Blog Contributor since:



Arab Times Blogs
آدم البني آدم .......... قصة قصيرة

 تلقى آدم داخل السجن أتصالا من محاميه يعلمه برفض القاضي الإلتماس  الأخير لوقف تنفيذ الحكم , وبالتالي فانه سيعدم هذا الصباح , وضع  سماعة الهاتف  وطلب من الحراس أن يحضروا له البطاطا المقلية كوجبة أخيرة , أكلها بهدوء ثم أقتيد إلى العربة لتنقله لمكان التنفيذ , بدأت المركبة بالمسير وأخذت الأفكار تتسارع في رأسه فلم يبقى له سوى أقل من ساعة ليحيا فيها على هذا الكوكب , تذكّر أمه فدمعت عيناه وتذكّر طفولته بحلوها ومرّها , وأخد يفكر في الله ويتمتم طالبا المغفرة - إن كان الله موجودا - وإن لم يكن فلن يخسر أكثر من نصف ساعة تمتمه , عندها أخذت المركبة تنحرف بشدة ووجدها تنقلب فجأة وتدور حول نفسها عدة مرات إلى أن أستقرت رأسا على عقب وشعر بدمه ينزف بغزارة وبدوار في رأسه إلى أن أغمي عليه.

 أفاق آدم وفتح عينيه ليجد نفسه في غرفة الطوارئ وحوله العديد من الاطباء و الممرضين , أحس بالألم في كل أنحاء جسمه ولكنه تمالك على نفسه ليستمع إلى الطبيب يخبر من حوله أن لا فائدة من صرف كل هذا المال و الجهد في علاج هذا الشخص إن كان سيعدم لاحقا ! , ونظر بطرف عينه ليرى ذاك الطبيب وهو يصف كمّ العمليات المعقدة التي يحتاجها  لإبقاءه حيّا إلى حين أعدامه! , هز آدم رأسه مستغربا من سخرية القدر وقال في سريرته  أن " حتى في الإعدام ليس لي حظ في هذه الدنيا اللعينة " .

 بعد أخذ وردّ ومراجعة المسؤولين عرف الأطباء أن لا خيار لهم سوى أجراء العمليات , وهكذا كان , وانتقل آدم إلى غرفة النقاهة كي يستريح إلى أن يعرف  أين ستلقي به الأقدار من جديد, حضر المحامي وأخبره أن القانون يحتّم أن تتحسن حالته الصحية إلى درجة تسمح للسلطات بتنفيذ الحكم , أخذ آدم نفسا عميقا  وضحك لأول مرة منذ زمن بعيد من كل قلبه وقال لمحاميه بربك ألست أسؤا الناس حظا في هذه الدنيا  ؟ , ولكنك ربحت بضعة أيام أخرى لتعيشها أتسمي هذا سوء حظ ؟ , يا سعادة الأفوكادو أي عيشة هذه وأنا أنتظر الموت ؟ , كلنا سنموت أجابه المحامي ومن يدري لعلي أقضي نحبي قبلك ؟ فأستمتع ما أستطعت بهذه الأيام القليلة الباقية أفتح الستائر وأنظر إلى الأشجار , تأمل لون السماء وروعة الغيم , ألا تسمع أصوات الطيور في حديقة المستشفى , كم من الصم حرم من تغريد البلابل وكم من أعمى لم يرى عشبا أخضرا ولا فراشا ولا زهرا.

 بدأ  كلام المحامي ينفذ إليه وأخذ يفكر أيعقل أن تكون هذه الصدفة العجيبة..... صدفة ؟, أم أن هناك من يرسم ويخطط , وكيف بدأ تسلسل الأحداث , لو أن إطار السيارة لم ينفجر لكان ميتا الآن , ولكن هل أنفجر  من سوء مصنعية ناتج عن المواد  الأولية؟ , ومن أين جاءت هذه المواد أصلا , من الطبيعة تشكّلت عبر ملايين السنين , هل كان أختلاط المواد وتشكلها عبر كل هذا الزمان صدفة؟ ,  وبداية  لو لم يركّب هذا الإطار بالذات على عربة السجن لما حصل الحادث , هل جاء كل شيئ من إنفجار كوني؟, وماذا كان قبل الإنفجار , هل يعقل أن تحضر ساعة فائقة الدقة وتطحنها بالمطرقة الى آلاف الإجزاء ثم تلقها في الهواء لتصبح ساعة من جديد؟؟

 أخذت يدا آدم ترتعش , قد أدرك بعد كل هذه السنين شيئا كان واضحا  وضوح الشمس , إن الخالق موجود , لا يوجد تفسير أخر أبدا , لا يوجد , آلاف الملايين من البشر جاؤوا لهذا الكوكب وماتوا, من التراب إلى التراب , أيعقل أن تكون هذه قصتهم فقط , من غير جزء ثان , ومن أنا لأسأل هذا المبدع الجبار لما أراد لنا أن نحيا أصلا ؟ , أدرك آدم أخيرا أنه أختار بنفسه أعماله التي أقترفها وآذى بها كثيرا من الناس , وأدرك أنه لا بد سيقابل الخالق , دمعت عيناه وطلب المغفرة بقلب  صادق , وشعر بطمأنينة لم يشعر بمثلها أبدا , فهو وحياته في يد الخالق العظيم .

 وقف آدم بعد بضعة أيام بين يدي الجلاد وسألته لجنة التنفيذ عن رغبته الأخيرة قبل ان يغادر الدنيا , نظر بعينان تشعّان أملا , و قال لا شيئ , لا شيئ مطلقا , قد ملكت الدنيا وما فيها , أعدم آدم ودفن في قبر كتب على شاهده" هنا يرقد آدم البني آدم".







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز