فاروق المصارع
faroukbxl@hotmail.fr
Blog Contributor since:
17 March 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
طارق عزيز واللجوء السياسي في بلجيكا -1

في هذه الأيام تعود بي الذاكرة الى العراق,الى عراق ماقبل الاحتلال الأمريكي,يوم كان العراق عزيزا ويوم كانت بغداد دار السلام,لأقارنها بما يجري اليوم في المشهد العراقي الدامي .بين مواقف رجال الظل الذين أتوا على ظهور الدبابات الأمريكية,وبين مواقف العزة والكرامة لرجال العراق الأبي.وإنطلاقا من إيماننا وشعورنا بالمسؤولية الوطنية,فإننا نكتب الأحداث التي عاصرناها وكنا شاهدين عليها,لتبقى في ذاكرة التاريخ ولتكون الكلمة شاهدا على الحقائق التاريخية. سأتطرق في عدة مقالات قادمة الى أحداث ومبادرات سياسية عاصرتها وكنت طرفا فيها,مع مقارنتها بين عراق الأمس وكيف حاله اليوم.

عاش العراق تحت ظرف إقتصادية قاسية بعد خروجه من الكويت,فرضتها الولايات المتحدة تحت إدارة بوش الأب والإبن,مستخدمين شعار محاربة الإرهاب الدولي ومحاربة القاعده واتهم العراق بامتلاكه وتطويره للأسلحة الكيمياوية وجميع أنواع أسلحة الدمار الشامل. في احدى زياراتي لبغداد,دعيت لغداء عند عائلة سورية,وكانت وجبة الغذاء أكلة سورية اسمها [فريكه بالدجاج] قد هيأتها زوجة الأستاذ طارق عزيز بنفسها,وقالت السيدة أم زياد بأنها وجبتهم المفضلة في البيت,انتابني شعور غريب وأنا أتذوق تلك الوجبة السورية البسيطة التي لااعرفها,وأصغي لأحاديث الذكريات الحلوة التي تحملها عائلة السيد طارق عزيز عن سورية وعن شعبها الكريم,وكيف عاشوا في سورية سنوات النضال السياسي دفاعا عن العراق العربي.ذهبت بي الذاكرة بعيدأ وأنا أصغي لأحاديث السيدة أم زياد وبساطتها,فهي تذكرني كإنسان أمضى حياته في أوربا ,بدور المرأة العربية في بيتها وفي تربية أطفالها,المرأة العربية التي تحمل في قلبها حب الوطن والأهل من خلال من خلال تكريس حياتها لتربية أولادها.

ذهبت بي الذكريات بعيدا وأنا أرى صورة السيد طارق عزيز السياسية,صورة ذلك السياسي الذي كرس حياته للدفاع عن العراق الذي يؤمن به,وعمل من أجل رفع مكانته بين الأمم.سألتني السيدة أم زياد عن الحصار والحملة الأمريكية وكيف ستنتهي الامور,فقلت لها بصراحة أن أمريكا قادمة لإحتلال العراق,وأن السيد طارق عزيز والرئيس صدام حسين سيذهبوا الى لاهاي,وسيكونوا بجانب الرئيس الصربي سلوبودان ميلوزوفيتش في محكمة العدل الدولية,وشرحت تفاصيل المخطط الأمريكي لإحتلال العراق,وأبعاد الحملة التي تقودها إدارة بوش وحكومته منذ عدة سنوات,وكيف فرضت على الأمم المتحدة والعالم حق التفويض الدولي بالإعتداء على أفغانستان والعراق وشن الحروب عليهم .كيف تفرض إدارة بوش حقها السيادي في محاربة الإرهاب الإسلامي المتطرف ومطاردة عناصر القاعدة في كل مكان في العالم. في اليوم التالي اتصلت السيدة أم زياد لتسأل مرتبكة وقلقة إن كنت جادا في كلامي,فأكدت لها قناعتي بما ذكرت لها. حين عدت الى بلجيكا,اتصلت ببعض المسؤولين عن اللجوء السياسي وطلبت منهم امكانية طلب اللجوء السياسي للسيد طارق عزيز وعائلته في بلجيكا,خاصة وأن السيد طارق عزيز لديه علاقات متينة وجيدة مع وزير الخارجية ومع جميع المسؤولين في الأحزاب وفي الحكومة البلجيكية,ويتمتع بسمعة سياسية جيدة وشخصية عالمية معروفه.

 تم الإتفاق على أن يوافق الأستاذ طارق عزيز وأن يتقدم بالطلب أو الموافقة الشفهية على حق اللجوء السياسي في بلجيكا,بعد أن شرحت لهم قلقي من احتلال أمريكا للعراق,وهكذا يكون لبلجيكا الحق في المطالبة بالسيد طارق عزيز وعائلته,وحمايتهم كلاجئين سياسيين,خاصة وأن بلجيكا وفرنسا كانتا من الدول الأوربية التي وقفت ضد التدخل الأمريكي في العراق. عدت الى العراق قبل فترة قصيرة من إندلاع الحرب,وعرضت على السيدة أم زياد أن تطلب من السيد طارق عزيز قبول فكرة طلب اللجوء السياسي في بلجيكا,وأن هذا من باب الخوف على مستقبل ذلك الزعيم الساسي العربي,ولاتوجد أية التزامات سياسية أو قانونية. ترددت السيدة أم زياد وامتنعت,لكنها نتيجة لإصراري وحرصي على مستقبلهم ,طلبت مني أن أصارح السيد طارق عزيز بنفسي. ترددت في ذلك لأنني لاأريد أن يكون هناك تأثير شخصي,ولقناعتي التامة بأن السيد طارق عزيز لن يقبل الفكرة ولا حتى مناقشة الموضوع,لأن ذلك يتنافى مع مبادئه القومية ومعتقداته السياسية وولائه للعراق,كنت متأكدا أن السيد طارق عزيز كبقية أعضاء القيادة العراقية ,لايمكن لهم أن يفكروا ولاحتى أن يقبلوا بمثل هذه الأفكار,وهذا ماحدث بالفعل وتلقيت الرفض القاطع . عشت تلك الأيام التاريخية في حياة العراق العربي الصامد,وكنت أشعر بالفخر والإعتزاز للمعنويات القوية لدى الشعب العراقي,وإيمانه الشديد في الدفاع عن وطنه وكرامته.كنا نتجول في بغداد ونعيش اللحظات الحاسمه في تاريخ العراق.

 كنت أتنقل مع أصدقائي الصحفيين البلجيك والفرنسيين والإيطاليين والإسبان الذين جاؤوا لتغطية أحداث الحرب القادمة على الأبواب,وفي الليل نجتمع سوية ونتناقش في المستقبل المجهول الذي ينتظرونا,لقد نويت أن أعيش الحرب مع الشعب العراقي وأشاركه كما شاركته في جميع حروبه السابقه . كنا نتجول ونتمشى في شوارع بغداد ونشاهد التحصينات والإستعدادات لإستقبال الحرب,وعشنا اللحظات الأخيرة والمناقشات الساخنة بعد خطاب الرئيس بوش ومهلة اليومين أمام الحكومة العراقية وأمام الرئيس صدام حسين,وسمعنا بزيارة سرية خاصة قام بها المبعوث الروسي السيد بريماكوف والتي لم تذكر حتى الأن وتسربت الينا أخبار لاندري صحتها ولا نستطيع التكلم عنها الأن . في اليوم الأخير من حياة العراق الحر, يوم الثامن عشر من أذار عام 2003 ,جاءت ثلاثة سيارات [ جيمسي]الى شارع حيفا تبحث عني ,وفيها طاقم التلفزيون اللكسمبورغي والبلجيكي,الفرنسي والفلمنكي وطلبوا أن نغادر العراق فورا لأن الحرب على الأبواب,وأن نكون خارج العراق قبل الليل . توجهنا الى الحدود الأردنية والحزن يملؤ قلبي والدمعة في عيني لفراق العراق وشعبه العظيم , بعد أن ودعت الأخوة السوريين والفلسطينيين وخوفي عليهم من المستقبل المجهول الذي ينتظرهم . وصلنا الحدود العراقية وكانت وكانت الساعة قد تجاوزت الثامنة مساء, وكنا أخر وفد صحفي يغادر العراق , لأن الحدود أغلقت أمام الجميع . بعد عدة ساعات من التدقيق والتفتيش للكاميرات والمعدات التلفزيونية , ومشكلة فحص الأيدز للصحفيتان الوحيدتين ضمن الوفد ومحاولة إلزامنا دفع الغرامة؟؟؟ العالم على أبواب الحرب ومسؤول أحمق في الحدود يطالب بإجراء فحص للإيدز عند المغادرة ولمن ؟؟؟ للصحفيتان الوحيداتان ضمن الوفد ؟؟؟؟. أغلقت الحدود العراقية ـ الأردنية بعد مغادرتنا , وحين وصلنا منطقة الرويشد , استقبلنا الصحفيون الأجانب الذين ينتظرون على الحدود من الجانب الأردني لسماع أخر الأخبار , وكنت قد اتصلت حينها ببغداد من هاتف الثريا ,لأسمع بأن الأستاذ طارق عزيز أصابته جلطة قلبية هي الثانية . وصلنا فندق

الأنتركونتيننتال في عمان , وكان مخصصا للصحفيين الأجانب ولمراسلي العالم وكانت الحرب قد بدأت , وبدأ نا معها بمتابعة الأحداث والخوف في قلوبنا على المستقبل المجهول الذي ينتظر الأمة العربية وبشكل خاص العراق …..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز