بوأنس معتصم
abdelwadi@hotmail.fr
Blog Contributor since:
27 May 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الخطأ السياسي

 لماذا لا نتقبل خطأ الآخرين ؟ من منا لم يخطأ في يوم من الأيام؟ وهل الخطأ علامة جهل تام ، أم مؤشر عن سوء بناء المعرفة؟ هل الخطأ التربوي له نفس قيمة الخطأ السياسي ؟

يقول " بياجيه ": إن الخطأ شرط التعلم . وبياجيه هذا هو المشهور بنظريته في النمو المعرفي والتي جعلت منه واحدا من أهم المؤثرين في علم النفس المعاصر. والتي تقول بإيجاز شديد : إن الإنسان لا يستجيب للمؤثرات التي يتلقاها ( ردود أفعال ) فحسب وإنما يتلقى المؤثرات ثم يحللها ويفسرها ويؤولها إلى أشكال معرفية جديدة ، ويحولها استنادا للخبرات السابقة  الموجودة في مخزون الذاكرة . الإنسان لا ينطلق إذن من فراغ، واستجاباته لا تأتي دون استعمال آلة التفكير. فالإنسان يمكن له أن يفكر ويخطط ويقرر بناء على ما يتذكره . نوع التفكير، طريقة بناء المخزون المعرفي ، آليات وأدوات استعماله هي التي تخلق الإختلاف بين الناس. هناك مشكلة مثلا اجتماعية أو سياسية طلب من أشخاص إيجاد حل لها، فدون شك سيكون هناك أكثر من رأي، وأكثر من فكرة مبنية انطلاقا من منظور معين . من بين الاقتراحات من المحتمل أن تكون أجوبة خاطئة . ومن أجل ذلك الإنسان إما متوفق أو غير موفق .

       في الميدان التربوي ينظر للخطأ على أنه مرحلة تعلمية تأتي ليس بالضرورة بعد عملية المحاولة . فالتجربة  هي أذاة الوصول إلى الحقيقة . ومن تم أن يخطأ المتعلم هو راجع إما لسوء استعمال المخزون المعرفي، إن كان أصلا مبنيا بناء صحيحا وإلا  فوجود تشويش ما أو ارتباك  يجعل المعرفة مضطربة محتاجة  للتدقيق والمراجعة والبناء الصحيح . فمن الأخطاء يتعلم الناس وهم في سن التعلم . فهل من يمارس السياسة  - وهو راشد مسؤول - مسموح له بالخطأ كمن يتعلم؟ لاشك أن من يعلم الناس (الأستاذ) ،لا يسمح له بالخطأ ، ولقد شُبهَ في القديم بالرسول ( كاد المعلم أن يكون رسولا) . أي أنه مطالب عن الكشف وتعليم الناس المعرفة الصحيحة . الرسل منزهة عن ارتكاب الأخطاء الرائجة . عليهم أن يحافظوا على صفة الكمال في أعين الناس، وإذا ما اهتزت تلك الثقة ، فسيصبح من العسير الإقبال على المعرفة والحكمة التي ينشرونها ويعلمونها للناس كعلوم  وقيم.

    مثل الأستاذ الذي عليه ألا يخطأ أمام طلبته كمثل السياسي الذي عليه ألا يخطأ أمام أتباعه وغيرهم من الأمة الذين هم في علاقة سياسية معه  . الفرق بين الخطأ التربوي والخطا السياسي هو أن الخطأ التربوي يهم فردا أو مجموعة من الأفراد ،بينما الخطأ السياسي قد يصيب أمة بكاملها ويلحق بها الضرر الذي لا يعوض. وما القلاقل والحروب والمجاعات والأمراض والاضطهاد والتسلط وغيرها إلا أخطاء سياسية تبثت في سجل التاريخ واقترفها سياسيون بسوء التقدير أو بالجهل التام بالعواقب . ولنأخذ أمثلة معاصرة على ذلك  نجدها في الحرب الأمريكية – العراقية ، وهي حرب دخلت إليها أمريكا انطلاقا من قرار سياسي بناء على معرفة خاطئة استخباراتية ، ونتائجها معروفة من غير اللازم التذكير بها . الحرب العراقية – الإيرانية كذلك بقرار سياسي ، كانت نتائجها جد وخيمة على الشعبين العراقي والإيراني. الحرب الصومالية – الصومالية والحرب الصومالية الإثيوبية. الحرب الأهلية اللبنانية ، القلاقل في السودان ، القلاقل في اليمن، الحرب في القوقاز، الحرب الجورجية – الروسية . تدخل ليبيا والجزائر في حرب الصحراء. القلاقل في ساحل العاج . القلاقل في الكونغو . الحروب الإسرائلية – العربية . القلاقل في باكستان . الحرب في أفغانستان. اضطرابات موريتانيا . كل هذه الوضعيات السياسية ناتجة عن سوء تقدير أو سوء فهم من أحد طرفي أي صراع ، والضحية دائما الأبرياء من الناس الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما حدث أوسيحدث . لكن إلى ماذا تعود مثل تلك الأخطاء التي جرت هنا أو هناك من طرف سياسيين ؟ دون شك إلى غياب النهج الديموقراطي ، وغياب التطبيق السليم لحقوق الإنسان ، والتراجع عن استشارة المواطن ، وإغفال من طرف أو آخر ما يقوله القانون الدولي لحل النزاعات ، وغياب ثقافة الحوار، العنجهية الزائدة ، والمطامع الزائدة ،والإعتقاد بالفوقية وتنزيه النفس بلا حدود .

     هناك شعب استوعب دروسه جيدا ،فتراجعت هفواته وأخطاؤه السياسية للصفر ، أجده في اليابان الذي منذ تلقيه القنبلتين الذريتين من أمريكا ، عكف على الإقتصاد ، وعلى تكوين الإنسان التكوين الصحيح ، لجعله ينعم بالرفاه والعيش السعيد . ولقد استخلص الساسة اليابانيون العبر مما سبق ، وتحولوا إلى شعب منتج ،يعشق السلم ويتجنب الخوض في المخاطر بارتكاب أخطاء سياسية تجلب الألم ،وتنتج التراجع والركوض.

  فهل للسياسي الحق بأن يجد عذره في : " مرغم أخاك لا بطل "؟ وهو يأخذ موقفا سياسيا يضر بالناس، لكن في المقابل يحقق انتصارا سياسيا ما، ليدعم النظام على حساب سعادة الشعب وأمنه؟ هذا يدخلنا إلى طرح السؤال هل من حق رجل السياسة أن يدخل بلده حربا  أو يزرع فيها قلاقل ، أو يفرض اختيارات شادة  أو ينفرد بتوجهات خاصة دون الرجوع إلى الشعب ؟  هناك زعماء يفرضون الاختيارات ، وهناك آخرون يفرضون الحرب علىالشعوب لأن كل واحد منهم يفسر الدستور أو القانون الدولي حسب مصالحه.كما أن هناك نشطاء في صراع مع زعماء لأن كل واحد  منهم يرى في نفسه الأجدر والقادر على جلب السعادة للناس . وكثيرا ما يكون بعد التغيير لا تغيير.

    وإذا كانت السياسة هي فن حسن إدارة شؤون الأمة وحسن تدبير احتياجاتها وحاجاتها. فتفشي الفقر ، و الأمية ، وانتشار الأمراض الإجتماعية ، وتححل النظم الثقافية ،علامة سوداء ومؤشر على وجود أخطاء سياسية لن تصحح طبعا بتغيير الحكومات أو الرؤساء ،ولكن بالتعلم الصحيح والعلم اليقين ،وفي حسن اختيار الميكانزمات الصحيحة والفعالة لحسن إدارة مخزون  الذاكرة ، وإعمال العقل ،  والإعتماد على المنطق وحسن قراءة الواقع ، وحسن التحكم في المتغيرات ، وحسن تحليل المعطيات والتوقعات . وإذا كانت استجابات الناس تتجدد على ضوء التغيير في شمولتيه والوضعيات المتجددة الكونية،فمن المنطقي أن تتغير السياسات كذلك لخلق عالم آمن يكون فيه الإنسان في مؤمن من المفاجئات العديدة ، والتي كثيرا ما يخلقها سياسيون بقصد أو دون قصد يكون من آثارها المزيد من البؤس والدمار والتشرد .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز