Blog Contributor since:



Arab Times Blogs
حين يبدع مسرح الميدان

قدم مسرح الميدان, في الاونة الاخيرة, عرضا احتفاليا خاصا لمسرحية " قصة خريف " وذلك بمناسبة انضمام الفنان سهيل حداد لطاقم ممثلي المسرحية بدلا من الفنان مكرم خوري المرتبط باعمال اخرى,

 

المسرحية من تاليف الكاتب الايطالي الدو نيكولاي, واخراج المقدسي امير زعبي, قام باعدادها وترجمتها الى العربية مدير مسرح الميدان الفنان سليم ضو الذي يلعب دور احدى الشخصيات في المسرحية, اضافة الى الفنان القدير سهيل حداد والفنانة الكبيرة سلوى نقارة.

وكما هو معروف عن الفنان ضو في اختياره الناجح للاعمال الجيدة, فقد اختار في هذه المرة ايضا قصة تحمل موضوعا انسانيا واجتماعيا من الدرجة الاولى.

 

تعالج المسرحية موضوع الشيخوخة بطرح شفاف مرهف وبروح كوميدية, وقد تالق الفنان ضو في تمثيل دوره الذي ادى خلاله شخصية المسن " بوكا ", فهو ياخذك معه ويدخل بك الى عالم الشخصية التي يؤديها, فتشعر وكانه نسيم الريح يميل بالاغصان الغضة, فتميل كما يميلها,  فما تكاد تضحك معه  حتى تشعر بالحزن والاسى في نفس المشهد, فيضحكك تارة ويبكيك مرات.

 

يلتقي " بوكا " مع " ليئو " على مقعد في احد احياء المدينة, كلاهما ارملان في اواخر سبعينيات العمر, يعيش كل منهما مع عائلة احد الابناء, وهناك تتطور العلاقة وتنشأ بينهما صداقة حميمة فتدخل عليهما سيدة مسنة عزباء كانت تعمل حاضنة اطفال, الا ان احدهما يحاول جاهدا ابعادها لئلا تكسب ود صديقه.

 

تعرض المسرحية المشاكل والهموم التي يواجهها المسن وهو في خريف العمر, وتكشف عن مخاوفه  التي لا يشعر بها حتى اقرب الناس اليه, ويذهب " ليئو " الى ابعد من ذلك فيكشف لصديقه سوء معاملة الابناء لابيهم, حتى عندما اخذوه لبضعة ايام لملجأ العجزة لم يخبره احد بذلك " يوم الخميس بالليل. لما رجعت ع البيت لقيت بنتي وجوزها بستنوني ع الباب ومعهن شنطه, حطوني بالسيارة وبس بالطريق قالو لي لوين ماخديني. عشان هيك ما غدرتش اعلمك ".

 

لكن " بوكا " يحاول اخفاء الحقيقة المرة, ويكابر في البداية محاولا اظهار اولاده بصورة افضل من اولاد صديقه " اترك ولادي ع جنب, حطها براسك ... شو اسمك انت ... ليئو ... ع ولاد بوكا ما حدا بقرب, ولادي مش عرصات زي ولادك, ولادي انا دافيين وكرما ... بكعوا فيي اروح لعندهن, انا اللي بحبش اثقل وبرفض, كل يوم جمعه بييجوا يزوروني حاملين محملين هدايا ".

 

الا ان " بوكا " يعترف فيما بعد بسوء معاملة اولاده له ويشكو سوء حاله " عشان منافسي العاليه ولا مره حكيتلك, ما كنتش بدي اجيب سيرتهن بالعاطل, امحسيسيني اني حمل عظهورهن ... حمل, ابني لكبير بحكيش معي ولا كلمه, الباقين ولا بشوفهن ... ابني الزغير من سنتين ما زارني ... بسمعوني اني عشت اكثر من اللازم واني تخنتها وخلص بكفي لازم افطس, كنتي بتعمل لي مرقه عشان توفر ... بتسقيني نبيذ مخلوط بمي ... كل شي بالبراد معدود ومحسوب ... واذا غلطت ومديت ايدي ع اشي ... ايدك " يا سراق " ... قدام لولاد, وفرشتي ولا مره بتظبها ... وشوف كيف بتحكي معي ... وابني بسمع وبسكتم ... مهو كمان مش طايقني وبستنى افطس " .  

 

وتطرح المسرحية وجهات نظر وتساؤلات عديدة, فما دام الامر كذلك فهل العيش مع الاولاد افضل ام بدونهم, فالسيدة " امبرا " تكشف عن خفايا نفسها وما كانت تطوق اليه " كثير كان بنفسي ولد الي, بس كل حياتي اتطبلت بولاد غيري " وتضيف " حياتي ما كانت كيف ما لازم ... كنت لازم اخلف ولد بهالدنيا ... حتى لو ما تجوزتش "  ثم تعود وتطرح القضية بقوة وصراحة فتقول " انا اللي ما عنديش ولاد حاسه انه لازمني وانتو اللي عندكو بتهربوا منهن ... ".

 

الى اين تمضي بنا الحياة, وما هو المصير المجهول الذي ينتظرنا, وما هو المصير المحتوم الذي ينتظر الرجل المسن, وهل مصيره فعلا محتوم ام انه يستطيع ان يغير فيه, خاصة وان هناك مسنا " شقيا " مثل " بوكا ". فهل تسعفه افكاره في التخلص من مصيره المحتوم !

 

مسرحية " قصة خريف " قصة ممتعة تكشف الغطاء عن قضية رئيسية مركزية ومؤلمة من قضايا حياتنا التي نحاول الهروب من مواجهتها,  وتثير اسئلة تستدعي الكثير من التفكير والمراجعة والمصارحة.

 

استطاع مسرح الميدان, من خلال اختياره الموفق لقصة المسرحيه واسناد ادوارها لممثلين بارزين وناجحين, من ان يقدم عملا ابداعيا رائعا يضاف بكل فخر الى مجموعة الاعمال الابداعية الراقية التي يقدمها دائما.   

 

يشارك مسرح الميدان في شهر تشرين الثاني القادم بمهرجان قرطاج في تونس, وسيعرض مسرحية " قصة خريف " امام الجمهور التونسي ,

ما لا شك فيه ان الجمهور التونسي سيستمتع بمشاهدته لهذه المسرحية كما استمتع الجمهور الذي شاهدها على خشبة مسرح الميدان, حيث وقف طويلا وهو يصفق للعمل والاداء الرائعين.          

  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز