بوأنس معتصم
abdelwadi@hotmail.fr
Blog Contributor since:
27 May 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الشذوذ السياسي

           

        يعرف الشذوذ على أنه " الخروج عن القاعدة والمألوف " ومخالفته المعروف وما وقع عليه الإجماع . وللشذوذ أكثر من دلالة يبرزها السياق الذي استعملت فيه الكلمة . كأن يقال : شخص شاذ ، موقف شاذ ، حديث شاذ ، قول شاذ ، سلوك شاذ  ، إلخ...  والشذوذ ببساطة شديدة هي ظهور الفعل أو القول بمظهر فريد ، غريب ووحيد بين الناس .والشذوذ يعبر بشكل أو آخر عن محاولة انفلات وتحرر، وتمرد عن القواعد المقيدة للسلوك البشري الظاهر منه والباطن والذي يراد به تحقيق الحاجات والدوافع والغايات .

       وإذا كان السياسي النزيه يبني مواقفه وقراراته وتصوراته بحرية على ما يستنتجه من المواقف ، وما يسمح به القانون ، فتلقى قراراته الترحاب من لدن الجميع،  لأنه ملتزم لا يتنازل عن مبادئه السياسية ويتحول مثلا ، من اشتراكي إلى ليبيرالي  بين ليلة وضحاها، وأينما تتجه الرياح يتبعها ، لا هو بالثوري، ولا بالمحافظ . و التاريخ  سجل بحبر من ذهب عمل النزهاء، الوطنيين من الزعماء والحكام واللذين لم يخرجوا يوما على الأمة بقرار شاذ  يضع الأمة في مهب الريح . يستفز معارضيه ويزرع الظن في صفوف مناصريه، كما سجل  بمداد من دم من كان شاذا سياسيا فأعطى لنفسه الحق بحكم الناس  " بالهوى " إرضاء لنزواته ، وتحقيقا لرغبات البطانة التي  كانت تستخف بشعور ورغبات  الناس، فأغرق نفسه ومن كان معه.

       ومن الشذوذ السياسي  أيضا حكم الأقلية للأغلبية ، وانفراد جماعة الزعيم بالسلطة  التي يختزل همها  في الأمن ثم الأمن ، وليس  دراسة حاجات الناس الأساسية ومحاولة إشباعها .  لا عيب - عند تلك الجماعة -أن  تأكل الحيتان الكبيرة  الصغيرة، أو تأكل  الحيتان الصغيرة بعضها البعض ، فالأهم هو الاستقرار.  الإستقرار في هذا الإتجاه حاجة النظام ،وإحدى دعائمات استمراريته . 

      في عهد الديكتاتوريات وتسلط الحزب الوحيد، كان من ينادي بالتعددية الحزبية شاذا يسجن فيشنق. واليوم  بعد أن تعددت الأحزاب أصبح الحزب الوحيد  حالة شذوذ سياسية .  نستنتج من ذلك ، بأن الشذوذ لا يرافق الحالة إلا الأبد ،وما هو شاذ بالأمس  ليس بالضرورة أن يكون شاذا اليوم ، فعمليات التحول والتغيير التي تخضع لها المجتمعات بفعل التأثير والتأثر هي وراء قلب دلالة المصطلح . الزواج المثلي  مثلا ،حالة شاذة في المجتمعات العربية لكنها طبيعية في الغرب .هناك إذن إمكانية تحول الشذوذ إلى قاعدة  كلما انتشر  هذا الشذوذ على قاعدة أوسع. ومهمة حراس الأمة ، أي كل من يملك القدرة على فعل شيء داخل مجتمعه  هي حراسة القيم النبيلة حتى لا تغزى بفيروسات شاذة ، قد تتحول إلى سرطانات خبيثة تذهب بما تبقى من ريح الأمة .

    فمن أخطر تلك السرطانات  تفرج  أي"زعيم" على المشهد السياسي في بلده وهو يتحول من سيئ إلى أسوأ، وهو فعل شاذ. وانفراد زمرة المخربين بالناس يشيعون فيهم الفساد بالتزوير و الارتشاء  وشراء الضمائر وقتل الهمم ومحو القيم الحميدة  هو أمر شاذ كذلك لأن " الكثرة " تستنكر ذلك وتسجبه. إنها الأمراض التي تضيع بها المجتمعات وتموت موتا  بطيئا . ومن بين هذه الأمراض شذوذ سياسي آخر " الوهن" الذي أصاب الأحزاب السياسية ، والتي تحولت إلى دكاكين تذر الأرباح على أصاحبها . هَمّ الناس و هَمّ الوطن لا يهمهم من قريب أو بعيد .  ففي محطات تاريخية سابقة ، وبنضالات وتضحيات طالبت الأحزاب بالتعددية الحزبية، فياترى ماذا فعلت بهذه التعددية لما تحققت على أرض الواقع؟   كل شيئ تغير وتغيرت الأولويات ، وأصبحت أولويات الحزب التمثيلية في البرلمان  وفي الوزارات  عوض تأطير  القواعد والإنصات  للجماهير، ونقد  توجهات الحكومات، ورسم الاستراتيجيات والتفكير في التكتيكات لرسم معالم مجتمع عصري، محافظ على قيمه وعقيدته . كل هذه الأمور أصبحت " نوستالجيا سياسية "  تحاول الأحزاب إحياءها  ، لكن لا تستطيع  لأن الأحزاب تراجعت عما وعدت به أنصارها، ولأنها تحولت  إلى طاحونة النظام لا غربال الشعوب.ولأنها استغنت عن كل ماهو ثوري  وسحبت من قاموسها " الإلتزام "بأحد أهم مبادئ الحزب " المواطن الحر داخل الوطن السعيد".  فظاهرة الترحال ، وتغيير اللون الحزبي بين يوم ولا ليلة  ،شذوذ سياسي خطير  ستكون نتائجه على المشهد السياسي وخيمة ، منها :

                         - خلو الأحزاب من عنصري الثقة والأمانة الساسية

                         - فضح  وتعرية تاكتيكات واستراتيجبات الأحزاب

                         - هشاشة بناء الأحزاب نظرا لظرفية العضوية

                         - التفكك الفجائي لخلايا البحوث  بفعل الترحال

                         - ظهور شريحة من السياسيين بلا مبادئ

                         - ظهور  فانتشار سياسة  المصلحة

                          - ضعف الأحزاب وتحويلها إلى نوادي سياسية

                          - تبعيتها المشروطة للنظام( الدعم المالي)

                          - تحويلها من أحزاب نضال إلى أحزاب مصالح

                          - ضعف الحس الوطني فيها وتنامي الحس الفردي

 " أنا وبعدي الطوفان " شعار النواب أو الناخبين الجدد، كل واحد منهم يبحث عن الشجرة التي يستظل بظلها ، كل المبادئ والشعارات الجميلة ، وكل القيم النبيلة من مسؤولية والتزام وحفاظ على الأمانة ونزاهة وشفافية وعدل  أصبحت باهتة .  رؤساء الأحزاب المشعون حيوية  قل نظيرهم  . وبقي فقط المتشبتون بالوجاهة بلا كاريزما . السياسي الذي يتنازل عن  مبادئه بين يوم وليلة وينقلب حيث تنقلب الريح لا يجب أن تعول عليه الأنظمة التي تحترم شعبها ونظامها السياسي . فمن باع انتماءه الحزبي هو مؤهل لبيع انتمائه الوطني كذلك .. فكل  الأفكار والرسائل السياسية  التي تبث بين الفينة والأخرى و تتحدث عن تخليق الحياة العامة  شعارات،أليس  من المفيد أن تتحدث  عن تخليق الحياة السياسية  أولا  ؟ لأن الفساد السياسي هو مدخل لفساد قد  يصيب كل نواحي الحياة .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز