Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
أستاذي وفص من كبدي

في طريقي إلى قريتي التي أكلها العمران وهربت منها الأشجار مذعورة بعد زحف كل هذه المباني الأسمنتية التي تركت بصماتها حتى على الوجوه ...هذه المرة بالذات في طريقي لقريتي أنا محظوظ لأني بعدما أشرت إلى سيارة الأجرة التي تنطلق بسرعة إلى المنصورة وقفت السيارة لأركب وحدي في المقدمة في هذا الكرسي الوثير متأملاً كل هذه المساحات الخضراء الشاسعة حيث أشعر أنها هي التي تجري بينما أن السيارة ومن فيها ساكنون بلا حراك.

 

يغيب الآن قرص الشمس في شفق أحمر حزين يغوص رويدا رويدا حتى تبتلعه الأرض على مرمى حجر من الأفق المرئي ولا أدري لم أصاب بكل هذا الهم والحزن من رؤيته وقد اعتدت هذا منذ أن كنت طفلاً.

 

الآن تجتر ذاكرتي مشاهد جميلة من طفولتي التي لم تكن أبداً جميلة. هنا في هذه اللحظة أتذكر أنطون تشيخوف وهو يقول: في طفولتي لم تكن لي طفولة. هناك حيث كنت لبعض الوقت ألهو وأمرح وأجري وألعب وأصاحب كل شيء وأهمس في أذن كل زهرة في هذه المساحات الشاسعة من الخضرة والترع والشوارع الواسعة.

 

هذه الشجرة تميل على ذاك البيت وكأنما تخطف قبلة من جبينه وتلك الزهرة تميل إلى الأرض كأنما تناجيها وتبثها أشواقها. كل شيء هنا جميل. كل شيء هنا صريح وصادق. هذه هي الطبيعة وكفى.

 

كنا أطفالاً مرحى لا يفت في عضدنا الفقر ولا الحرمان. كنا نعمل في كل شيء لأجل الحصول على قروش زهيدة نعين بها آبائنا ونشتري منها الثياب الجديدة للمدرسة. لكن أكثر عمل جمع كل الأطفال في قريتي وما جاورها كان هو الفرقة بكسر الفاء. وهي المجموعات الكثيرة التي كانت تنقي نبات القطن من الدود والآفات وكان في كل مجموعة اثنان يحكمانها: الخولي وهو الرئيس الكبير ومعه عود الخيزران الذي يلهب به ظهورنا ونحن ركع في قيظ الصيف، والفرار بتشديد الراء وهو المفتش وراءنا ويا ويله يا سواد ليله من يجد المفتش وراءه دودة قد نسيها على ورقة من أوراق القطن في صفه المسئول عنه.

 

ليس المهم الآن أن أفصل لكم الحديث عن عدد المرات التي أكلت فيها تراب الأرض من الضرب حتى إن الخولي ذات مرة بعدما ضربني بيديه ورجليه وبجريد النخل رماني في الترعة!!

 

الترعة نعم التي أورثتنا جميعا البلهارسيا التي عولجنا منها مرارا. هذه الترعة التي كنت أستمتع بالاستحمام فيها أنا وأقراني..يا لها من أيام جميلة. نعم جميلة لأنا ما حملنا لبعضنا ضغنا ولا حقدا ولا حسدا بل كنا نحب بعضنا ونشفق على أنفسنا ونقتسم الرغيف الجاف ونعين بعضنا على العمل بينما تبدل الحال لما كبرنا وواصل الأسمنت زحفه على الخضرة والقلوب.

 

في هذه الغرفة الضيقة وبينما يجري الأطفال الذين كبروا الآن حتى وصلوا إلى الصف الأول الإعدادي هاهو كاتب المقال يجلس فرحاً مع أقرانه سعيدا أن وجد لنفسه مكانا في دروس الإنجليزية التي كان يعطيها الأستاذ محمد في بيته البعيد عند محطة السكك الحديدية.

 

في أول يوم يبدأ التعارف بين الأستاذ والتلامذة ويسأل المدرس السؤال المعتاد: اسمك ايه ووالدك بيشتغل إيه؟

 

الجميع يجيب بحماس وقوة إلا كاتب هذه السطور الذي يرتجف من السؤال الثاني فيقول اسمي: محمود حسن الفقي. يفاجئه الأستاذ محمد : ماذا يعمل والدك؟ أخفض رأسي نحو الأرض محاولاً الهرب لكنه يصر فأرد عليه: والدي مريض. يشعر الأستاذ الآن بقدر ما سببه لي من ضيق وألم ويبدأ في أول دروس الإنجليزية مع الحروف الأبجدية:

A, B, C, D…….

بينما أغيب أنا في عالم لا نهائي أسأل نفسي فيه أسئلة محددة؟ ماذا تحمل لي الأيام سيما وأني الآن في وضع صعب؟

يخرج الرفاق تباعا وأكون آخرهم فأجد يد الأستاذ تربت على كتفي بحنان ويقول لي: انتظر يا محمود.

 

أنتظر فيقول لي : الآن اصعد معي إلى بيتي أستضيفك. يومها تأكدت أنه كما نقول في بلدنا ولد وفي فمه ملعقة ذهب لأنه من أثرياء القرية. شربت يومها عصيرا ما أحلاه وأكلت طعاما ما أشهاه وانتظرت خمس دقائق فخرج الأستاذ وزوجه ومعهما العديد من الأكياس والحقائب.

 

سألني : ما هو عنوانك بالتفصيل. أخبرته. طلب مني العودة إلى منزلي وما هي إلا سويعات قليلة حتى فوجئت به في بيتي ومعه زوجه وفي يديهما حقائب كثيرة بها من الطعام والثياب ما لا عين رأت.

 

أذكر كيف أن هذا الأستاذ كان يطعم أبي بنفسه وكيف أنه بعدها كان يزورنا بانتظام ويحضر لنا الطعام والمال وقد عرفت بعدما كبرت أنه من جماعة الإخوان المسلمين لكنه أبدا ما حدثني عنهم ولا طلب مني مساندتهم أو الانضمام إليهم. في كل هذه السنوات كان هذا الرجل رفيقا لي دعما وتشجيعاً إلى أن التحقت بالجامعة وغابت عني أخباره.

 

سألت عنه وعلمت أنه يعاني من فشل بالكبد وهرعت إليه من فوري أقبل يديه وأعرض عليه التبرع بفص من الكبد وبينما يصر على رفضه أصر أنا على التبرع له. وبالفعل بدأت الفحص الطبي وظهرت النتيجة تعلن عن توافق في الأنسجة واستمر الفحص بعمليات جراحية (مثل المنظار التشخيصي على الجهاز الهضمي وأشعة السونار والبذل وغيرها) إلى أن قال لي الطبيب أني غير صالح للتبرع لدهون في كبدي. على كل حال لا يهمني إن كان الطبيب قد أشفق علي يومها سيما وأنه كان يعاملني كأب حنون ونصحني ألا أستمر في الأمر بعدما علم أنه لا يمت لي بصلة قرابة أو رابطة دم.

 

المهم الآن أني عندما أذكر فعلي هذا أتعجب : كيف واتتني الشجاعة لأقوم بهذا العمل؟ نعم طبيعي أن يستعبد الإحسان قلبي لكني الآن بعدما تزوجت وأنجبت أجد أن الإقدام على التبرع بفص من الكبد خطوة خطيرة وكبيرة تحتاج إلى تفكير طويل وتأن ومشاورة لا حب أو وفاء وحسب.

 

لا أكتب هذه المقالات ذي الطابع الإنساني لأستدر عطف القاريء أو حبه... لا أبداً... ولكني أكتبها لحزني على انسحاب هذه المعاني الجميلة من حياتنا ولأني أؤمن أن أعظم ما يميز الإنسان أن له عقل وقلب. لاحظ معي أن دخول الحب في معادلة الرواية والقصة القصيرة والشعر والأدب بصفة عامة يصنع من الحكايا والآثار ما يجذب الأذهان ويخلب الألباب.

 

 لاحظ أن العلاقة بين التلميذ والأستاذ هي بيت القصيد في العلم والتعليم وأنها قد انهارت لأن الأستاذ أصبح تاجرا جشعا لا يفكر إلا في المادة وهو ما أضاع هيبته وتقديره في قلوب تلامذته.

 

لاحظ أن حالات الطلاق الكثيرة التي تقطع نياط القلب وتتسبب في كارثة اسمها أطفال الشوارع إنما يقف وراءها واحد من أقوى الأسباب وهو غياب الحب والرحمة التي أكدها القرآن العظيم.

 

لاحظ في تعليقات البعض أنه يكاد يأكل الكاتب ويحطم عظامه وربما يفسر علم النفس هذا بتأكيده أن من ينقد على الدوام إنما يعوض نقصا في شخصيته ويوهم نفسه بأنه على قدر من الأهمية مثل ما كنت أسمعه صغيرا من أغنية صلاح جاهين:" العنب دا طعمه مر، التعلب قال كده، والدليل إنه مر، إنه جوا وأنا بره". وقد رأيت مقالا جميلا ظريفا كالعادة لبلال فضل بعنوان" بدعة التعليق الإلكتروني" فشفى غليلي وقال ما كنت أود قوله : تجدونه على هذا الرابط:" http://www.alarabiya.net/views/2009/05/09/72358.html"

وعندي من الأمثلة الكثير على العقد النفسية التي يقذفها بعض الناقمين من القراء ضد الكاتب فتجد الحول بعينه عندما يترك المقال وينتقد شخص الكاتب ويفتش في ضميره وقلبه. ومن آخر التعليقات التي استفزتني هذا التعليق على مقال في إحدى المجلات التي أتشرف بالكتابة فيها حيث تجد التدين والتنطع فرسي رهان كالعادة:

" الأخت الفاضلة.... أرى أن من الأفضل أن تقري في بيتك ولا تزاحمي الرجال بالتعليق هنا فأنت بتقواك وعلمك فتنة للبعض." وتعليقي هو: إذا كانت التقوى والعلم من المرأة فتنة تثير شهوة هذا المريض فماذا عن العرايا في الشوارع حيث لا يجرؤ سيادته أن يقول مثل هذا الكلام لواحدة منهن وإلا كانت ضربته بالنعال. هل هذا هو التدين؟ هل هذا أصلا منطق؟ أيها المتنطعون الشهوة في المخ لا الأعضاء التناسلية يعني أصلحوا تفكيركم ونظرتكم للمرأة تصلح أحوالكم.

 

وأخيرا ومسك الختام يقول المولى تبارك وتعالى:

 

"والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون."

 

وفي سبب نزول الآية الكريمة:

 

 يروي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود (يعني جائع). فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: من يضيف هذا الليلة؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رَسُول اللَّهِ. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: أكرمي ضيف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم.
وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيء، وإذا أرادوا العشاء فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين. فلما أصبح غدا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فقال: لقد عجب اللَّه من صنيعكما بضيفكما الليلة."







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز