علي طالب
alitalib27@yahoo.com
Blog Contributor since:
22 January 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الشعوبيون ج 4

 

نبدأ فيما انتهينا إليه في الجزء السابق: القوميين الناصريين و البعثيين و التقدميين(الشيوعيين)

  لقد تربع جمال عبد الناصر على عرش الحركة القومية العربية بلا منازع طيلة فترة حكمه الممتدة من بداية خمسينيات القرن الماضي حتى وفاته عام 1970 , و هنا لا نريد الخوض في إرهاصات بداية الحركة القومية العربية أو صعود الأسس القومية لتشكيل الدول على حساب أسس الفكر الشمولي , سواء أكان ديني أو فلسفي فهذه مسألة أخرى , وما يعنينا هنا هو سرد بعض فصوص(من فص , أي اسم الصوت الناتج عن فعل التظريط) التجربة الناصرية التي كان فيها تشويش على الذات القومية لهذه التجربة ,فعبد الناصر كشخص كان و مازال صاحب الصورة الوحيدة التي لا أمل من التحديق فيها , و يشعرني بكل معاني الكرامة و العزة و الانسجام العقلي و النفسي

الفص أو الظرطة الأولى(الروح الإقليمية المصرية)

هنا أبدأ بأجمل ما قيل في عبد الناصر من رثاء و هو رثاء الشاعر أحمد فؤاد نجم له و هو الذي قضى وقتاً طويلاً في سجون النظام الناصري أقتبس منه :

وإحنا نبينا كده .. من ضلعنا نابت .. لا من سماهم وقع .. ولا من مرا شابت .. ولا انخسف له القمر .. ولا النجوم غابت .. أبوه .. صعيدي وفهم .. قام طلعه ضابط .. ضبط .. على قدنا .. وع المزاج ظابط .. فاجومي من جنسنا .. مالوش مرا عابت .. فلاح .. قليل الحيا .. إذا الكلاب سابت .. ولا يطاطيش للعدا .. مهما السهام صابت .. عمل حاجات معجزه .. وحاجات كتير خابت .. وعاش ومات وسطنا .. على طبعنا ثابت .. وإن كان جرح قلبنا .. كل الجراح طابت .. ولا يطولوه العدا .. مهما الأمور جابت

في الجزء الملون بالأحمر من القصيدة تكمن الضرطة المزدوجة(المقارنة بين نبينا و أنبياءهم,من نحن و من هم؟؟!!), مع ان القصيدة تصلح لوصف جميع رجال الأمة العربية العظام بمن فيهم الأنبياء , إلا ان نجم وضع النبي (المصري) الصعيدي الفلاح الفاجومي(عبد الناصر) مقابل الأساطير و التحريفات التي تقال عن النبي اليهودي(موسى) و الفاتيكاني(عيسى) و السعودي(محمد) ,فوحي الكلام هنا أن نجم لم يكن يرفض أساطير الأولين أي كان مصدرها كما يظنها, بل يرفض أساطير أوّلي أقوام أخرى غير قومه..كان على نجم ان يضيف إلى الصفات التي ألصقها بعبد الناصر صفة العربي ,فناصر إن شئنا أم أبينا كان من ضلع جميع العرب نابت و ليس من ضلع سكان الإقليم المصري كما يوحي نجم و كان من الأولى أن يتم جمعه مع الآخرين و ليس فصله عنهم (اللهم إلاّ إذا كان الفصل هو بين الدين و الدنيا نظراً لشيوعية نجم و لكن الذي حصل ان الفصل بين الدين و الدنيا يبدو كقناع ارتداه نجم ليغطي به عورة إقليميته المقيته)

 عروبة عبد الناصر ستجعل من أساطير الأولين ( عيسى كلمة الله السماوية و انخساف القمر لمولد محمد و زوجة زكريا التي انجبت بعد ان بلغت من الكبر عتيا)أساطير قومه نفسه و تاريخه و حضارته(هذا لو اتفقنا مع سيادته على نظرته للأنبياء), و لا بد من الإشارة هنا انه و كما ان عبد الناصر لم ينخسف القمر لمولده و لم تغب النجوم , فكذلك محمد و غيره من الأنبياء فهم كما قال الله فيهم(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف : 110] ... وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء : 34] ... أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ [يونس : 2] ... قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم : 11] ... فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود : 27] ... وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان : 20])... فجميع الأنبياء كانوا من أضلاع الفتات المندمج في العروبة نابتين كما عبد الناصر, فاجوميين و صعايده و فلاحين و رعاة  في أزمانهم و كانوا أعزة و كرام النفوس و على مكارم الأخلاق و مقاومين لكل ظلم و استغلال و قهر سواء أكان داخلياً أم خارجياً,على الرغم من كل الهرطقات و الخرافات التي يلصقها بهم اتباعهم

و لكن خلفية نجم الشيوعية التي سنأتي لها لاحقاً في إطار معاداة الشيوعيين للدين و العروبة, دفعته لرسم الصورة أعلاه و التي كانت ستكون أجمل صورة ترسم لعبد الناصر لو أضيف لها سمة العربي و لو تم استعمال صفة النبوة فيها للتعظيم الرمزي و ليس كبديل أو مقارنة فعلية بأنبياء آخرين , فعبد الناصر نفسه لم يدعي النبوة و  إنما كان عربياً مسلماً ملتزماً... من هنا فإن هذه الروح الإقليمية المصرية و اللادينية الشيوعية التي ارتكز عليها نجم و التي كانت تتخلل وجدان حتى القوميين المصريين ساهمت في أن يستغلها الإقليميون السوريون و السعوديون وحواشيهم في كل الأقاليم العربية في محاربة المد الناصري,فأحد المرتكزات التي ارتكز عليها الانقلابيون السوريون في فصل الوحدة المصرية السورية هو سيطرة الضباط (المصريين؟؟) على السوريين و معاملتهم المُذلة للأخيرين(كما تم الإدعاء)؟؟, و هذا العذر مقولة حق أريد بها باطل إن وجدت, فأي سوريين و أي مصريين في مفهوم الدولة الواحدة ؟؟ و الجيش الواحد؟؟ و لماذا لم ينقل ضباط سوريين لقيادة وحدات مصريه و لم تدمج العناصر السورية و المصرية في مختلف قطاعات الجيش المتحد؟؟, و هذا يذكرني بصراع المهاجرين و الأنصار و قريش و غيرها من القبائل بعد وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام و هي أقرب لقول الأعرابي لمسيلمة الكذاب(والله إني لأعلم أنك كذَّاب، وأعلم أن محمدًا صادقٌ، ولكن كذابُ ربيعة أحبُ إليَّ من صادق مضر. . عن ويكيبيديا)فهنا أيضاً كان عبد الناصر صادقاً و لكنه ينتمي لمضر  و كان الانقلابيون كاذبين و لكنهم ينتمون لربيعة, وديدن الأعرابي صاحب القول هو ديدن من تبع الإنقلابيين , إذن هو صراع معاوية و علي و بني أمية و بني هاشم و العباس و الوجه القبلي و الوجه البحري أو اليماني أو الحضرمي أو الإسكندراني أو الأسواني و أتباع الله أو بعل أو رع أو ايل أو نون

 أعتقد ان هذه الروح الإقليمية المصرية هي نفسها التي كانت الشماعة التي تعلق بها أهل الشام و لبنان في ثورتهم على جيوش محمد علي (بدعم من المستعمرين الأتراك و الفرنسيين و الإنجليز , طبعاً) و هنا أعتقد أن جمال عبد الناصر كان ينقصه القليل من دكتاتورية صدام حسين أو أبو بكر الصديق في التعامل مع غيره من الإقليميات و القبائل العربية, فالدكتاتورية أو لنقل الحسم و عدم المساومة كانت مطلوبة دائماً في ترسيخ الجذور و الأساسيات عند توحيد فتات مكونات جميع أمم الأرض فما بالكم و هناك قوى خارجية تتلاعب بهذه النزعات الانفصالية كما يحدث اليوم في العراق و مجمل عالمنا العربي..

 و بعد الضرطة الإقليمية التي شابت التجربة الناصرية كان هناك ضرطة ثانيه و هي وضع القومية في كفة و الدين و على رأسه الدين الإسلامي في كفة أخرى, فمن المفهوم تماماً ان تكون الناصرية مناقضة للدين السعودي المرتهن للمستعمرين و أذنابهم بحكم كون مصالحها و مصالح أمتها العربية متناقضة لا بل متعاكسة مع مصالح المستعمرين و أذنابهم كآل سعود, و لكن ان يترك الدين أداة طيعة ليستعمله المستعمر في حربه الشيطانية الغير دينية فهذا فيه الكثير من ضيق الأفق, فعبد الناصر أولى بالإسلام من نابليون الذي اعتمر العمة الإسلامية للخديعة, و هو ما كان سيكون مخادعاً كذلك الغازي المستعمر , فهو و معظم مريديه و مؤيديه بالمحصلة مسلمين حقيقيين و الدين الإسلامي جزء من تركيبتهم الروحية و الحضارية, لذلك كان على الناصريين ان يكونوا دعاة التجديد الحقيقي في الإسلام و تطهيره من خرافات و زندقات و اجتهادات رجال دين التخريف و دنيا الإستعمار , و خصوصا أكليروس المصالح النابليونية الأجنبية أو شيوخ العصبيات القبلية و سلاطينهم القبليين أو شيوخ الكروش المنتفخة مما يتفاعل فيها من فساء مصدره موائد التجار و الإقطاعيين و حتى شيوخ المقابر الذين يكشف العلم بنوره حالتهم الدودية المُعتاشة على جثث المدفونين...و ما ينطبق على الإسلام هنا ينطبق على غيره من الأديان

أما الضرطة الثالثة المتفرعة عن الضرطة الأولى لأصحاب التجربة الناصرية فكانت اللعب في الملعب السايكس بيكوي, فبدلاً من محاربة ما يسمىّ بالشرعية الدولية المرتكزة على شرعية تقسيمات اتفاقيات قوى الإستعمار للوطن العربي , فلقد تم ترسيخ و تقوية البديل الاستعماري للوحدة العربية و هو جامعة الدول العربية بحجة استغلالها كأداة على طريق تحقيق الوحدة الحقيقية , فشرعية الدول(المكتسبة من تشريعات الإستعمار) الغير شرعية و التي تتشكل منها الجامعة منعت التيار الناصري من تشكيل امتداد سياسي حزبي له في جميع الأقاليم العربية و اكتفى بالالتفاف العفوي لجماهير الأمة حوله مما ترك فراغاً في هذه الأقاليم تملأه أحزاب تتعاكس مصالح القائمين عليها مع مصلحة التيار الوحدوي العروبي المتمثل بالتيار الناصري و قد عملت على تحطيم التجربة الناصرية في العلن كما فعل الإخوان المسلمون أو في الخفاء كما هو دور حزب البعث و هنا بقي الجمع من جامعة مجرد قناع يخفي خلفه الجوهر المتمثل  بالتفرقة  في لفظة دول و على رأسها الدولة المصرية,

أما أكبر خطيئة ارتكبتها الناصرية فهي أقلمة فلسطين,فعلى الرغم من حسن النوايا التي لا أشكّك بها و التي دفعت عبد الناصر لإنشاء منظمة التحرير و دفعه لتطعيم بنود الميثاق الوطني الفلسطيني بالنفس الإقليمي الفلسطيني  بحيث يعيد قضية فلسطين لسكانها العرب الفلسطينيين و يكف يد نظام كلوب باشا الأردني و غيره من أذناب المستعمرين عن لعب الدور المرسوم لهم في إتمام عملية إقامة الوطن الصهيوني ؟!إلاّ ان ذلك كان عبارة عن محاربة الخطأ بالخطيئة, و ما يجري حالياً في فلسطين خير إثبات على ما أقول... على أية حال سيتم التطرق للموضوع بشكل أكثر تفصيلاً عندما يتم مناقشة دور الوطنيين أو الإقليميين في التظريط على ضفاف العروبة

 فإلى اللقاء في الجزء القادم







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز