بوأنس معتصم
abdelwadi@hotmail.fr
Blog Contributor since:
27 May 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الفنتازيا السياسية والتسلط

 

   الفنتازيا السياسية هي مجموعة الأقوال والأفعال التي تميز سياسي عن آخر فيما يحفظ النظام، ويعزز مكانته عند المحكومين ويحفظ حقوقهم من الضياع. هي تلك الجرأة والضربة القاسمة التي تحقق العدالة والمساواة في أحسن صورها. هي مجموعة مواقف تأتي بعد عمليات الاستعلام والملاحظة والملاحقة والتتبع لكافة مكونات مجتمع ما، يتخذها المسئول لوضع حد للمتناقضات والاختلالات والفوضى التي تتفشى في جسم مجتمع مريض.

     هناك فنتازيا الفرسان فوق الخيول العربية، والمشهورة بدول المغرب العربي . هناك إذن  فارس يرتدي أجود ثيابه المعطرة ، وهناك الحصان المزين بأحلى سرج ، وهناك البندقية المرصعة بقطع من فضة ، تناغم وجاذبية . العناصر الثلاثة هي إحدى مكونات " فرقة الفنتازيا " التي تلعب لعبتها المفضلة تحت إمرة قائد محنك ، لا كلمة ترتفع فوق كلمته ، طاعته متفق عليها بالتوافق لكي تسير موجة الخيول وهي تقطع حلبة السباق في رونق وجمالية تأخذ بلب الأبصار والأفكار. ما إن يخرج فارس عن نظام المجموعة إلا ويتدخل " قائد مجموعة الفرسان" ليعيده للصواب .

    تمثل  فنتازيا  الفرسان والخيول العربية هاته بنية مكونة من عدة عناصر مختلفة ( إنسان ، حيوان وجماد ) لكنها متناسقة الحركة وتأذي نفس الهدف ألا هو الفرجة التي تعني إسعاد الإنسان.وفنتازيا السياسة لا تختلف كثيرا عن فنتازيا الفرسان في شيء . هناك قائد سياسي يقابل قائد فرسان الفنتازيا ولهما نفس الهدف ألا وهو تسيير موجة " المأمرين " لتحقيق الغاية التي يتفق عليها الجميع. قائد الفرسان حصل اختياره بالتوافق والقائد السياسي حصل على منصبه عبر انتخابات بالتوافق. لكن متى يعتبر القائد السياسي يمارس فنتازيا سياسية ومتى يعتبر متسلطا ؟ فمن هذا المنطلق نفهم أن الفنتازيا السياسية ليست هي التسلط . وإنما ردود أفعال وتدخلات ومشاركات ومساهمات وتوجيهات القائد السياسي لكافة " المأمرين" بأداء مهمة ما داخل المجتمع  وحتى  تنجز تلك المهام على أحسن صورة .والتاريخ يسجل بأن هناك قواد سياسيون مارسوا مهامهم بفنتازيا . فهم قبلوا أن يسيروا بلدا ، والبلد قبل أن يستمع وينضبط وإلا عمت الفوضى وخرج القطار عن مصاره ليعبر صحراء المافيات والمخربين وأصحاب الفضائح الكبرى والصغرى .

      ففي فنتازيا الفرسان لا تتحرك الخيول إلا تحت إشارة " قائد الفرقة الفارس" فهل إشارة رئيس الوزراء الروسي بوتين - بوحه الصادم وعدم غض الطرف كما يفعل الكثيرون- من خلال تصريحاته التي انتقد فيها تقاعس أجهزة النيابة العامة للبدء في التعامل مع أصحاب ملفات التهرب الضريبي على نحو يذكر بما حدث للمليارديرين اليهوديين  فلاديمير جوسينسكي رئيس المؤتمر اليهودي الروسي وميخائيل خودروكوفسكي صاحب مؤسسة  "يوكوس" النفطية والقابع اليوم في سجون سيبيريا، تعتبر من قبيل الفنتازيا السياسية والتي هي دائما ذات الهدف النبيل الذي ينشد المصلحة العامة فقط ؟ فبوتين الرئيس السابق لجهاز الأمن والمخابرات ملم بكافة الملفات قال :<< إن هناك في إحدى أسواق موسكو بضائع مهربة تبلغ قيمتها ما يقرب من ملياري دولار ، وتسائل حول التحريات التي لابد أن تنذر بالسجون ....فأين هي السجون ؟ >> مباشرة أعلنت لجنة التحقيقات التابعة للنيابة العامة عن فتح ملف التحقيق في قضية شركة "أ.س.ت" وهي الشركة الأم لمجموعة شركات تيلمان إسماعيلوف . وكما أشرت التحقيقات المبدئية عن وجود بضائع غير مناسبى للإستهلاك الآدمي وملابس أطفال غير مطابقة للمواصفات الصحية في مخازن " تشيركيزوفو " في موسكو.(المصدر:ش.أ).هي هكذا تسير الأمور في الحياة، فمنصب القائد يجب ألا يحتله إلا القائد الحقيقي المستيقظ دائما والملم بكل شادة وفادة لأنه يسيطر على كل النوافذ وبيديه كل الوسائل والأدوات.في المسجد مثلا يلاحظ الكثيرون أن الإمام له تقدير خاص عد المصلين، فبدخوله تستقيم الصفوف ، وينتبه الجميع ويفعلون ما يؤمرون  به طوعا لا تضيقا وتسلطا.عدة مرات لاحظت شخصيا أنه قبل دخول " الإمام" يكون الناس جالسين كيف يحلو لهم ، لكن بدخوله مباشرة  يأمرهم بملء الصفوف الأولى فيفعلون ذلك وكأنهم ينتظرون دائما بأن يكون هناك من يتتبع وضعيا تهم  فيصححها( الناس محتاجون بالفطرة لمن يرعاهم ويسدد خطاهم). مثل ذلك في السياسة لابد من شخص يتقن فن الفنتازيا السياسية ( سياسة القرب). ما يقوم به أوباما اليوم من تغيير هو ضمن هذا الفن الذي يسعى إلى تحسين الوضعيات وليس انتكاستها.أوباما يصول ويجول " كالفارس"بين القارات ليبلغ للناس مراده وأفكاره ويدعوهم بفنه ، بوعوده، بنصائحه لما هو خير لهم .لا يخشى قول الحقيقة ولو بين الخصمان.

     والفنتازيا هي عكس التسلط تماما ،فإذا كانت الفنتازيا الفرسان تمتع الناظر فإن فنتازيا السياسة تمتع المتتبع وتستحوذ على رضائه . فتدخلات القائد السياسي تأتي متناغمة مع ما يلاحظه المواطن العادي على الواقع تماما لأن القائد السياسي لسيق بالواقع ويعرف خباياه ، فيصف الدواء اللائق في الوقت والمكان المناسبين .أما المتسلط فهو في برجه العاجي لا يعرف من هموم شعبه إلا ما فاض وقت النزاعات والقلاقل والفيضانات والزلازل . فلا يجرؤ على مقابلة مواطنيه إلا من وراء حجاب لأنه يذرك بأنه مغتصب للسلطة . حاجات الناس ضائعة لأن الأمر تسند لغير أهلها . فالمتسلطون لم يخل منهم أي مكان وهمهم إشباع الذات بالملذات، والمال والنساء وسيلتهم للتنعم، والحراس والأحباس أدواتهم لقمع الملاحظ والمعارض وداعية الحق.

    الفرق بيننا كعرب وبين الغرب هو في فنتازيا السياسة ، هم يجعلون السياسة سهلة في متناول من يستحق، ونحن نجعلها معقدة غير مفهومة . فنتازيا السياسة الغرب ممتعة وكما هي فنتازيا الفرسان ، أما فنتازيا العرب فمملة يضيع في ظلامها المجدون . فنتازيا الغرب بنية تتكامل كل مكوناتها ، وفنتازيا سياستنا متنافرة المكونات ،لا علاقة بين الوزارات وكل وزير مهتم بقطاعه فقط ، لا تشارك في بناء التنمية. عندما تكون تعمل في قطاع الداخلية فلا علاقة لك بقطاع الفلاحة وكأنك تعمل في نظام آخر في بلاد آخر. فكل وزارة لها نظامها وليس هناك تكامل وخطة شمولية من أجل بناء وطن وإنقاذ أجيال من الضياع. مثل هذه الوضعيات غريبة عن فنتازيا السياسة والتي تعني فيما تعنيه التناغم بين كل مكونات "محرك=مجتمع" والذي يتحكم القائد الملهم في مفتاحه. فتصورو معي فنتازيا الفرسان حيث الخيول تقطع المسافات في تناغم وبين فنتازيا سياسية حيث تقطع كل مكونات مجتمع مسافات التنمية في تناسق ما أحلى ذلك المنظر!!!

      ففي دول عدة عربية " لا "  فنتازيا سياسية ، هناك شبه غياب للقائد السياسي على أرض" الواقع " الذي خربته الفئران وأتت على الأخضر واليابس فيه ،كل اللجن والقائمين على حفظ الحقوق في سكون.وكأن البلد استسلم لقطاع الطرق الذين استغلوا مهادنة القائد وتراجعه عن فضح ما يجب فضحه . ففنتازيا الفرسان تلعب على الميدان ومثل هذا القائد فضل أن يلعب من وراء ستار، سياسية لا  " تشبع " الجمهور و لا تعبر عن ما يريد . أما فنتازيا السياسة  الحقيقية فيمكن ملاحظتها في حركات القائد  السياسي وكأنه قائد فرقة موسيقية وهي تعزف إحدى قطع موزار . بنية واحدة ، قائد واحد ومشتغلون في وحدة وتوحد ،  كل يؤدي دوره كاملا غير منقوص وفي انسجام مع الآخرين.أما التسلط أو الضعف فلا ينتجان إلا الفوضى وتعدد القيادات والمتدخلين حيث كل يغني على ليلاه . هناك تجمع بشري ولكن لا وجود لمجتمع كما يُعَرفْ.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز