Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
والناس اللي تحت Down to earth

بداية تعالوا معي أشرح لكم قصدي من العنوانDown to earth  :

 

فهذا التعبير المكون من ثلاث كلمات يترجم إلى صفة مفردة في اللغة العربية وتعني كلمة: مثقف واقعي. وانظر إلى هذا التعبير الرائع في الإنجليزية الذي يعني حرفيا النزول إلى الأرض يعني أن تكون بمستوى الأشخاص العاديين من عامة الناس (مثلي أنا بدون محاولة لانتزاع اعتراف منكم بتواضعي) بلا مثالية زائفة أو رومانسية مصطنعة أو تكلف ممقوت.

 

 نعم هناك كتاب عمالقة لكن كثيرا منهم لا يستطيع أن يكون بسيطا تلقائيا عفويا صادقا بطبعه من دون تكلف. وأذكر أن الإمام محمد عبده قد أرسل إلى تلميذه رشيد رضا رسالة طويلة قال في خاتمتها: آسف اعذرني فلم يكن عندي وقت كاف لاختصارها. وهذا جميل جدا ودقيق لأنه يعني أن البساطة والاختصار قد تكون عملا مرهقا ومضنيا لمن ليس موهوبا أو لمن كان باله مشغولا بصورة لا يمكنه فيها استجماع تركيزه.

 

أما الناس اللي تحت (وبالمناسبة فإن كلمة اللي صحيحة لغويا كما قال الكسائي وتعطي معنى الاسم الموصول) فهم هؤلاء المساكين الذين تراهم في شوارعنا وقد نحت الفقر أجسادهم وسرق الفرح من عيونهم بينما يعيشون قال إيه في دولة إسلامية!!

 

امش في شوارعنا ولن تخطيء عينك هذا المنظر المتكرر كثيرا: امرأة تجاوز عمرها الخمسين تعمل ضمن المجلس المحلي في جمع القمامة يعني زبالة كما يحب المصريون الرحماء العطوفون المهذبون أن يسموها. انظر إليها بينما أن الدولة بكاملها قد بخلت حتى أن تسلمها أدوات بلاستيكية بسيطة تجمع بها زبالة هؤلاء النظيفين. انظر إلى هذه المسكينة وهي تركع في قيظ الصيف لتجمع بكلتي يديها ترابا وقاذورات قد يكون فيها من الزجاج ما يدمي يديها ومع هذا تواصل جمع التراب والقمامة  وهي تضمد جرحها بورقة من الجرائد البالية بينما يمر عليها آلاف مؤلفة لا يرق لحالها أحد.

 

لعلك شاهدت كثيرا عمال الصرف الصحي الذين يجوبون الشوارع جيئة وذهوبا باحثين عن عمل أجره لا يتعدى خمسة جنيهات بينما يحملون على أكتافهم من الحديد ما أثقل كواهلهم ليصلحوا ما أفسدته مخلفات النظيفين. بل لعلك قرأت حتى في الصحف الحكومية أن أعدادا كبيرة منهم قد غرق في بيارات المجاري العملاقة بينما كان يغوص فيها لإصلاحها تحت الأرض وما شعر به أحد وما حن لأولاده الأيتام حكومة أو شعب.

 

ماذا عساي أن أقول لقد رأيت بعيني صورة من تراحم الحيوان المفترس بغيره عندما رأيت ترسة تتجه بأولادها إلى البحر وقد انقلب آخرهم على ظهره ولم يستطع اللحاق بهم ولم تشعر بهذا أمه ولا إخوته. تأتي الكاميرا لتفزعني بمنظر التمساح المفترس وهو يظهر فجاءة ليلتهم هذه الترسة الصغيرة بفكه العملاق. لكن ويا للعجب لقد أمسك بها في فمه لا ليأكلها وهو يشتهيها لكن ليعدل من وضعها حتى تسير إلى أمها وقد أمسك بها حتى وصل إلى الشاطيء بينما كان على مقربة منه ووضعها على بطنها حتى تستطيع المشي فانطلقت تعدو فرحة إلى أمها وإخوتها. والحقيقة أن مثل هذا كثير ومنه المشهور الذي يتناقله الشباب على كاميرا المحمول من النمر الذي افترس قردة وأكلها لكنها كانت تحمل وليدها الذي خرج من أحشائها وانظر إلى هذا الإحساس المرهف للنمر الذي ظل متسمرا في مكانه مشدوها مدهوشا لا يلوي على شيء إلا أن حمله وظل يداعبه ويحضر له الطعام. ومثل هذا كما قلت كثير وحقيقي وإن كنت لا أعرف تفسيره.

 

أذكر هنا وخاصة للسلفيين المتشدقين بمعاني العدل والرحمة كيف أن محدث الديار المصرية العلامة المرحوم محمد عمرو عبد اللطيف قد ألجأته الحاجة إلى أن يبيع فيشار على عربة خشبية بينما كان يرتدي قميصا مقطوعا ويمر عليه تلامذته يرفلون في النعيم!!!

 

انظر إلى هذا الكم القميء من الاستعلاء والتجني من الجانبين المسلم والمسيحي ضد بعضهما البعض (تعليقات قراء المصريون نموذجا "من الجانب المسلم ضد المسيحي") بينما أن الدين نفسه يستحيل أن يكون سببا أو داعيا للفتنة والسباب. وفيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة: "قيل : يا رسول الله ! ادع على المشركين . قال " إني لم أبعث لعانا . وإنما بعثت رحمة".

 

إن الناظر إلى كتاباتنا كلها لا يكاد يراها إلا منقسمة إلى هذه الشرائح التالية:

 

إما مقالات تنظيرية بحتة تعنى بالوصف والسرد وفرد العضلات ولا بأس من البكاء والعويل والنواح وسب الدهر ولعن الحكومة بضرورة وبغير ضرورة مع نسيان خطايا الشعب الذي تعلم الفساد من الحكومة.

أو مقالات أدبية تفتقر إلى المعنى الحقيقي للأدب الذي لا بد أن يحوي الجمال عنصرا أساسيا ومكونا شرطيا فيه فترى شعرا من الطلاسم ونثرا من الألغاز وافتعالا بغيضا للنقد بناء على ما فهمه المترجم من ترجمة خاطئة لنظريات النقد الغربية ومدارسها. ويحضرني هنا وصف د. صلاح فضل الناقد الأدبي لأحد أشهر الكتاب في مصر (لا داعي لذكر اسمه) بأنه يترجم الكتاب وينسى أن يضع عليه اسم مؤلفه ويكتب اسمه عوضا عنه!!!

 

وهناك مقالات تختبيء خلف ستار الموضوعية والحياد (الحياد في رأيي خرافة فلا أحد يمكنه أن يكون محايدا على طول الخط) بينما يدس تملقه وإطراءه لشخصية ذات نفوذ لتحقيق مصلحة أو دفع مضرة.

 

وهناك مقالات لا تفهم ماذا يريد منها الكاتب ربما لأن الكاتب (لو صح أصلا تسميته بالكاتب) نفسه لا يفهم ماذا يريد هو. وغالب مقالاتنا من هذا النوع الإنشائي الذي يؤمن بالكتابة للكتابة فقط مثل الفن للفن والضحك للضحك حتى لو ارتدي الممثل قميص نوم أو ارتدت المرأة بذلة وتكلمت بخشونة مثل الرجال ولا بأس من الإيحاءات الجنسية كتلك التي يجيدها عادل إمام وسمير غانم.

 

لكن وسط هذا الركام الهائل من يا ترى يكتب لأنه تؤرقه فكرة أو تضنيه آلام الناس اللي تحت؟ أقسم بالله العظيم أن احتفائي بمقال يتحدث عن معاناة عمال الصرف الصحي سيكون أعظم من احتفائي بمقال يشرح العلوم الطبيعية أو قصيدة شعر بديعة وهذان أفضل ما أقرأ.

 

وهذا يقودني للحديث عن الأدب الإنساني ذي الطابع الأخلاقي الذي يشرح آلام البسطاء من الناس ويبكي لبكائهم ويحمل شكواهم إلى السلطان الجالس على عرش من الرغد والنفاق من بطانته. وربما كان هذا هو السبب الذي جذبني إلى أدب يوسف إدريس رغم اعتراضي على بعض أفكاره بل ورأيي فيه من أنه مفكر أكثر منه أديب لكن يبقى أنه واحد من الذين أحسنوا التعبير عن المتألمين في آدابهم. ومن أروع ما قرأت في هذا الأدب رواية الوارثون للدكتور خليل حسن خليل والتي تحولت إلى مسلسل في الإذاعة بعنوان: الوسية وربما كان هذا هو السبب الذي كتب هذه الشهرة والنجاح الكبير لرواية رد قلبي ليوسف السباعي.

 

فهل يمكن أن يثلج صدري أحد بالحديث عن الناس اللي تحت وحينئذ سيكون هو المثقف الحقيقي الذي يسير مثل كل الناس على الأرض ولا يعيش في برج عاجي؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز