمكان شديد الضيق وبالمعجن سكاكين لتقطيع العجين ، ودقيق منثور في كل مكان لو تحاشته أنفك وعيناك فلن تستطيع الثبات عليه رجلاك.

كانت زوجته تطلب مني غسل الأواني وكنس الشقة..كنت أتنسم هواء التكييف العليل وأشعر بالملمس الحريري للطنافس والسجاد على الأرض مع جلال التحف والنجف على السقف ، والأهم من كل هذا قطع الفاكهة التي كانت ترميها لي وأنا نازل على السلم ذاهب إلى الفرن فقد كنت أشعر وأنا آكلها أني ملك حاز العالم كله!

أعود الآن إلى حيث كنت...كنت نائما أغط في نوم عميق على الأرض في هذا المكان الموحش ... بعيدا بعيدا عن الفيلات والقصور الفاخرة للمصطافين ، كان عبارة عن مكان مسور ومسقوف به حمام قذر وبعض من الأواني وأناس يشبهون البشر كلهم مريض بأمراض جلدية معدية أبسطها التينيا ، وسبحان الله فقد أنجاني الله تعالى من أن أصاب بعدوى منهم.

كنت أنام على ظهري لا لشيء إلا لأني كنت أسمع من بعضهم حكايات مرعبة عن اغتصاب كبير العمال لصغار العاملين في الفرن من الأطفال ضعيفي البنية...عن نفسي ويشهد الله أني لم أر شيئا كهذا وما تعرضت لهذا ألبتة لكني شعرت أن هذه الليلة بالذات سيعقبها أمر جلل ليس في سائر الليالي التي نمتها في هذا المكان سيما وأني كنت أنام بعض الليل منفردا لأني كنت أعمل بالليل لا بالنهار وقليل من كان يعمل بالليل. هذه الليلة كان قبلها يوم كالجحيم لأني بعد تفريغي لبراميل المازوت ذهبت في الطفطف (مجموعة عربات تنقل المصطافين من القرية وإليها) مع سائقه لنبيع الخبز الفائض في السوق. كانت أياما عسيرة لأني كان مطلوبا مني أن أبيع كل الخبز قبل أن يجف فلا يعجب أحدا ، ويدعي صاحب الفرن أني تسببت في خسارته برغم أنه يسرق في الموازين ويكسب آلافا مؤلفة. الشاهد أن هذا اليوم كانت أولى رحلاتي مع هذا السائق لأني كنت أخرج لأبيع الخبز مع سائق آخر فأتى هذا السائق الجديد ذلك اليوم قدرا. وقع بعض الخبز من نزقه وسرعته الطائشة فناديته كثيرا لكن المفارقة أن الرجل كان ثقيل السمع بالفعل ، وبينما أنا في العربة خلف الجرار إذ نويت النزول بسرعة لتدارك الخبز لأني أعرف سيف صاحب الفرن المسلط على رقبتي. الخبرة الضعيفة جعلتني أنزل موجها وجهي للخلف لتلهفي على الخبز (الصحيح أن تنزل ووجهك للأمام حتى تستوعب السرعة ببساطة ومنطق لأن العربة تسير للأمام لا الوراء) فانعكست السرعة لدي لأزحف كل هذا القدر الكبير على وجهي ويدي على الأسفلت فتنهمر الدماء من جسدي كله كأنها نار حامية من أثر احتكاك الجلد بالأسفلت في قيظ الصيف. الحمد لله استطعت أن ألملم هذا العدد القليل من الخبز ورآني بعض المارة فأوقف السائق بسرعة لينزل مربتا على كتفي بحنان مضمدا جراحي وهو يبكي. المهم الآن أن يدي ووجهي وركبتي وأفخاذي كانت كلها مضرجة بالدماء واستطعت تضميدها ببعض الورق القديم على الأرض وواصلت البيع ولما عدت ذلك اليوم كان جسدي كله كتلة من الألم لكني برغم هذا استطعت النوم من شدة التعب.

ومع هذا كله كنت أقوم مفزوعا من النوم على أصوات غريبة وضجيج غريب والأغرب أن تضيء اللمبات ثم تنطفيء من تلقاء نفسها. كل هذا كنت أعالجه بالاستعاذة ثم ما ألبث أن أخلد للنوم ثانية لأني كنت أعرف من نفسي الكثير من التخريف في أثناء النوم بفعل العمل الشاق ولم أستسلم لكلام صاحب الفرن من أن المكان مسكون بالجن فقد أقنعت نفسي أنه كان يمزح!!!

أوه! ما هذا ما كل هذه الضجة التي تنتهي كلما أسلمت نفسي للنوم. طيب سأمثل الآن النوم ، وبالفعل تعود الضجة وأشياء غريبة ، وينطفيء النور ثم يضيء....على كل حال اقترب ميعاد العمل وعلي الآن أن أذهب حتى أنظف دواليب الخشب التي نحمل فيها العجين وأن أنظف السير الساخن تحت النار وأن أقوم بكنس المكان جيدا ريثما يأتي كبير العمال وحتى يستعد العجان (بتشديد الجيم يعني من يصنع العجين ).

في طريقي إلى الفرن أمر بأماكن شديدة الوعورة كأنها غابات السافانا حيث كل شيء مرتفع ، وكل شيء متحرك ، وكل شيء مراوغ... وثمة أشياء ومخازن كثيرة... هنا أنابيب الغاز وهناك ثلاجات قديمة وهناك وهناك وكلها أشياء تابعة للقرية السياحية التي كنت أعمل بها بعد تركي للفرن الأول.

حتى الأفاعي لها فحيح أكاد أسمعه سيما وأني في طريقي إلى مكان النوم أمس رأيت ثعبانا كبيرا يمر من أمامي ناهيك عن فئران بلا عدد وحشرات بلا وصف.

الجو الآن شديد البرودة وكلما اقتربت من الفرن كلما شعرت بدفء جميل... آثرت أن أسرع في أداء العمل فالساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل ويجب أن يخرج الخبز طازجا في السادسة ولو تعطل العمل فكالعادة سينحون باللائمة علي أنا. جهزت الماء وغسلت القماشة التي أربطها في آخر عصا طويلة كانت جزء من مقشة قديمة أبلها بالماء ثم أمسح بها السير الذي يحمر من النار تحته حتى لا يلوث الرغيف العجين عندما يوضع عليه. كان مجرد النظر إلى هذا السير يكاد يحرق بؤبؤ عيني بل كان سببا مباشر في إضعاف بصري من شدة الحرارة سيما وأنه كان يجب علي الاقتراب أكثر حتى أمعن في تنظيفه. وفي أثناء انشغالي وقلقي من حرارة السير وضيق المكان واستعجالي غافلني كبير العمال وشدني من قميصي. كان قوي البنية مدمج الخلق بينما كنت أنا ضاويا دقيق العظام وأيقنت ساعتها غدره...وهنا بلغت قصتي أوجها:

كنت في يده مثل العصفور سيما وأني كنت ما أزال أطرد النوم من عيني فألجأني إلى جدار بقرب السير فاقتربت رأسي من السير وكأنما يريد بهذا إسكاتي. الحقيقة كان قلبي يرتجف حتى يكاد يقفز من صدري رعبا لا منه وإنما من تشويه وجهي بنار السير ولا أدري ما حدث فقد شرعت أحاول جهد الطاقة أن أهرب بينما لم أعرف سوى أن أنتقل معه من حائط إلى آخر حيث تقعقعت أضراسي غضبا وارتعشت مفاصلي رعبا فإما أن أصير النمر الذي يعرفه أصدقائي وأهلي حيث يصفونني بالنمر عند غضبي ويعرفون شراستي وإما أن تخور قواي. الحمد لله رب العالمين كان جل جلاله معي فأنقذني حيث ألجأني هذا الكائن إلى الحائط مكتفا إياي ومن حسن حظي أني كنت قريبا ساعتها من صندوق الدقيق الذي في طريقه إلى العجن قبيل أني يأتي العجان وبخفة النمر وجرأته قبضت قبضة من الدقيق حيث لم يكن يتحرك في إلا كفي فقط بينما أن جسدي كله مشلول باحتوائه إياي وقذفت هذا الدقيق في عينيه فصرخ مستنجدا وفكت قيودي حينئذ لكني لم أسكت. كنت أعرف أن نقطة ضعفه في مرفقه حيث كان يعاني من إصابة أو بالأحرى إعاقة فيها وبحثت كالمجنون في لا زمن عن آلة أو حديدة فوجدت ما نسميه قمطة وهي حديدة ثقيلة بطول الذراع كنا نستعين بها على تحريك الصناديق القديمة من أسفلها. شددت الحديدة وعاجلته بضربة لا أدري كيف أصابته في عين الجزء الذي أقصده في مفصل مرفقه فانهار على الأرض يتلوى كالطير مذبوحا بينما تتراءى أمامي صورة أبي – على روحه الطاهرة سحائب الرحمة والنور والرضوان – يقول لي: لست قلقا عليك أيها الفارس.

ساعتها لم أشعر إلا بنفسي أجري كفرس قبيض الشدِّ (أي سريع نقل القوائم) مناديا بأعلى صوتي: أستاذ ماجد أستاذ ماجد أستاذ مااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااجد (اسم صاحب الفرن) حتى لكأن القرية السياحية قد سمعتني كلها وأتى هذا الرجل فقصصت عليه ما جرى فانهال عليه ضربا وطعنا وطرده من العمل. كان الأستاذ ماجد هذا رجلا محيرا في سلوكه يعني كان يقرأ القرآن ويعظمني كثيرا لأني أحفظ القرآن وكان يصلي لكنه كان يسب الدين أيضاً. لكن الذي كنت علي يقين منه أنه كان ذا رحمة كبيرة وكثيرا ما كنت أراه يربت على كتفي قائلا: أنا أعلم أنك عزيز قوم ذل وصدقني أنا أشعر يقينا أنك يوما ما ستكون عظيما وستذكر هذه الأيام لكن ساعتها لا تنسى أني كنت محبا لك ومتعاطفا معك ومكرما إياك.

أسأل الله تعالى العفو والعافية والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة للأستاذ ماجد ولأسرته ولي ولكم والسلام.

 

  المراجع:

قلبي







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز