زهير كمال
zuhair1001@gmail.com
Blog Contributor since:
26 February 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
عمر بن الخطاب والجبهات الشمالية 2

 وضع  الرسول(ص) الاستراتجية العامة التي يجب على خلفاءه اتباعها، فقبل وفاته بقليل امّر صغير السن اسامة بن زيد على رأس حملة باتجاه بلاد الروم. وكأنه يقول لهم مستقبل الاسلام وحركة الشباب في اتجاه الشمال.

اشارة في منتهى الذكاء، فقد امّره على ابي بكر وعمر بن الخطاب وغيرهم، من هم اقوى واكبر واعظم من الشاب اسامة بن زيد، كان مستغرباً كيف يؤمّره الرسول على كبار السن والمسلمين الاوائل؟ 

وفهم خلفاءه هذه الاشارات الذكية في الاستراتيجية.    

بدأت في نهاية عهد ابي بكر توجيه بعض الحملات في المناطق الرخوة من العراق وبلاد الشام ولكن ما يطلق عليه الفتوحات الاسلامية بشكل منظم وقوي كان في عهد عمر.

مع  بداية خلافة عمر لم يعد الامر غارات بدوية سريعة، ولكن مواجهات ومعارك كبيرة مع الدولتين تشبه تماماً المعارك التي كانوا يخوضونها ضد بعضهما البعض، وهذه المعارك هي التي غيرت وجه المنطقة والعالم.

كانت بداية سيئة للدولة الاسلامية الفتية هزيمة قاسية منيت بها في اول معركة كبيرة دارت بينها  امبراطورية الساسان والتي تسمى بمعركة الجسر،  استشهد فيها ثلاثة الاف جندي وغرق ثلاثة الاف  واستشهد قائد الجيش  ابو عبيد بن مسعود الثقفي،  بالرغم من تساوي عدد الجيشين.

ويمكن لخسارة معركة هامة مثل الجسر في البداية ان تكون قاصمة  وتوقف المد الاسلامي الى امد طويل. ولكن ما حصل لم يوهن عزم الخليفة او يثنيه عن تغيير الاستراتيجية. 

خاض المسلمون معارك كثيرة بعدها وانتصروا فيها جميعاً. ( هناك جدول بأهم 11 معركة على الجبهتين الساسانية والبيزنطية يبين ان معدل نسبة المدافعين هي ثلاثة أضعاف عدد المهاجمين المسلمين وللاسف لم استطع ادخاله الا اذا اضيف قسم ثالث للمقال لا ضرورة له.) 

السمات المشتركة للمعارك على الجبهة الشمالية:

1-      فيما عدا معركة الجسر في بداية خلافة عمر التي خسر فيها الجيش الإسلامي رغم تساوي الأعداد(عشرة الاف لكل طرف)، فقد حقق الجيش الأسلامي المهاجم انتصارات كاسحة في كل المعارك رغم قلة عدده، وكانت النسبة تقترب إلى أربعة أضعاف في المعارك الفاصلة مثل اليرموك(ارقام ابن اسحاق 24000 مسلم مقابل 100000 بيزنطي) والقادسية( 30000 مسلم مقابل 120000 ساساني) ونهاوند(30000 مسلم مقابل 150000 ساساني).

2-      من المفترض أن قيادات الجيوش في الإمبراطوريتين محترفة.وعند كل قائد الخبرة في وضع الخطط الاستراتيجية والتكتيكات المناسبة، وتحقق لكل منهم النصر في معارك عديدة. بعكس الجيوش المهاجمة فقياداتها غير معروفة (ما عدا خالد بن الوليد) وليس عندها الخبرة العسكرية لمهاجمة  جيوش دول معادية.

3-      أسلحة الجيوش الإمبراطورية أقوى وأشد فتكاً.

4-      الجيوش الأمبراطورية في حالة دفاع وعلى أرضها. وفي العادة فان المهاجم يتحمل النصيب الاكبر من الخسائر.

لم تكن هذه معركة واحدة بل سلسلة متصلة من المعارك الكبيرة والصغيرة والتقدم البطيء واحتلال المدن وإقامة إدارة جديدة لكل مدينة.

 لابد أن هناك سرّ للإنتصارات المتواصلة لم تؤثر فيها بعض النكسات على المسار العام للحركة.

وقد ذكر بعض المحللين أن سبب الإنتصارات المتتالية هي ضعف الإمبراطوريتين معاً التي حطمت الواحدة منهما الأخرى.

ورغم هذا الضعف تستطيع كل منهما حشد هذا الأعداد الكبيرة تقدر بعدة أضعاف في كل مواجهة مع الجيش الإسلامي المهاجم.

وإنما السبب الحقيقي يكمن في الروح المعنوية عند كل طرف ولماذا يقاتل الجندي؟

هذا سؤال دائم وأبدي يحدد من الذي ينتصرفي الحروب منذ فجرالتاريخ وحتى نهايته.

 معارك ذلك الزمن القديم أصعب بكثير من معارك أيامنا هذه.

إذا وضعنا جانباً الخطط الحربية والذكاء في المناورة والتكتيكات وغير ذلك بهدف أعطاء الجيش التفوق المطلوب، فان المعركة في النهاية ليست سوى مواجهة بالسلاح الأبيض، وجهد على مدار نهار كامل ولعدة أيام ، يصل تعب الفرد فيها إلى حد الإرهاق.

والانتصار في المعركة لا يتحقق إلا بطريقتين:

1-      أن تقتل عدوك الذي أمامك.

2-      أن يخاف عدوك فيهرب منك فتلحق به وتقتله.

لنأخذ معركة اليرموك كمثل على المعارك الاخرى ونحلل سبب انتصار الجيش الاسلامي رغم التفوق العددي الهائل لصالح جيش بيزنطة   (اربعة جنود روم مقابل جندي مسلم):

1.      انسحب الجيش الاسلامي بقيادة ابو عبيدة عامر بن الجراح من المدن الكثيرة التي احتلها في بلاد الشام ليكون قريباً من خطوط الامداد في الجزيرة وكان اختياره لمنطقة اليرموك.             

اول ما فعله ابو عبيدة هو ارجاع الجزية الى اصحابها في كافة المدن التي انسحب منها. الجزية عند المشرًع الاسلامي هي مبلغ من المال يؤخذ من غير المسلم مقابل الحماية، وبانسحاب الجيش المسلم اصبح غير قادر على تنفيذ الجزء الخاص به في العقد وهكذا اصبح العقد لاغياً وتم ارجاع مبلغ الجزية الى اصحابها.  عمل بسيط ليس فيه تكلف او تصنع فهذا الجيش الغازي لم يأت من اجل جباية الاموال او الاثراء على حساب سكان البلاد. هذا العمل البسيط حطم الى الابد الدعاية الامبراطورية ان هؤلاء الرعاع الذين يغزون بعضهم البعض ما هم الا قطاع طرق جاءوا طامعين في خيرات بلادنا. وبالطبع فهذا الخبر وصل اسماع جنود الجيش الذي يمر بهذه المدن متجهاً الى الجنوب لملاقاة بدو الصحراء كما يوصفون.

2.      تخلى ابو عبيدة قائد جيوش الجبهة الشمالية الغربية عن قيادة المعركة لخالد بن الوليد. فهو يعرف قدرات خالد العسكرية، شعر ان خالد اقدر منه على ادارة معركة هامة بهذا الحجم واكتفى بقيادة الوسط. لم أجد في التاريخ عسكرياً بهذا الايثار والتضحية، يهمه نتيجة المعركة وليس المجد الشخصي، وكثير من المعارك تمت الهزيمة فيها بسبب تغلب الانانية وحب الذات.

3.      كان آخر ملوك الغساسنة اسمه جبلة بن الايهم وقد اسلم هو وكل قبيلته ايام الرسول(ص) ، ذهب الى الحج مع عمر قبل معركة اليرموك بفترة قليلة ، وطأ احد الحجاج على إزاره فحلّه فما كان من الملك الا لطم انفه لطمة قوية هشمته واسالت دمه. جاء شاكياً الى عمر واعترف جبلة بالواقعة، قال عمر: أما وقد أقررت فإما أن ترضيه، وإلاّ فعل الإعرابي مثلما فعلت به

قال: أيعقل هذا وأنا ملك وهو سوقة يا أمير المؤمنين؟

قال: لقد سوى الإسلام بينك وبينه، فما تفضله بشيء إلاّ بحسن العمل

قال: يا أمير المؤمنين، والله لقد رجوت أن أكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية.

قال عمر: إنه لكذلك!

قال: أخرني إلى غد حتى أفكر في الأمر

قال: ذلك لك.

لم يفكر جبله بل عاد أدراجه في الليل هو وقبيلته الى الشام أي إلى وضعه السابق. لام العقلاء عمر لفقدانهم ملكاً وقبيلته ولكن عند عمر يتساوى في القيمة والكرامة والانسانية الملك والصعلوك. واثبتت الايام ان الموقف الصحيح هو موقف عمر، كان جبلة قائداً لفرقة الخيالة والهجّانة في جيش بيزنطة ولكن جنوده رأوا باعينهم كيف يحترم الطرف المقابل إنسانيتهم ويساوي بين أصغر فرد منهم وبين الملك فلماذا يقاتلون؟ 

4.      جورج، أحد قادة الجيش الرومي تقدم الى الأمام في بداية المعركة ونادى على خالد فتقدم اليه ظاناً أنه يريد المبارزة ولكن سأله لماذا يسمونك سيف الله؟ فشرح له خالد الاسلام وقبله جورج وحارب مع خالد ضد من كان يقودهم، واستشهد في نفس اليوم! فكيف سيكون وقع هذا على الجنود المحاربين.

5.      طلب عكرمة بن ابي جهل من فرقته المكونة من اربعمائة مقاتل ان يؤدوا قسم الاستشهاد والموت معه، بعد ان شاهد الضغط الكبير الذي يتعرض له المركز فلبوا نداءه وهجموا وأحدثوا التميز المطلوب وماتوا في نهاية اليوم جميعاً، هذا التبرع الطوعي يختلف عن تطوع فرقة جريجوري المكونة من خمسة عشر الف مقاتل ربطوا انفسهم بالسلاسل، فتلاوة القسم لا تعني إرادة التضحية.

6.      كان معسكر النسوة المسلمات في الخلف وعندما يشتد ضغط المعركة فان بعض الجنود يضطرون الى الفرار فتواجهه النساء بكلام قاس مثل:                                                                                    

                                                           يا هارباً عن نسوة تقيات               فعن قليل ترى سبيات  

                                                                                                  ولا حصيات ولا رضيات 

ترتفع روحهم المعنوية ثانية او بالأحرى يغلي الدم في عروقهم ويرجعون إلى أرض المعركة غير مبالين بالموت فهم يفضلونه على أن يسببوا للنساء هذا الوضع المهين  نتيجة هربهم.

2.      استهانة قواد الجيش الامبراطوري بالخصم والغرور الناتج عن التفوق في العدد والعدة

قال احد الجنود المسلمين الذي يحضر معركة لاول مرة: ما أكثر الروم وأقل المسلمين!     

ما أكثر المسلمين وأقل الروم!  أجابه خالد بن الوليد عندما سمعه وأستمر مفسراً هذا المنطق المخالف لموضوع الأعداد على الأرض : إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان، لا بعدد الرجال.

إذن خالد كان يتنبأ مسبقاً بنتيجة المعركة ويعرف أن الروح المعنوية هي التي تحدد نتيجتها.

هذه لمحة سريعة عن اسباب الانتصار في معركة فاصلة مثل اليرموك واتمنى لو قام باحثون اخرون بدراسة المعارك المصيرية الاخرى.

الاسلام الذي يؤمن به عمر بن الخطاب  بما يحمله من مباديء العدالة والمساواة والتسامح والنظافة في التعامل مع الناس بدون النظر الى عرقهم او دينهم كان الامل الجديد الذي فقدته المسيحية بعد تحولها الى طقوس، صحيح ان الديانتين تدعوان الى عبادة الاله الواحد نفسه ولكن تعطش الانسان الى العدل في الدنيا هو الذي يحدد اختياراته وهو الذي جعل الكثير من مسيحيي الشرق يتحولون الى الدين الجديد بدون اكراه او ضغط من احد. فكافة المدن التي تراجع عنها ابو عبيدة قد استقبلته ثانية بالورد والمحبة، فمرور جيش بيزنطة على هذه المدن وهو متوجه الى اليرموك لم يكن مروراً مسالماً وبريئاً.

اما في جبهة الشمال الشرقي فقد تحررت العامة من أثقال اربعة طبقات فوقها ووزعت عليها الاراضي مقابل ضريبة بسيطة اسمها الخراج. فلماذا لا تقبل دين التوحيد الذي حقق لها العدالة والمساواة، صحيح ان طبقة الكهنة وما فوقها قد قامت باضطرابات في مراحل لاحقة من التاريخ نتيجة لخسارتها المميزات التي كانت تملكها في النظام السابق، ولكن التاريخ يعلمنا ان مثل هذه القلاقل لا تنجح اذا لم تكن مدعومة من العامة (الاغلبية)

كانت كلمة الاسلام قوية ومدوية  ولها سيف ضعيف وكان هذا كافياً لتحقيق التوازن الاستراتيجي وتحقيق انتصارات غيرت مجرى الانسانية.

كانت بداية صحيحة لرسالة قوية يحملها افراد آمنوا بها ووضعوا ارواحهم فوق اكفهم.

لا أحد يلوم البابا الاوروبي وانما سلاطين هذه الامة الذين يشوهون كل يوم القيم النبيلة للاسلام وادهى من ذلك يوظفونه من اجل مصالحهم الشخصية ولا يعرفون معنى للكرامة يرون كل يوم الهجوم الشرس على الارض والقيم والدين ولا يتحركون فقد ماتوا وهم أحياء. ولكن هذه الامة لن تموت أبدأ فهي اصل التاريخ والحضارة وستنهض كما عودتنا دائماً







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز